فالمواطنُ نفسُه، الذي استمَعَ اليوم الى خطاباتِ النواب ميقاتي، ومكاري، والحوري ومستَقبَليِّينَ آخرين، لا بد أنه سيسألُ الحريري نفسَه: هل إنَّ كلامَ هؤلاء هو لمجردِ البازار الشعبي، لدى قواعِدِهِم المخدوعَةِ من قِبَلِهِم ونتيجةَ أدائهم قبلَ الانتخابات وبعدَها؟ أم أنَّ كلامَ هؤلاء هو لتهديدِ شركائهم في الوطن، بأنهم لم يقبلوا الشراكَةَ الحالية، إلا على مَضَض، ولأنَّ موازينَ القوى فَرَضَتْها عليهم. وأنهم حين يعودُ جون بولتون أو رامسفيلد أو تشيني، فهم جاهزونَ للانقلابِ على الديمقراطيَّةِ التوافقية، وعلى المقاومة مجدَّداً؟
حتى بدت الصورةُ الحريريَّةُ اليوم، نوعاً من التوازُنِ الدقيق، بين الشَكلِ والمضمون، أو بين اللغَةِ والفَحوى. فالرئيس الحريري، وَقَعَ في أخطاء لغوية كثيرة. لكنه بدا مُصيباً في فحوى ما قاله. أما نوابُه، فقللوا من أخطاء الشكل، لكنهم ارتكبوا شطحاتٍ كثيرةً وكبيرةً في المضمون. وإلا، فكيف للرئيس ميقاتي، الذي عاشَ وعايَشَ وشَهِدَ وشاهَدَ ونظَّرَ لكلِّ ارتكاباتِ عهودِ الوصاية، أن يسميَ الأداءَ الحر والاستقلالي في الأعوامِ الأربعة الماضية خَرقاً للدستورِ والأعراف؟ وكيف لنائبِ رئيسِ المجلس مكاري، الذي كان وزيرَ إعلامِ عهد الوصاية، وقارئَ فرماناتِهِ وارتكاباتِه، أن يحاضِرَ بما حاضَرَ اليوم من كلامٍ عن الحريات؟ وكيف للحوري، الذي لم يسجِّل اسمَه على ما سماهُ جبران تويني لائحةَ الشرف، أن يسجِّلَ صوتَه اليوم، على لائحَةِ المتشرِّفينَ بالمزايدَةِ والمبازَرَة؟؟؟
انطلقت جلساتُ الثقة. لكنها سقطت سريعاً في الرَتابَةِ والمغالاةِ الفارغة والتمثيلِ الرديء. بعد غد، سيرفَعونَ أصابِعَهم وأيديهم، تماماً كما كانوا يرفعونَها طيلةَ عقدٍ ونصف. وحدَه سعد الدين الحريري كان خارجَ تلك الحقبة. ويجب أن يبقى خارجَها. آخذاً بنصيحَةِ سليمان فرنجية، بحسنِ اختيارِ أصدقائه. أو آخذاً بنصيحَةِ جميل السيد، بتنظيفِ محيطِهِ من الملاحَقين، فعلاً، أو في وجداناتِ الناس...
انطلقت جلساتُ الثقة، وللاطلاع على أخبارِها، ننتقِلُ مباشَرَةً الى ساحَةِ النجمة، مع مراسِلِنا هناك، الزميل إدمون ساسين.