أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

السينما الفرنسيّة أعلنت العصيان!

الإثنين 14 كانون الأول , 2009 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,635 زائر

السينما الفرنسيّة أعلنت العصيان!

في وقت تشهد فيه فرنسا جدلاً سياسياً محتدماً بشأن «الهوية الوطنية» على خلفية تزايد «الإسلاموفوبيا» التي يحاول الائتلاف اليميني الموالي للرئيس ساركوزي تغذيتها، يثبت الرأي العام في موطن فولتير أنّه لم يعد يتأثر بمنطق تغذية العداء ضدّ «الأجنبي». بعد انتخاب مليكة مينار ذات الأصول المغاربيّة «ملكة جمال فرنسا» لعام 2010، في اقتراع مباشر، جاءت المبادرة الثانية من الفنّ السابع. نال فيلمان تحتل فيهما شخصيّات عربية مكان الصدارة «جائزة لوي دولوك» المرموقة (غونكور السينما). إذ حصل «نبي» جاك أوديار الذي يتقاسم بطولته 5 ممثلون من أصل عربي (راجع المقالة أدناه)، جائزة أفضل فيلم فرنسي. بينما نالت باكورة ليا فيهنر Qu’un seul tienne et les autres suivront جائزة أفضل عمل أول. يأتي هذا التكريس النقدي، ليزيد حظوظ الشريطين في جوائز «سيزار» (الأوسكار الفرنسي) في شباط (فبراير) المقبل. «نبي» الذي يُعرض في بيروت، حاز أيضاً «الجائزة الكبرى للجنة التحكيم» في «مهرجان كان»، فيما نال «ليصمد واحد فقط... والآخرون سيتبعون» جائزة «ميشال دورنانو» في «البندقية». وإذا كانت الحفاوة النقدية لا تترافق، إلا نادراً، مع النجاح الجماهيري في مجال السينما، فإن عملَي أوديار وفيهنر يمثّلان استثناءً: تجاوز كلاهما عتبة المليون مشاهد في الصالات الفرنسيّة، ووزّعا في عشرات الصالات حول العالم. السجن هو مسرح الأحداث في الفيلمين المشار إليهما، ويمكن تصنيفهما في خانة «سينما المواطنة»، التي بدأت تحتل مكانها منذ هبوب رياح الساركوزية على بلد الأخوَين لوميير. هذا التيار الفني الناشئ الذي جاء امتداداً (بديلاً؟) لـ «سينما الالتزام» في الستينيات، برز أخيراً عبر أفلام عدّة، بدءاً بـ«بين الجدران» للوران كانتيه مروراً بـ Welcome لفيليب ليوري، وصولاً إلى رائعة كوستا غافراس «عدن غرباً» L’Eden à l’Ouest...

الشاب الخجول والأميّ سيصبح سيّد السجن، ويبسط سلطته على المافيا الكورسيكيّة والأصوليّة الإسلاميّة

تتخذ «سينما المواطنة» من التّوق إلى الحرية تيمتها الأثيرة، رافعةً «واجب المواطنة» فعل عصيان المدني ضدّ الفكر الأحاديّ، الذي تتخبّط فيه الطبقة السياسيّة الفرنسيّة في عهد ساركوزي. اللافت أنّ العملين يغرفان من النبع ذاته. كلا المخرجين يعترف بأنّه حين تصدى لإنجاز عمل عن عالم السجن، كانت مرجعيته شريط «الحفرة» Le trou (1960) وهو من كلاسيكيات السينما الفرنسيّة ختم به جاك بيكر (1906 ـــــ 1960) مسيرته وحياته. استعار أوديار وفيهنر من صاحب «أنطوان وأنطوانيت» (السعفة الذهبية ـــــ 1947) المنحى المينيمالي والرؤيا الواقعية التي تكاد تضاهي السينما التسجيلية. صراعاتٌ وتحالفات سرية تقلب جدلية الجلاد/ الضحية، وفق وتيرة سيزيفية عنيفة. كلّ هذا يأتي تعبيراً عن سمة مرحلة: مرحلة الحروب الاستعمارية في حالة بيكر، والعهد الساركوزي في حالة صاحبي «نبي» و«ليصمد واحد فقط...». حين يُحكم بالسجن على مالك الجبانة، بطل «نبي» (طاهر رحيم، زار بيروت أخيراً ضمن «مهرجان الفيلم الأوروبي»)، يعتقد الجميع أن هذا الشاب الخجول والأمّي، سيكون فريسة سهلة للمافيات التي تتقاسم النفوذ داخل السجن. لكن غريزة البقاء تولّد لديه عبقرية تجعله يسحب البساط من تحت أرجل المافيات الكورسيكية والجماعات الأصولية الإسلامية. هكذا، يبسط سطوته ويتحوّل إلى وحش كاسر، بفعل التلاعبات الماكيافيلية التي توظف الانتماءات العرقية والدينية للاستحواذ على السلطة والمال. أما «نبوءة» الشريط، فتتمثّل في التحذير من مخاطر مثل هذه الإدارة الماكيافيلية للنفوذ، لأن السحر قد ينقلب على الساحر (ترى هل شاهد ساركوزي الفيلم؟).
أما ليا فيهنر، فاختارت لفيلمها فضاءً أضيق ينحصر في قاعة الزيارات داخل السجن. تسلّط الضوء على صراعات هذا «المطهر» الفاصل بين السجن والعالم الخارجي. يصوّر فيلمها المصائر المتشابكة لأم جزائرية زهرة (فريدة رهواج) تأتي لمواجهة قاتل ابنها، والمراهقة لور (بولين إيتيان) تزور حبيبها السجين، وشاب يدعى ستيفان (رضا كاتب) يكتشف أحد المحامين أنه يشبه موكله، فيغريه بالمال ليأخذ مكانه في السجن على غفلة من الحرّاس...
مع توالي الزيارات، وعبر هذه البورتريهات المتقاطعة، يصوّر الفيلم كيف تضيق المساحة الفاصلة بين البريء والمذنب، بين الضحية والجلاد. يسلّط حراس السجن على الجميع (نزلاءَ وزوّار) معاملة غير إنسانية تسلّع كل شيء وتُخضع الأمور لمنطق الربح. صمود كلّ شخصيّة يتأتى من إنسانية الآخر الذي يواجه معها الوضع المجحف ذاته. هكذا، يستمد بعض زوّار المطهر من بعض شجاعة الاستمرار.

Script executed in 0.17384719848633