أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

دخان ملوّن من بكركي

الأربعاء 09 كانون الأول , 2009 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,493 زائر

دخان ملوّن من بكركي

مرّ على جلوس البطريرك الماروني نصر الله صفير (مواليد 1920) على كرسي بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للموارنة 23 عاماً اقتصرت إنجازاته خلالها على رعايته ترميم بعض الكنائس والأديرة، إعلان رتبة القداس الماروني الجديدة، الإشراف على تنظيم انعقاد السينودس من أجل لبنان (1995) وزيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى لبنان (1997). إضافة إلى تأسيسه الصندوق الاجتماعيّ المارونيّ وصندوق ضمان المطارنة المتقاعدين.
هذه «الإنجازات» القليلة تستفزّ الكثير من الموارنة الذين كانوا يأملون أن تملأ بكركي الفراغ الماروني على مستوى الأحزاب المسيحية والمؤسسات الاجتماعية. لكن المُستفزّين وغيرهم يؤثرون الصمت (حتى القيّم البطريركي العام السابق الأب بطرس العلم الذي حمل ملف بكركي إلى الفاتيكان ليشكو، يتردد في التصريح عمّا في هذا الملف الذي يتجاوز عدد صفحاته الخمسمئة). ولهذا الصمت سببان:
ـــــ اقتناع بعض الموارنة بأن بكركي آخر المؤسسات المسيحية القوية، ولا يفترض إزاحة أوراق التين عنها.
ـــــ اقتناع المتابعين للملف سواء أكانوا مع الفاتيكان أم مع مرجعيات روحية مؤثرة بأن التغيير مستحيل إذا خرجت الأمور عن السيطرة الإعلامية وبدأ الاستفزاز والاستفزاز المقابل. ولهذا، حرص التيار الوطني الحر على التشدد في التعتيم، سواء أكان على لقاءات العماد ميشال عون مع مسؤولين فاتيكانيين خلال «رحلة النقاهة» بعد الانتخابات أم على زيارة الوزير جبران باسيل والنائب نبيل نقولا لإيطاليا فور إعلان الرئيس سعد الحريري أسماء الوزراء في حكومته، علماً بأن هناك وثائق تؤكد أن صفير، في سياق ترتيبه العلاقة مع عون برعاية الفاتيكان، رفض أن يكون باسيل ضابط الارتباط بين بكركي والرابية وسمّى النائب إبراهيم كنعان لهذه الغاية، فيما رفض عون طلب صفير مشاركة رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع في اجتماع عون ومجلس المطارنة.
لكن الصمت لا يلغي اعتراف غالبية الموارنة، على اختلاف تياراتهم، بوجود مشكلة شرَّحها المجمع البطريركي الماروني الذي عقد عشرات الجلسات العامة في مطلع كل صيف على مدى ثلاث سنوات (من 2003 حتى 2005)، وانتهى إلى إصدار توصيات لإصلاح هكيلية بطريركية أنطاكية وسائر المشرق، علماً بأن المترددين على الفاتيكان (حيث يحرص سفير لبنان هناك، العميد المتقاعد جورج خوري، على متابعة حركة المعترضين اللبنانيين على إدارة البطريركية والتواصل مع صديقه صفير في شأنها) يؤكدون أن دوائر صناعة القرار وتنفيذه باتوا يعرفون الداء والدواء في ما يتعلق بالبطريركية المارونية، وهم يؤثرون العمل الهادئ، بعيداً من الأضواء.

3 عناوين للإصلاح

في رأي المطّلعين على أوضاع بكركي، يفترض الإصلاح أن يتناول ثلاثة عناوين رئيسية، سبق أن ركزت نقاشات المجمع البطريركي عليها:
1ـــــ استعادة بكركي موقعها كبطريركية أنطاكيا وسائر المشرق بعدما انشغلت بالسياسة اللبنانية حتى بات يصفها البعض ببطريركية جونية وحارة صخر. وضمن هذا العنوان، ثمة بندان أساسيان؛ الأول سياسي بامتياز حيث يتطلّع بعض الفاعلين في الكنيسة وخارجها إلى قيام البطريركية بدور على الصعيد المسيحي من القدس إلى بغداد، مروراً بالشام طبعاً. والثاني، يتجاوز السياسة إلى القضايا الحياتية والاجتماعية، إذ على البطريركية واجبات تجاه رعاياها في اللاذقية والقدس وعمان مثلما هي في حريصا وفي عين إبل والقبيات وزحلة والأشرفية. يذكر هنا أن المجمع الماروني أوصى البطريرك بزيارة الرعايا دورياً، لكن صفير لم يأخذ هذه التوصية بالاعتبار.
2ـــــ مأسسة البطريركية، إذ لم تدخل بكركي التي يفترض أنها أمّ المؤسسات المسيحية في لبنان، العصر المؤسساتي بعد. وعليه، يمسك صفير وحده بالسلطتين التنفيذية والإدارية (دور مجلس المطارنة اشتراعي فقط). والغريب أن صفير يقود وحده تقريباً المعارك على الجبهات كلها. فهو يكتفي بمساعدة متواضعة جداً من النائب البطريركي العام، المطران رولان أبو جوده، تاركاً للقيّم البطريركي العام، الأب جوزف بواري، متابعة الإدارة المالية للبطريركية، ولأمين سر البطريرك الأب ميشال عويط تحديد المواعيد للزوار. وفيما تدافع البطريركية عن بواري وعويط، مؤكدة أن الأول لا يأخذ أي قرار من دون الرجوع إلى «اللجنة الاقتصادية» وإلى البطريرك شخصيّاً، وأن الثاني لم يرفض مرة تحديد موعد مع البطريرك لطالبه، يزداد شغف الناس بتداول القصص عن بعض المحيطين بالبطريرك وسوء استخدام عدد منهم مواقعه، فتتعدد الأمثلة عن سوء إدارة الأملاك البطريركية، من تأجير البطريركية محطة للوقود في منطقة ذوق مصبح لمستثمر مقرّب من الصرح، أجّرها بدوره لمستثمر آخر بعشرة أضعاف المبلغ الذي دفعه إلى البطريركية لاستئجارها، مروراً بموافقة البطريركية على استبدال أراضٍ تملكها بأخرى يتبيّن أن قيمتها لا تساوي ثلث قيمة الأرض التي كانت للبطريركية، وصولاً إلى بيع البطريركية هدايا ثمينة بأسعار بخسة والتفضيل بين أبناء الطائفة الراغبين في استثمار بعض الأراضي، بحسب درجات القربى التي تجمعهم بنافذين في الصرح، ودائماً بحسب ما يجري تناقله، علماً بأن المجمع البطريركي كان قد أوصى بـ«تنظيم علمي دقيق للبطريركية المارونية». ووجد المجمع أن بداية مشوار التنظيم تكون بإنشاء أمانة عامّة في الكرسيّ البطريركيّ، حرص بعض المطارنة المشاركين في المجمع يومها على جعلها برئاسة البطريرك «الذي ينتدب أسقفاً أو كاهناً كُفئاً لشغل منصب الأمين العام»، على أن تنشئ الأمانة العامة دوائر متخصصة بالتعليم والبحوث والثقافة والتربية وغيرها الكثير. وتُعدّ هذه الدوائر المفتوحة أمام كل المسيحيين الملفات لتعرضها على المطارنة والبطريرك وتتابع تنفيذها في

تغيير مكان كرسي في صالون بكركي، يقول أحد الآباء، يحتاج إلى عشر سنوات من التفكير

 

رفض صفير أن يكون باسيل ضابط الارتباط بين بكركي والرابية، ورفض عون مشاركة جعجع في اجتماعه والمطارنة

حال موافقة مجلس المطارنة عليها. لكن، مرة أخرى، بقيت توصية المجمع حبراً على ورق المجلد الأحمر السميك سنتين، ثم وافق البطريرك، قبل نحو عام، على تسمية الأب ريشار أبي صالح أميناً عاماً لبطريركية أنطاكيا وسائر المشرق المفترضة. لكن انشغال أبي صالح بمهماته أميناً عاماً لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك حال دون انطلاقته جدياً في منصبه الجديد. في وقت يظهّر فيه التنظيم المقترح للأمانة العامة والدوائر حجم الفراغ المؤسساتي الذي تعيشه بكركي اليوم. فلا وجود لهيكلية تواصل مع الكنائس الأخرى والطوائف الأخرى والدول والمؤسسات العالمية والدولة اللبنانية والانتشار، ولا وجود لهيكلية مالية تنظم شؤون التمويل وإدارة المشاريع والمتابعة المالية والتدقيق.
3ـــــ علاقة البطريركية والأبرشيات. وهنا 3 بنود أساسية:
ـــــ إلغاء صفير لأبرشيات من أجل تعزيز نفوذه: إذ عمد البطريرك الماروني إلى الضغط بوسائل مختلفة لإلغاء موقع المطران في 4 أبرشيات (جونية وصربا وحدث الجبة وزغرتا) وانتدب أربعة نواب بطريركيين يتابعون أوضاع الرعايا في تلك المناطق، بحجة إضعاف المطارنة لنفوذ البطريرك في مناطق سكنه (جونية وصربا على تماس مع بكركي، وزغرتا وحدث الجبة على تماس مع الديمان). وبالتالي صار صفير الحاكم المباشر في أربع من أهم الأبرشيات المارونية في لبنان. لكنه لم يكتفِ بذلك رغم كثرة انشغالاته، فسعى إلى استبدال مطران صيدا ودير القمر، الياس نصار، بنائب بطريركي، لكنه فشل. وقد تمسك (صفير) بقرارات إلغاء الأبرشيات في وقت كان فيه المجمع الماروني يوصي بإنشاء المزيد من الأبرشيّات في النطاق البطريركيّ وفي بلدان الانتشار.
ـــــ التأخير في معالجة حدود الأبرشيات، إذ يتبيّّن أن مطرانية بيروت مثلاً تبدأ في المتن وتنتهي في الشوف، محتضنة أكثر من 400 ألف ماروني؛ ومطرانية أنطلياس تصل إلى زحلة، فيما مطرانية صربا تصل إلى المتن. ويشار هنا إلى أن بعض المطارنة النافذين يرفضون تحجيم أبرشياتهم لتأثير ذلك على إنتاجهم، إذ إن حجم الأبرشية يحدد حجم الأفراح والأحزان التي سيشارك فيها المطران، وبالتالي حجم الغلّة الشهرية، علماً بأن بعض المطارنة يحيون يومياً قدّاسين على الأقل، لا يقلّ رصيد الشيك المهدى إلى أي منهم في كل واحد منها عن 500 دولار، مع الأخذ بعين الاعتبار وجود لجنة مكلّفة إعادة النظر في حدود الأبرشيات القائمة، أوصى المجمع الماروني بتوسعة صلاحياتها لتشمل دراسة الحاجة إلى أبرشيات جديدة. لكن أعمال هذه اللجنة لم تظهر بعد، في ظل تأكيد بعض المقرّبين من الصرح أن معالجة قضية حدود الأبرشيات تفرض إنشاء مطرانيات جديدة.
ـــــ علاقة بكركي وأبرشيات الانتشار، إذ باتت غالبيّة الموارنة خارج النطاق البطريركي. علماً بأن الفاتيكان يعيّن مطارنة الانتشار لا بكركي، ولا تتجاوز سلطة صفير على أبرشيات الانتشار حدود التدخل في الشؤون الطقسيّة.
تغيير مكان كرسي في صالون بكركي، يقول أحد الآباء، يحتاج إلى عشر سنوات من التفكير. فما الحال مع توصيات المجمع الماروني؟ حدّد الداء والدواء، لكن ما نفع ذلك ما دام المرض يسعد صاحبه.



«وانتهى المشوار»

 

يقدّم المطران تلقائياً استقالته فور بلوغه سن الخامسة والسبعين، فينظر مجلس المطارنة في الاستقالات المقدمة خلال اجتماعه السنوي الكبير في شهر حزيران، فيقبلها أو يرفضها بحسب حالة المطران وظروف أبرشيته. وبعد تجاوزه الخامسة والسبعين، لا يحق للمطران أن يترشح إلى موقع البطريرك. هذا يعني أن السباق على خلافة البطريرك سيفقد حكماً عشرين مطراناً تجاوزوا أو على مشارف تجاوز الخامسة والسبعين، ومن أبرزهم: شكر الله حرب (1923)، مارون صادر (1926)، إسطفان الدويهي (1927)، رولان أبو جودة ويوسف درغام وريمون عيد (1930)، فرنسيس البيسري (1933)، سمير مظلوم (1934)، غي نجيم ويوسف بشارة (1935) ويوسف الخوري (1936)، ليبقى في المجلس 20 مطراناً مرشحاً محتملاً: روبرت شاهين وعاد أبي كرم وشربل مرعي وسيمون عطا الله (1937)، بولس الصياح (1939)، بشارة الراعي ويوسف أبي عاد ويوسف مسعود (1940)، منصور حبيقة وبولس مطر (1941)، جورج أبو جودة وفرنسوا عيد وشكر الله الحاج (1943)، جورج أبي يونس (1948)، أنطوان العنداري (1949)، سمير نصّار (1950)، غريغوري منصور (1955)، إدغار ماضي (1956)، الياس نصّار (1960) ويوسف سويف (1962).

Script executed in 0.16969799995422