أثار خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وخصوصاً الفقرة التي توجه فيها إلى المسيحيين، زوبعة في فنجان القوات اللبنانية وحزب الكتائب وبعض تيار المستقبل، وهو فنجان تعصف فيه أصلاً المواقف المتوالدة بشأن كل ما يتعلق بحزب الله: الخطاب، السلاح وكل ما يمتّ إليه بصلة كالقرار 1559 والبند السادس من البيان الوزاري، دون توفير شريك الحزب في التفاهم.
الكتائب حزباً وبالمفرّق، القوات قائداً ونواباً، وعدد من نواب المستقبل، قدّموا قراءات للخطاب، مختلفة شكلاً وموحدة مضموناً. فرئيس الهيئة التنفيذية للقوات سمير جعجع، قرأ في كلام نصر الله ما «يشير إلى عدم اعترافه بوجود طاولة حوار وطني تناقش موضوع الاستراتيجية الدفاعية»، وأنه دعا المسيحيين «إلى الاجتماع كأنه مطمئن سلفاً إلى نتائج هذا الاجتماع أو كأنه يرى أنه بات لديه وكيل شرعي داخل المسيحيين سيطرح وجهة نظر حزب الله ويدافع عنها حتى الرمق الأخير». وقال إن المشكلة ليست مسيحية «بل مشكلة وطنية كبيرة». ورأى «أن مراهنات نصر الله تربط مصير الشعب اللبناني بكامله بلعبة إقليمية لا علاقة للبنان بها»، محدداً «الصراع مع إسرائيل» بالإطار الفلسطيني أولاً ومن ثم العربي الأشمل، ومستبعداً أن يكون الخمسة ملايين فلسطيني وأكثرية المئتي مليون عربي وأكثرية الشعب اللبناني «قد أوكلوا إلى السيد نصر الله تصحيح مسار الصراع الفلسطيني ـــــ الإسرائيلي». وإذ نسب إلى نصر الله «أنه يرى أن هذا الصراع لم يصبح فعلياً وجدّياً إلا بعدما دخل حزب الله مع الثورة الإسلامية في إيران لعبة (!) مواجهة إسرائيل»، قال إن التاريخ قد يثبت «أن هذا الدخول في المواجهة العربية الإسرائيلية، قد أعطى في مكان ما قوة لإسرائيل بعدما كان موقعها يتدهور في السنوات العشر الأخيرة».
وقرأ نائب القوات أنطوان زهرا، في ما قاله نصر الله، توجيه «مضبطة اتهام إلى المسيحيين ودورهم وتاريخهم»، مردفاً بأن خيار المسيحيين محسوم «وهم يرفضون أي توجيه من خلال الدعوة إلى التفكير في خيارات، فخياراتهم لم تكن يوماً إلا الخيار التاريخي لمسيحيي لبنان في وطن التنوّع والشراكة والانفتاح والديموقراطية والذي هو معاكس تماماً للخيارات التي تحاول قوة السيد حسن فرضها على الآخرين».
ولم يكتف المكتب السياسي الكتائبي بالقراءة، بل لجأ إلى التحليل الذي أوصله إلى أن الأمين العام لحزب الله وجّه تحذيرات إلى المسيحيين «كأنه يقول لهم إن من ليس معه فهو مخطئ». وأضاف «إن حزب الكتائب الذي لا يتأثر بهذا التهويل، يدعو السيد نصر الله إلى تطبيق نصائحه على نفسه، إذ هو أولى بها. ذلك أن خياراته هي التي تورّط لبنان، وتنتقص من سيادته، وتعطّل المؤسسات، وتمنع الأجهزة الأمنية من القيام بأبسط واجباتها»، و«تربط لبنان بمشاريع خارجية من شأنها أن تستدرج إسرائيل مجدداً إلى لبنان».
وقرأ النائب إيلي ماروني دعوة نصر الله للمسيحيين إلى الحوار «كأنه يقول: اقبلوا أحسن من أن تروا غير الحوار»، معلّلاً هذه القراءة بأنه «لا يكون الحوار تحت تأثير سلاحه وتأثير عرض العضلات الذي نشهده يومياً». أما الدعوة إلى الهدنة، فرأى أنها «تؤكد ما نقوله نحن بأن الحكومة ليست حكومة وفاق وطني وأن الخلافات ما زالت قائمة»، وتعني نسيان بند السلاح «ربما لمراهنات على أمور متعددة، إقليمية ودولية، وربما لمراهنات على تغيّرات داخلية».
واكتفى النائب دوري شمعون بالقول «إن المسيحيين ليسوا في حاجة إلى نصائح» من نصر الله «وعندما تتعلق المسألة بمصلحة لبنان وقضيّته، فالمسيحيون يعرفون تماماً ماذا يفعلون».
أما عضو كتلة المستقبل النائب أحمد فتفت، فـ«استهجن» كلام نصر الله وتوقيته، ووصفه بأنه «نوع من لعبة بلياردو، لأنه موجّه إلى جميع المعترضين على السلاح، لا إلى المسيحيين فقط»، «كأنه ممنوع على أحد الحديث عن موضوع السلاح»، رادّاً على ذلك بأن «أهمية القرار الدولي 1559 في كونه ركيزة أساسية للقرار 1701، لذا لا يمكن إلغاء إحدى ركائز الـ1701 لأنه حماية للبنان».
وبلهجة أخف، قال زميله في الكتلة النائب عمار حوري «لا شك في أن السيد نصر الله يعتمد الأسلوب الهادئ والمنفتح في مكان ما، وهناك أمور نتفق عليها، وأمور أخرى لا نتفق عليها. ربما من الأمثلة عليها إسداء النصائح إلى الآخرين والحديث عن هدنة بين اللبنانيين، ما يوحي بأن بين اللبنانيين حالة حرب». ورأى أن «الجميع في السياسة اللبنانية في وضع متكافئ، حيث لا أفضلية لفريق ليقدّم نصائح إلى سواه».
ومن كتاب معاكس، قرأ النائب نبيل نقولا كلام نصر الله بأنه «يصبّ في خانة التفاهم والتهدئة والحوار، لأنه لا يمكن بعض المسيحيين أن يعدّوا أنفسهم خارج الوطن ويستمروا في علاقات خارجية يرون أنها تحميهم»، كما قرأ فيه تذكيراً «لبعض مسيحيي 14 آذار الذين لا يزالون يعتمدون الخطاب المتشنّج».
وكان نصر لله قد دعا في خطابه، أول من أمس، المسيحيين «إلى نقاش هادئ بعيداً عن الخطابات الحماسية والتصريحات الانفعالية وما شاكل، وإلى نقاش هادئ في ما بينهم وفي داخلهم في الخيارات الحالية والمستقبلية، والاستفادة من كل تجارب الماضي»، وإلى أن يعرضوا تجارب العقود الماضية وإلى أين أوصلت «لبنان، وخصوصاً المسيحيين في لبنان» رهانات بعضهم على إسرائيل والإدارة الأميركية. وقال لهم «كواحد من اللبنانيين، إن مصلحة المسيحيين في لبنان هي في لبنان وليست في أي مكان آخر، ومن مصلحتهم أن ينفتحوا ويتعاونوا ويتكاملوا مع بقية اللبنانيين، ومن مصلحتهم ألا يدخلهم أحد في خصومات وعداوات وحروب مع بقية اللبنانيين. يجب ألا يقبل المسيحيون أن يبقى بعضهم يدفع بهم دائماً إلى الانتحار بحجة الخوف المصطنع وإيجاد «بعبع» على نحو دائم ويومياً. اليوم، اللبنانيون، مسيحيين ومسلمين، أمام فرصة للتلاقي وللتعاون وللتوحد وللتكامل ولاعتراف أحدنا بالآخر، وهذه الفرصة لا يجوز أن تضيع».
وفي مجال لا يبعد عن الموقف من حزب الله، أكد حزب الكتائب أمس «ثباته على مواقفه من خلال مشروع الطعن بالفقرة السادسة من البيان الوزاري أمام المجلس الدستوري»، معتبراً أن الردود عليه بأنه «ليس للبيان الوزاري أي قيمة أو صفة قانونية أو دستورية»، يبرّئ الدولة «من مسؤولية أي عمل عسكري يقدم عليه حزب الله، خلافاً لما تدّعيه دولة إسرائيل. ويكفي أن تكون مبادرة الكتائب قد حققت هذا الإنجاز للدولة لتكون قد أدت غاياتها المنشودة»، فيما نعى مسؤول الهيئة الاغترابية في الحزب أنطون ريشا، الطعن، بعد تعذّر تقديمه إلى المجلس الدستوري، نتيجة عدم التمكن من جمع تواقيع 10 نواب، لأن «هناك بعض الأشخاص الذين يصرّحون خلال الاستعراضات الكلامية بكلام يتصرّفون عكسه على أرض الواقع».