أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

المجلس الدستوري: لهذه الأسباب ردَّ الطعون

الخميس 26 تشرين الثاني , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 960 زائر

المجلس الدستوري: لهذه الأسباب ردَّ الطعون

نقولا ناصيف
خرج أعضاء المجلس الدستوري في الإمتحان الأول من مجلسي النواب والوزراء، وكل منهم يعرف سلفاً أنه محسوب على إحدى المرجعيات الدستورية أو السياسية الكبرى في البلاد، بدءاً برئيس الجمهورية ميشال سليمان، مروراً برئيس المجلس نبيه برّي ورئيس الحكومة حينذاك فؤاد السنيورة، والرئيس ميشال عون، والزعيمين السنّي سعد الحريري والدرزي وليد جنبلاط. لا يوافق وزير العدل إبراهيم نجار على هذا التصنيف لكونه اقترح الأعضاء الـ10. بيد أن معظمهم كان في صلب تقاطع مثير بين المرجعيات تلك. كانت هذه حال العضو المتني الذي التقى على تأييده الرئيسان أمين الجميّل وميشال عون والنائب ميشال المرّ، والعضو الدرزي والعضوان السنّيان والعضوان الشيعيان. أما رئيس الجمهورية فاختار رئيس المجلس.
تقاطع يوحي التنافر: بين المرجعية والكفاية.

قرارات المجلس لم تعكس التسوية السياسية التي أوجدته

الامتحان الثاني الذي يتوقع المجلس الدستوري أن يواجهه في الساعات المقبلة، إذا صدق حدس بعض أعضائه أن المتضررين من قراراته الـ19 والمستفيدين منها سيقرعون نفير الرضى والغضب، أن القرارات تلك لم تعبّر تماماً عن التسوية السياسية التي مكّنت المجلس الدستوري من إبصار النور. والأصحّ أن القرارات لا تعكس تماماً صورة الانقسام السياسي السائد في مجلسي النواب والوزراء، على الأقل حيال البيان الوزاري في الوقت الحاضر، ما دام الأعضاء الـ10 قد انتخبوا أو عُيّنوا بفضل مرجعيات السلطتين الاشتراعية والإجرائية.
واقع الأمر ليس ذلك. بين 9 تموز الماضي عندما باشر النظر في الطعون الـ19 المرفوعة إليه من 19 مرشحاً لانتخابات 7 حزيران ولم يُوفق فيها، و25 تشرين الثاني، أمس، عندما أعلن 19 قراراً قالت بردّ كل الطعون لعدم تضمّنها الإثباتات الكافية لإبطال نيابة واحدة أو أكثر، كان على المجلس الدستوري أن يأخذ في الاعتبار المعطيات الآتية:
1 ـــــ نظر في 19 طعناً توزّعت كالآتي: 7 طعون في المتن (ضد النائبين ميشال المرّ وسامي الجميّل وضد النواب الخمسة الفائزين في لائحة الرئيس ميشال عون)، 6 طعون في زحلة (ضد 6 من نوابها السبعة)، طعنان في عكار (ضد النائب هادي حبيش)، طعن في الدائرة الأولى من بيروت (ضد النائب ميشال فرعون)، طعن في الدائرة الثانية من بيروت (ضد النائب نهاد المشنوق)، طعن في جبيل (ضد النائب عباس هاشم)، طعن في جزين (ضد النائب عصام صوايا). في خلاصة تقارير الأعضاء، لا مبرّرات للقبول بأيّ من هذه الطعون التي تولّى مقرران كلاً منها بغية التحقق من قرار مدروس. راعى رئيس المجلس عصام سليمان مقاييس إضافية في توزيع المهمات. أسند الطعون إلى أعضاء لا يمتّون بصلة إلى المنطقة أو إلى الطاعن أو المطعون في نيابته. اهتم رئيس المجلس الجبيلي وطارق زيادة الطرابلسي بطعون المتن (ضد المرّ والجميّل وغسان مخيبر)، وصلاح مخيبر المتني بطعون زحلة، وأسعد دياب البقاعي بطعون المتن والدائرة الأولى من بيروت، والشوفي سهيل عبد الصمد بطعن الدائرة الثانية من بيروت. ذهب إلى طعون زحلة أيضاً الجنوبي أحمد تقيّ الدين والبيروتي توفيق سوبرة. وهكذا دواليك...
2 ـــــ وقّع الأعضاء الـ10 القرارات الـ19 وأضفوا طابع الإجماع عليها، انطلاقاً من أن لا حقائق جدّية وردت في الطعون أوجبت خياراً معاكساً. بل إن أياً منهم لم يُدوّن مخالفة في متن القرار وفق قانون تنظيم المجلس الدستوري الذي يجيز له أيضاً ذكر الحيثية التي تحمله على الاعتراض وتدوين المخالفة بناءً عليها. ورغم معرفة الأعضاء الـ10 بتصنيفهم المسبق في خانات مرجعيات سياسية، فإن هذا التصنيف لم يقدهم إلى اصطفاف سياسي، بحيث يرجّح كلّ منهم كفّة الجهة المدين لها بتعيينه. هكذا اعتمدوا منهجية إصدار قرارات عادلة تكرّس وجود المجلس الدستوري وترسّخ ثقة اللبنانيين به، بمعزل عن الانتماءات السياسية. وهو ما عناه إجماعهم.

أجمع الأعضاء على القرارات، ولم يُدوّن أيّ منهم مخالفة في متنها

3 ـــــ مذ بدأ أعماله، تجاوز المجلس اعتقاداً مسبقاً بأنه إذا لم يُبطل أي طعن فهو تخلّف عن القيام بواجبه، وإذا أبطل أفلح بهذا الواجب. وهي وجهة نظر يقاربها الطاعن والمطعون في نيابته على نحو متناقض، حتى أوحيا أن صدقية المجلس تكمن في استجابته ما يطلبه هذا أو ذاك. بلغت إلى أعضاء المجلس أصداء مواقف سياسية فحواها: إما يُبطل أو يُبطَل دوره، يُسقِط نواباً أو يسقط هو.
4 ـــــ نظر المجلس الدستوري إلى دوره على اعتبار أنه هيئة دستورية مستقلة ذات صفة قضائية، لكن لا علاقة لها بالتنظيم القضائي. قراراته نافذة على كل مراجع الدولة اللبنانية، ومبرمة لا تقبل أياً من طرق المراجعة. لا سلطة فوقها، ولا تخضع لوزارة معينة، ولا لمجلسي النواب والوزراء. أما رئيس الجمهورية، تبعاً للدور الذي تنيطه به المادة 49 من الدستور باعتباره رئيس الدولة، فلا يتدخّل في قراراتها. قاد ذلك المجلس الدستوري إلى أن يتصرّف على أساس أنه غير معني بالتوافقات السياسية التي أتاحت تكوين هيئته، وغير معني بالخلافات السياسية التي تعصف بالوضع الراهن. وبحسب مرجع مسؤول فيه، فإن القرارات الـ19 بردّ الطعون ستكون نفسها في ظلّ التوافق العام وفي ظلّ الخلاف العام. وبإجماعه لم يُظهر المجلس الدستوري نفسه صورة متطابقة عن السلطتين الاشتراعية والإجرائية.
5 ـــــ رغب المجلس في إصدار قراراته قبل إنجاز البيان الوزاري كي يضع حدّاً للإحباط الذي يلقي بثقله على بعض النواب، ممّن يخشون إطاحة نيابتهم. ولعلّ أسطع دليل على حجم هذا الهاجس أنّ نائباً بارزاً اتصل صباح أمس، قبل ساعات من صدور القرارات، بأحد أعضاء المجلس ممّن يدينون له بالمرجعية، مبدياً قلقه من أنباء بلغته من أن نيابته مهدّدة فعلاً بالإبطال. أضف أن استعجال صدور القرارات رمى إلى أبعد من تطمين النواب القلقين، وهو إتاحة المجال أمام البرلمان كي يضطلع بدوره، وخصوصاً عند أبواب مناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس سعد الحريري، ويتخلّص من هواجس انتخابات فرعية وشيكة لم يرَ المجلس الدستوري مبرّراً لحصولها.
كيف نظر إذاً إلى الطعون؟
من دون أن يأخذ في الاعتبار الانتماء السياسي للطاعن أو المطعون في نيابته، انطلق المقرّرون في تحقيقات شملت الطاعن والمطعون في نيابته، والموظفين الذين لهم علاقة بالانتخابات في المديرية العامة للأحوال الشخصية، مديرين ورؤساء مصالح ومأموري النفوس في الدوائر الانتخابية المعنية. شملت التحقيقات أيضاً كل العناصر التي انطوت عليها الطعون على أنها مخالفات.
وأبرز ما يمكن استخلاصه من القرارات الـ19:

تجاوز المجلس اعتقاداً بأنه إذا لم يُُبطل أي طعن تخلّف عن القيام بواجبه، وإذا أبطل أفلح به

ـــــ الرشوة: ساقت معظم الطعون تهم الرشوة مجرّدة من أي دليل يثبت صحتها. في الطعن بنيابة المرّ دفعه مبلغ 200 ألف دولار لمطران السريان الأرثوذكس في جبل لبنان جورج صليبا. دفع المبلغ قبل بدء احتساب مصاريف الحملة الانتخابية وفق قانون الانتخاب نحو شهر ونصف شهر. وادّعى المرّ أن المبلغ مساعدة أو قرض لطائفة السريان الأرثوذكس لحلّ مشكلة قائمة بينها وبين مصرف لبنان. وهذا ما أكده المطران في التحقيق معه. ثبت للمجلس الدستوري في التحقيق الذي أجراه مع المرّ وصليبا أن المبلغ دُفع يوم 18 شباط 2009 ووضع في حساب المطران في 19 شباط، وكان لا يزال في هذا الحساب عند إجراء التحقيق في 13 آب، ولم يُوزّع على الناخبين في المتن. وإذا اعتبر المبلغ قد أثّر على الناخبين السريان الأرثوذكس في المتن، فإن عدد مقترعي هذه الطائفة بلغ 1814 مقترعاً توزّعوا بين اللائحتين المتنافستين (60 في المئة للمرّ و40 في المئة للائحة عون). ولو حُسموا جميعاً من مجموع أصوات المقترعين التي نالها المرّ بعد تصحيح النتيجة واحتساب القلم 52 في برج حمود، يبقى المرّ متقدّماً على منافسه (غسان الرحباني) بأكثر من 500 صوت.
ـــــ نقل القيود خلافاً للقانون: ورد الادّعاء في ذلك في الدائرتين الأولى والثانية، وخصوصاً في دائرة زحلة، بنقل نفوس أكثر من 1500 ناخب. ومن التحقيقات التي أجراها المجلس ثبت أن الناخبين المنقولة قيود نفوسهم في دائرة زحلة وشاركوا في انتخابات 2009 بلغ عددهم 404 مقترعين فقط. وقد اطّلع المجلس على ملفاتهم وتبيّن أنهم نُقلوا وفقاً للقانون. وزيادة في التثبّت من ذلك، جرى التحقيق مع الموظفين الكبار في المديرية العامة للأحوال الشخصية في بيروت والبقاع، وأكدت هذه التحقيقات صحة ذلك.
ـــــ التزوير في لوائح الناخبين: تضمّنت طعوناً مقدمة في دائرة زحلة خصوصاً، وجرى الكلام على نحو 16 ألف ناخب أضيفت أسماؤهم إلى لوائح الناخبين خلافاً للقانون. بيّنت التحقيقات أنه حصل خطأ في لوائح الناخبين عندما أعلن عنها في شباط، وسقط زهاء 200 ألف اسم في مختلف الدوائر، منها نحو 16 ألف اسم في دائرة زحلة. تنبّهت مديرية الأحوال الشخصية إلى هذا الخطأ، فطلبت من لجان القيد إضافة هذه الأسماء إلى لوائح الناخبين، لأنه لا يجوز حرمان مَن سقطت أسماؤهم خطأً من حقهم في المشاركة في الانتخابات. جرى التصحيح وإضافة هذه الأسماء بقرارات من لجان القيد وفقاً للقانون، قبل تجميد لوائح الناخبين في 30 آذار 2009. وإذا كانت قد وردت أسماء أموات بين المضافة أسماؤهم، فإن ذلك حدث بسبب عدم شطب هذه الأسماء من سجلات النفوس. وإن إضافة الأسماء وردت بحسب السجلات بلا تمييز على أساس الطائفة أو المذهب أو الانتماء السياسي.
ـــــ عدم احتساب نتائج أقلام الاقتراع: ثبت أنه في المتن لم تُحتسب نتائج القلم الرقم 52 برج حمود بقرار من لجنة القيد، دون مسوّغ قانوني. احتُسبت نتائج القلم في قرارات المجلس الدستوري، وصُحّحت نتائج المرشحين جميعاً في المتن وفقاً للأصوات التي نالها كلّ منهم، ولم يؤثر التصحيح على نتيجة الانتخاب. كذلك احتُسب قلم اقتراع في زحلة أهملت لجنة القيد احتسابه، وصُحّحت النتيجة ولم تؤثر على نتائج الانتخاب أيضاً.
ـــــ تزوير محاضر فرز أقلام الاقتراع: تبيّن من التدقيق في محاضر فرز أقلام الاقتراع أن ليس هناك من تزوير. المحاضر موقّعة وفق الأصول ولم تتضمّن أي تحفّظ أو اعتراض من مندوبي الطاعنين.
ـــــ إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والحملات الإعلامية المغرضة خلافاً لقانون الانتخاب: من دراسة الطعون تبيّن أن ما سُمّي إثارة النعرات الطائفية والمذهبيّة في وسائل الإعلام لا ينطبق عليه مفهوم إثارة هذه النعرات. تالياً، بقي مجرّد اتهامات تنقصها الدقّة، علماً بأن الطاعنين والمطعون في نيابتهم لجأوا إلى وسائل غير مألوفة في الأنظمة الديموقراطية، وتساووا في استخدام الوسائل غير المشروعة في حملاتهم الدعائية.
ـــــ الحكم بجنحة شائنة في حقّ نائب مطعون في نيابته: ادّعى الطاعن بأنه صدر حكم بجنحة شائنة في حق النائب عصام صوايا قبل أن يترشّح للانتخابات. تبيّن من التحقيق أنه لم يصدر حكم في حقه.


Script executed in 0.19355916976929