أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

جعجع يصوّب على المقاومة.. فيصيب الحريري!

الإثنين 30 تشرين الثاني , 2009 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,215 زائر

جعجع يصوّب على المقاومة.. فيصيب الحريري!
بمجرّد اكتمال صورة البيان الوزاري، اتخذ «مسيحيو لجنة الصياغة»، كل بحسب حجمه، موقعاً خلف منصة إعلامية، وشرع في عرض عضلاته، التي مكنته من الصمود على مدى الجلسات العشر وكبح جماح بند المقاومة بوضع ضوابط له. وكانت للوزير بطرس حرب ووزير الكتائب سليم الصايغ طلات إعلامية متعددة في هذا المجال. غير أن المفارقة المثيرة برزت في تمايز قوات سمير جعجع عن حلفائها، بإطلاق حملة عنيفة ضد بند المقاومة، تجاوزت فيها تحفظ هؤلاء الحلفاء، الى الدعوة لإلغاء البند من أساسه!
قد تبدو لموقف جعجع وجهة استهدافية واحدة ومحددة ضد المقاومة ووجودها، لكنه يستبطن في جوهره فعلاً اتهامياً مباشراً لحلفائه بالضعف والتفريط، وخصوصاً مسيحيي لجنة الصياغة الذين لم يكونوا بمستوى المسؤولية التي علقتها «القوات» عليهم مع تشكيل لجنة الصياغة، وأقصى طموحاتهم وقفت عند حدود إبداء تحفظ مرن، وكذلك الأمر بالنسبة الى الحلفاء المسلمين الذين تقدمهم رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي خذل «القوات» وحسم خياره من البداية لمصلحة الإبقاء على بند المقاومة، كما ورد في بيان الحكومة السابقة.
واضح ان جعجع يحاول أمام جمهور «14 آذار»، والمسيحيين منهم على وجه الخصوص، ان يظهر في مظهر الحريص ووحده في خط الممانعة، فيما حلفاؤه، ومن دون استثناء مفرّطون. لكن ذلك يدفع الى طرح التالي: لماذا لم يشارك وزراء جعجع في لجنة الصياغة من البداية؟ هل كان وجود وزراء جعجع في اللجنة سيقدم أكثر مما قدمه الوزراء الحلفاء بالنسبة الى بند المقاومة، او سيفرض تعديلات على هذا البند؟ هل كان جعجع يدرك سلفاً النتيجة التي سيؤول اليها البيان الوزاري فهرّب قواته من تجرّع كأس المقاومة، وتبرّع بحصة «القوات» في لجنة الصياغة للوزير بطرس حرب «لأن مواقفه قريبة من مواقف القوات»، على ما قال صراحة الوزير ابراهيم نجار؟ هل معنى ذلك، ان جعجع أعدّ منذ ذلك الحين لإطلاق حملة استثمار قواتية واسعة، بناء على تلك النتيجة المعلومة سلفاً، وتحت عنوان السلاح والمقاومة يصيب فيها او يصيد مجموعة من العصافير السياسية المسيحية، بما يعزز حضوره وحيداً في شارعه المسيحي في المرحلة المقبلة؟
وفي هذا السياق، فإن خريطة القوى المسيحية داخل منظومة «14 آذار»، تبرز بوضوح أن جعجع لا يحتاج الى كثير عناء للإمساك بها بالنظر الى تفوقه السياسي والتنظيمي المتجدد، وكذلك المالي المستمر بالتدفق، وأكثر من يستشعر بالخطر في هذا المجال، ليس المتفرقات الحزبية او السياسية المسيحية فحسب، بل حزب الكتائب بالدرجة الاولى، الذي يعيش هاجس حفظ وجوده المهدد دائماً، ومن هنا يأتي سعيه مع تشكيل حكومة سعد الحريري الى تجاوز «الإهانة السياسية» التي تلقاها بحجم ونوع التوزير، ومن ثم انتقاله الى اعتماد «سياسة رفع الصوت» وذلك لكي يحفظ له حصة ولو متواضعة في «الكعكة السياسية»، بما يمكنه اولاً وآخراً من الهروب من «الغول القواتي»، الذي يسعى الى «افتراسه» في أية لحظة وعند أي مفترق.
قد تكون محاولة جعجع للتمدد على تلك الخريطة سهلة بالنسبة اليه، وبلا أشواك او معوقات جدية، إلا أن الأمر يختلف في القاطع الآخر، ولا سيما ان السير فيه دونه ألغام وأثمان باهظة وأكلاف كبرى، والشواهد كثيرة على ذلك، ومنها عدم القدرة على تغيير حرف في البيان الوزاري. على ان السؤال الاساسي هنا: لماذا يصرّ جعجع على وضع نفسه في موقع عدواني هجومي تحريضي على المقاومة؟ وتتفرّع عن هذا السؤال جملة أسئلة مشروعة:
هل يقرأ جعجع في كتاب الواقع اللبناني وحقيقة الوقائع والتوازنات والتحولات الداخلية والخارجية، الى اين يريد ان يصل في سياسة العداء للمقاومة؟
من يخاطب جعجع في هجومه على المقاومة؟
هل ينطوي هجوم جعجع على رسالة مفتوحة يطلقها في اتجاهات مختلفة، لعلها تلقى استجابة ما من مكان ما، ليبنى عليها مقتضى ما؟
هل ينطوي هجوم جعجع على محاولة مستجدة لاستدراج عروض، والإيحاء بأن أوراق اعتماده لبنانياً باتت جاهزة لمن يشاء؟
هل لدى جعجع، برغم كل الحالة التنظيمية المتجددة التي استعادها، القدرة على جر المسيحيين الى رهان جديد يضاف الى رهانات سابقة خاسرة وكانت باهظة الكلفة في السياسة وغير السياسة؟ يلاحظ قطب سياسي التزامن بين هجوم جعجع على المقاومة، وبين موقف رئيس الحكومة سعد الحريري المتناغم معها.
وفي اعتقاد القطب السياسي ان هذا التزامن ينطوي من جهة على قلق حقيقي يعتصر جعجع مما ستنحو اليه الأمور في الآتي من الأيام، وخصوصاً بعد زيارة الحريري الى دمشق، التي تشكل محطة فاصلة يخاف جعجع من ان تملي على الحريري أن يثبت رجليه على الخط السوري. وفي قناعته أن كل اقتراب للحريري من «حزب الله» ، ومن ميشال عون، وقريباً من سوريا، هو ابتعاد اوتوماتيكي عن حلفه مع القوات اللبنانية.
كما يستبطن التزامن بين الموقفين، «صرخة تذكيرية» من جعجع في وجه الحريري، وفي وجه فرقاء الداخل الآخرين، يعلن فيها بأنه ما يزال في موقع المرجع الذي يركن اليه، وانه من خلال التعرض للمقاومة، ما يزال الطرف الاساسي في التجاذب حول العناوين الكبرى في البلد. كما انه ما يزال الطرف اللبناني الذي يشكل الظهير المسيحي الخلفي للحريري، يمكن الاتكاء عليه للتقليل من تقديم التنازلات في دمشق ... قريباً.
الى اين سيصل جعجع؟
يقول سياسي بارز، إن جعجع ومع التطورات الداخلية والخارجية، لا يستطيع مغادرة خطابه، ولا التراجع عن خطه، حتى ولو اصبح وحيداً. فهو غير وليد جنبلاط الذي انعطف بشكل كامل وفي لحظة سياسية اختارها بعناية واستمر، وهو غير سعد الحريري الذي قد يتدرج في انعطافته ويجد من يلاقيه في لبنان وسوريا، وأما جعجع فهو يعرف انه اذا انعطف انتحر، ولا سيما ان له تاريخه وثقافته المختلفة، ضد سوريا وضد المقاومة، ولذلك عدم قدرته على الانعطاف، تفتح على استمرار سلوكه المنحى التصاعدي والتصعيدي، ويبقي الباب مفتوحاً على شتى الاحتمالات.. والضحايا... والأكلاف.
في سياق هجومه المستمر، أطلق جعجع معادلة مستحيلة، يقول فيها إن «القوات اللبنانية» هي اقرب ما تكون الى «حزب الله»، وقدم تبريرات وما الى ذلك.
الطريف، انه عندما سمعوه في حزب الله، ضحكوا.. وضحكوا.. وضحكوا.. وما زالوا يضحكون؟!

Script executed in 0.18077802658081