أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هكذا اختلطت مشاعر السوريين عندما شاهدوا الحريري في عاصمتهم ... أمـا وليـد جنبـلاط

السبت 26 كانون الأول , 2009 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,424 زائر

هكذا اختلطت مشاعر السوريين عندما شاهدوا الحريري في عاصمتهم  ... أمـا وليـد جنبـلاط
اختلطت مشاعر السوريين وهم يتابعون مشهد وصول رئيس الحكومة سعد الحريري الى دمشق، قبل ان تستقر في النهاية على «بر الأمان». وبقدر ما أحس بعض اللبنانيين، وخصوصاً في الأوساط السياسية والشعبية لتيار المستقبل، بصعوبة الخطوة التي قام بها الحريري، أحس ايضاً الشارع السوري بالحاجة الى «تمرين نفسي» لملاقاة الزائر الاستثنائي في منتصف الطريق.
صحيح أن اللحظة التاريخية كانت للمصالحة ولكنها في وجهها الآخر كانت مناسبة للمصارحة ايضاً. وجد السوريون في الحدث فرصة لإجراء مقارنة بين الأمس واليوم. استعادوا كيف ان البعض في لبنان كان يروج، وأحياناً يعمل، لإسقاط النظام في سوريا بعد احتلال العراق، ويتوقف هؤلاء عند المواعيد التي راحت تُضرب لسقوط النظام، وكيف ان هناك من توقع القضاء على حكم بشار الأسد بعد شهرين من احتلال بغداد، فيما كان «المتشائمون» يعتبرون أن إنجاز المهمة يحتاج الى ستة أشهر.
وفي سياق العرض، لا يفوت محدثيك السوريين الاشارة الى الاجتماع الشهير بين الرئيس الأسد ووزير الخارجية الاميركي السابق كولن باول الذي جاء الى دمشق بعد احتلال العراق مباشرة، ناقلاً شروط الاستسلام الى الرئيس السوري، «وإلا فإن نموذج الإطاحة بصدام حسين قابل للتعميم».
ويرى السوريون، وهم يسترجعون شريط الماضي القريب، ان بعض الخصوم اللبنانيين «السابقين» أخطأوا كثيراً في حساباتهم عندما لم يميزوا في حملاتهم بين النظام ورئيسه من جهة وسوريا كشعب ودولة من جهة أخرى، «إذ ان هذا الخلط أعطى مفعولاً عكسياً وقلب السحر على الساحر، لأنه دفع السوريين العاديين الى مزيد من الالتفاف حول رئيسهم بعدما شعروا ان كرامتهم الوطنية هي المستهدفة، فنجح الأسد في توظيف الهجوم عليه لمصلحة تقوية موقعه ورفع مستوى التناغم بينه وبين شعبه».
بعد فتح الدفاتر القديمة وتقليب صفحاتها، يعود محدثوك السوريون الى الواقع: «لقد نجحنا في مواجهة الاستهداف الكبير والمنظم، وخرجنا من «معركة الحياة او الموت» أقوى بكثير مما كنا عليه قبلها. لقد زادتنا هذه التجربة حصانة وثقة في النفس، بعدما ثبت ان خياراتنا الاستراتيجية كانت صحيحة».
وبرغم هذا «الزهو المضمر»، فإن زيارة سعد الحريري الى دمشق كانت موضع نقاش في الشارع السوري. لم يُخف البعض تعاطيه البارد معها، لا سيما في الساعات التي سبقت حصولها. في ذلك الحين، كان هناك من يعتبر انه ليس من السهل تجاوز آثار الماضي ورواسبه، «خصوصاً أن الحملات على بلدنا تركت ندوباً ومرارة عميقة، بعدما جرى التشهير بنظامنا ورئيسنا، واتهامنا باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وصولاً الى التحالف مع الأبعدين ضدنا.. صحيح ان الرئيس سعد الحريري لم يصل في لهجته الى حيث وصل النائب وليد جنبلاط، ولكن ذلك لا ينفي انه أخطأ بحقنا..».
هذا هو المزاج الذي كان سائداً لدى شريحة واسعة من المجمتع السوري سواء على مستوى العامة او النخب، قبل وصول طائرة الحريري الى مطار دمشق. ولكن الأمور سارت لاحقاً في اتجاه أكثر مرونة، وكان الاستقبال الحار الذي أعده الرئيس بشار الأسد لضيفه اللبناني بمثابة المفتاح الذي فتح الكثير من قلوب السوريين المغلقة.
لقد بدا وكأن القبلات التي تبادلها الأسد والحريري «غسلت» الماضي وأخرجت السوريين من خنادقه، ثم جاءت الحميمية التي واكبت مختلف مراحل الزيارة لتستكمل التطبيع النفسي بين الحريري وأولئك.
وهناك في دمشق من يعتبر ان التحدي الأصعب والحقيقي امام الحريري قد بدأ الآن، وهو يكمن في مدى قدرته على حماية نتائج زيارته الى دمشق داخل بيئته السياسية، سواء ما يتصل منها بحلفائه المسيحيين في 14 آذار او ببعض المحيطين به. يخشى أصحاب هذا الرأي في الأوساط السورية من تأثير «المتضررين» الذين قد يشعرون بأن مصالحهم او مواقعهم ستتأذى من التقارب بين الأسد والحريري، وبالتالي فهم ربما يلجأون الى التشويش او التحريض على العلاقة المستجدة بين الرجلين، حتى لا تصاب بضاعتهم القائمة على التخويف من سوريا بالكساد، وفق بعض الانطباعات الدمشقية.
بطبيعة الحال، لم يتدخل الأسد خلال لقاءاته مع رئيس الحكومة في ما يجب ان يفعله في لبنان، وكيف يجب ان يتصرف لحماية خياره بالانفتاح على دمشق، ولكنك تسمع في العاصمة السورية كلاماً واضحاً بأن الحريري سيكون مطالباً بتكييف كل مراكز القوى في «تيار المستقبل» مع مواصفات الصفحة الجديدة التي فتحت في العلاقة بينه وبين الرئيس بشار الأسد، لأنه من غير المناسب ان يكون هو على موجة بينما ترتفع اصوات في محيطه على موجة أخرى.
ويتداول البعض في دمشق بإمكانية ان يؤدي مدير مكتب رئيس الحكومة نادر الحريري دوراً محورياً في تفعيل التواصل بين الرئيس الحريري والقيادة السورية خلال المرحلة المقبلة، لا سيما انه ولّد ارتياحاً لدى من التقاهم من المسؤولين السوريين، كما انه من المرجح اعتماد آلية مرنة لترجمة نتائج الزيارة الى وقائع ملموسة، وربما ينتدب الأسد والحريري فريقي عمل لمتابعة التفاصيل، بعيدا عن بيروقراطية الروتين الاداري التي تلتهم الكثير من الوقت مقابل القليل من الإنتاجية.
.. أما وليد جنبلاط، فله قصة أخرى في دمشق.
يتولد لدى العائد من العاصمة السورية هذه الأيام انطباع بأن زيارة جنبلاط ما تزال بعيدة المنال، وأن صعوبات حقيقية ما تزال تعترضها. يبدو الشارع السوري غير مؤهل بعد لاستقبال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي برغم التحولات الاستراتيجية التي طرأت على خطابه وخياراته منذ «حركته التصحيحية» في 2 آب الماضي.
صحيح ان القرار السياسي في سوريا لا يخضع في نهاية المطاف الى العواطف وأن المصلحة العليا التي يقدرها النظام وحده هي التي ترسم مسارات الدولة، ولكن في حالة وليد جنبلاط فإن الأمر يختلف قليلاً، بحيث لا يصبح من المبالغة القول إن الرئيس بشار الأسد يراعي فعلاً مزاج الجمهور السوري عندما يؤخر لقاءه مع زعيم المختارة. لا يعني ذلك ان الأسد يستسلم لهذا المزاج إلا انه يجد انه من الضروري معالجته قبل الإقدام على خطوة قد تستفز الشارع السوري إذا لم تسبقها المقدمات اللازمة.
يعتقد السوريون أن هناك فارقاً كبيراً بين الحريري وجنبلاط، برغم انه كانت لديهم مآخذ كبيرة على الاول. يرى هؤلاء ان الحريري لم يكن الى جانب سوريا ثم انقلب عليها، بل هو أصلاً لم يكن موجوداً في المعادلة السياسية من اساسها قبل اغتيال والده، وعندما حصلت الجريمة وجد نفسه ملزماً بحمل إرثه السياسي واستكمال مسيرته، وسرعان ما «حاصره» فريق داخلي ومحلي معاد لسوريا، أقنعه تحت تأثير الدم المسفوك بأنها تتحمل مسؤولية اغتيال والده، فبنى موقفه منها على هذه الفرضية، الى ان راحت الحقائق تتضح تدريجياً...
في المقابل، كان وليد جنبلاط من حلفاء سوريا القدامى والمدللين، كما يقول السوريون الذين يروون بمرارة كيف ان جيشهم قدم الكثير من التضحيات والمساهمات لمساعدة زعيم المختارة عندما كان يخوض معركة وجودية في الجبل، ناهيك عن الامتيازات التي كانت تمنح له في اللعبة السياسية الداخلية بضغط سوري مباشر، «فإذا به يكافئنا في اعقاب اغتيال رفيق الحريري بقيادة اشرس حملة علينا استهدفت إسقاط النظام وانطوت على مختلف انواع الإساءات التي وصلت الى ذروتها في خطابه الشهير في وسط بيروت».
من الواضح ان هذا الخطاب ترك جرحاً عميقاً في الوجدان السوري، يحتاج الى جهد استثنائي لمداواته. يستعيد مضيفوك السوريون بخجل العديد من العبارات القاسية التي أطلقها جنبلاط بحق رئيسهم، ليدللوا على صعوبة طي صفحة الخصومة معه، ثم يطرحون الإشكالية الأصعب: «لنفترض أننا نجحنا في تجاوز ذواتنا وقفزنا فوق الإساءات الشخصية، ما الذي يضمن ان وليد جنبلاط لن يتغير مرة أخرى ولن ينقلب من جديد على سوريا والمقاومة، إذا استشعر أن هناك تبدلات ستطرأ مجدداً على موازين القوى... بصراحة، ان الثقة معدومة فيه وإعادة ترميمها تتطلب جهداً ووقتاً».
ويحكى في دمشق ان جنبلاط جس نبض الرئيس الأسد، عبر بعض زوار القرداحة، حيال إمكانية ان يستقبله لتقديم واجب العزاء بوفاة شقيقه مجد، ولكن الرد لم يكن مشجعاً برغم انه اتسم بالتهذيب، فاكتفى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ببرقية التعزية.
استناداً الى هذا المناخ الدمشقي، يؤكد العارفون ان زيارة جنبلاط لدمشق للقاء الأسد صعبة حتى إشعار آخر، إلا أنها ليست مستحيلة.

Script executed in 0.18104791641235