وبحسب وسائل إعلام العدو، فإن إسرائيل والأمم المتحدة «ستحاولان استكمال انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي من القسم الشمالي من الغجر، قبيل نهاية ولاية قائد اليونيفيل، الجنرال الإيطالي كلاوديو غراتسيانو، في نهاية الشهر المقبل».
وفيما نقلت صحيفة «إسرائيل اليوم» عن مصادر سياسية إسرائيلية توقّعها أن «يتم الانسحاب العسكري من شمال الغجر هذا الأسبوع»، أكدت صحيفة «هآرتس» أن «إسرائيل والأمم المتحدة ستشرعان في جولة من المباحثات للتوصل إلى اتفاق على تفاصيل الحل المؤقت، بناءً على الخطّة التي اقترحها غراتسيانو. وبموجب هذه الخطة تتولى قوات اليونيفيل المسؤولية الأمنية عن القسم الشمالي من القرية، بعد أن تنسحب القوات الإسرائيلية منها، على أن تواصل إسرائيل سلطتها المدنية على هذا القسم، وتستمر في تزويد سكانه بالخدمات المدنية، مع احتفاظهم بالهوية الإسرائيلية».
وبحسب «هآرتس»، فإن القرار الإسرائيلي بالانسحاب، «جاء بعد فترة طويلة، تخبّطت فيها حكومة بنيامين نتنياهو بشأن تنفيذ هذه الخطوة»، مشيرة إلى أن القرار قد اتّخذ بعد نقاش «لجنة السباعية الوزارية» في الحكومة الإسرائيلية قبل أسابيع، وفي أعقاب تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة و«انطلاقاً من توجّه لدى إسرائيل لدعم المعسكر المعتدل في لبنان».
وكانت القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي قد ذكرت أن المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية، يوسي غال، ورئيس شعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي اللواء أمير إيشل، التقيا في إسرائيل يوم الخميس الماضي مع غراتسيانو ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى لبنان مايكل وليامز، وتباحث الجانبان في خطوة الانسحاب، مشيرة إلى أن «غال سلّم غراتسيانو بلاغاً رسمياً من الحكومة الإسرائيلية، بخصوص استعدادها للانسحاب من شمال القرية». وتعددت الأسباب المعلنة في إسرائيل، الدافعة إلى اتخاذ قرار سحب جيشها من الشطر الشمالي للغجر. فبحسب مصادر في وزارة الخارجية الإسرائيلية، كما ورد في وسائل إعلام إسرائيلية قبل أسابيع، فإن «خطوة الانسحاب تكسب إسرائيل نقاطاً سياسية لدى الأسرة الدولية وتدفع الأمم المتحدة للاعتراف بأنها لم تعد تحتل أرضاً لبنانية»، ما يعني إمكان صدور بيان عن الأمم المتحدة «يبارك» الخطوة وتطبيق إسرائيل للقرار 1701، بالكامل. أما الجيش الإسرائيلي فلم يعرب عن معارضته للخطوة، بحسب ما نقلت صحيفة هآرتس أخيراً، باعتبار أنها «لا تشكّل عائقاً
أمنياً، وهي خطوة لا تضرّ بقدرته على توفير الأمن في المنطقة». وكانت إسرائيل قد وضعت إمكان انسحابها من الغجر، بعد أسابيع فقط من عدوانها على لبنان عام 2006، كـ«مساهمة» منها لتحسين وضع «القوى المعتدلة في لبنان» على حساب حزب الله والمقاومة وحلفائهما، بل إن الحكومة الإسرائيلية اتجهت بالفعل قبل الانتخابات النيابية الأخيرة في حزيران الماضي، إلى إقرار الانسحاب من القرية، لـ«تحسين فرص فوز معسكر 14 آذار في الانتخابات»، وأشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية في حينه إلى أن «الولايات المتحدة تضغط على نتنياهو للانسحاب من الغجر، وكذلك محافل أوروبية وخصوصاً فرنسا، لتعزيز معسكر المعتدلين في لبنان وتحسين فرصه في الفوز»، إلا أن إسرائيل عادت وتراجعت في اللحظة الأخيرة عن هذه الخطوة، بعدما كان التقدير السائد لدى أجهزة استخباراتها بأن حزب الله وحلفاءه سيفوزون في الانتخابات، وبالتالي سيكون الانسحاب خطوة مضرة للدولة العبرية وهدية مجانية لحكومة لبنانية يسيطر عليها أعداؤها.
وبحسب المنطق الإسرائيلي، يمكن «المعتدلين» في لبنان أن يعرضوا خطوة الانسحاب من الغجر، باعتبارها خطوة جاءت نتيجة مساع دبلوماسية وسياسية بعيدة عن المقاومة، وهذا ما يتماشى مع رؤية وتطلّع القوى المناوئة لحزب الله في لبنان، وبالتالي تكون خطوة الانسحاب دليلاً على أن الوسائل الدبلوماسية قادرة بالفعل على تحقيق نتائج، ومن دون حاجة إلى وجود مقاومة في لبنان.
في هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى أن سيناريو الانسحاب من شمال الغجر، ليس إلا انسحاباً شبه شكلي من ناحية واقعية، مع توكيل للقوات الدولية برعاية الأمن ميدانياً، ومنع التسلل إليها والخروج منها، على أن تبقي إسرائيل ارتباطها المدني والخدماتي مع السكان المحلّيين في شمال القرية واحتفاظهم بالهوية الإسرائيلية. ومعنى ذلك أن انسحاب إسرائيل ليس إلا انسحاباً شكلياً مع إبقاء فعلي للاحتلال، ومن دون تمكين لبنان من فرض سيادته على أرضه عملياً.
أما حديث إسرائيل عن إمكان استخدام الخطوة للتأثير على مسارات داخلية في لبنان، وتحديداً ضد منطق المقاومة كوسيلة معتمدة ومجربة لتحرير الأرض، وإظهار جدوى منطق الدبلوماسية والسياسة كما يدعو إليه بعض الأفرقاء اللبنانيين، ففيه نوع من المبالغة، إذ إن الانسحاب الشكلي نفسه من الغجر ما كان ليتم، مع دولة كإسرائيل، لولا وجود المقاومة، أي أنها من ناحية فعلية هي التي تقف وراء هذه الخطوة، رغم شكليّتها.