أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حزب اللّه: نحو اليسار الدولي أكثر

الأربعاء 02 كانون الأول , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,772 زائر

حزب اللّه: نحو اليسار الدولي أكثر

اليوم، قدّم حزب الله في وثيقته الثانية صورة المحترف، بعدما كان قد قدّم في الأولى صورة الهاوي والثوري الذي لا يقبل بأي نوع من أنواع التسويات، والذي يصرّ على التمايز عن القوى الأخرى، لضرورات إثبات الوجود والخصوصية. إلا أن عقوداً من العمل أدت بالحزب إلى رفع علم لبنان إلى جانب علمه، وتغيير الشعار من الثورة الإسلامية إلى المقاومة الإسلامية، والتحول التدريجي إلى لاعب إقليمي.
الأهم أن الحزب أسقط تقريباً من قاموسه السياسي العبارات التي كانت تردّ العداء للأميركيين والإسرائيليين (والسوفيات والشيوعية في حينها) إلى غيبيات، وكانت تصف الآخرين بالشر المطلق، في افتراض (غيبي آخر) وبأن الحزب هو الخير. وفي الوثيقة الجديدة باتت التعريفات أكثر علمية، وخاصة في سياق تحليل المعطيات الدولية، وبات الحزب قادراً، بل ربما ساعياً إلى التقاطع مع قوى ثورية عالمية أخرى، تحمل لغة قريبة إلى حد كبير مما جاء في ورقته السياسية.
قد تثير بعض الفقرات الواردة في الوثيقة وخاصة في بند «العالم والهيمنة الغربية والأميركية»، الالتباس، فهل كتبها يساريون جدد أم كتبها جهاديون من حزب الله، وخاصة رؤية كالآتية: «إنّ تحكّم قوى الرأسمالية المتوحشة، المتمثلة على نحو رئيسي بشبكات الاحتكارات الدّولية من شركات عابرة للقوميات (...) والمدعومة بقوة فائقة عسكرياً، أدى إلى المزيد من التناقضات والصراعات الجذرية، ليس أقلها اليوم: صراعات الهويات والثقافات وأنماط الحضارات، إلى جانب صراعات الغنى والفقر. لقد حولت الرأسمالية المتوحشة العولمة إلى آلية لبث التفرقة وزرع الشقاق وتدمير الهويات وفرض أخطر أنواع الاستلاب الثقافي والحضاري والاقتصادي والاجتماعي».
فلا مفهوم الاستلاب هو من عنديات الفكر الديني، ولا قراءة الواقع على ضوء المصالح الاقتصادية والمالية والحاجة إلى توسيع الأسواق هو من آليات الفكر الغيبي المثالي، بل على العكس تماماً، فالفكر المادي العلمي، والماركسي تحديداً، هو ما يفرض فهم الواقع انطلاقاً من معطيات مشابهة. واليوم يستخدم حزب الله المعطيات الماركسية الأولية في فهم الواقع والعمل على تغييره، تماماً كما كان يقول الماركسيون من الاتجاهات كلها بأنهم يسترشدون بفكرهم في السبيل نفسه.
ولم تعد بقايا اللغة الفكرية للحزب، من تعابير، مثل استكبار وغيرها، لتعوق التفكير المادي والقراءة في شبكة المصالح العالمية في النص الذي قدمه هذا التنظيم، بل باتت مجرد أدوات ومرادفات قديمة وصفية، لا تزيد أو تنقص من محاولات الفهم العلمية للموقع والدور والوظائف والآفاق، وتؤسس اللغة الجديدة إلى نقاش لن يقتصر على اليسار المحلي أو العربي، بل سيمتد ما امتدت شبكة المتضررين من المد الأميركي الذي اجتاح العالم ولا يزال.
في المقابل، إن الحزب الذي بدأ حياته ثورياً هاوياً، وبعدما بلغ مرحلة الاحتراف، تخلى عن مفهوم الأمة (والذي يحاصره عملياً في طائفة واحدة) ليستخدم في ورقته تعبيراً واضحاً في وصف العالم الذي يستهدفه على مستوى الخطاب والجمهور والدور، إنه «عالمنا العربي والإسلامي» ودون لبس، فلطالما وقعت أحزاب اليسار وغيرها، في محاولة الحفاظ على مسافة سواء مع «العالم العربي» أو «العالم الإسلامي». واليوم، الحزب ينسب نفسه صراحة وبأكثر من مكان إلى «عالمنا العربي» معطوفاً على «الإسلامي».
إلا أن كل التحول اليساري على مستوى الخطاب الدولي لم ينعكس، للأسف، في الجانب الاقتصادي الاجتماعي الداخلي، ففي بند «الدولة والنظام السياسي» وضعت واجبات الدولة نحو مواطنيها من الإنماء المتوازن وردم الهوة الاقتصادية والاجتماعية بين المناطق في الترتيب العاشر، ومجمل النقاط حول الدولة ووظائفها يشير إلى أنه حزب وسط، إن لم نقل إنه يقف إلى اليمين ويتحدث بلسان وسطي.


Script executed in 0.12703800201416