أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هل مَن يقرأ «المنطق المسيحي» للسيّد نصر اللّه؟

الثلاثاء 29 كانون الأول , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,343 زائر

هل مَن يقرأ «المنطق المسيحي» للسيّد نصر اللّه؟

مفارقة بدت ردود الفعل في الوسط المسيحي، على «نصيحة» السيد حسن نصر الله، المسداة إليه في ذكرى عاشوراء يوم أول من أمس. فالموقف في الوجوه والأصداء، لا بد أنه رصد ارتياحاً لدى خصوم حزب الله من المسيحيين، وارتباكاً لدى المتفاهمين معه منهم، وهذا ما عكسته بوضوح المواقع الإلكترونية المختلفة، بآنيتها وعفويتها. إذ بدا لوهلة أن خصوم حزب الله المسيحيين، وجدوا في كلام نصر الله مادة صالحة ليقولوا لجماعتهم: «هل رأيتم؟ أما قلنا لكم؟...»، فيما المتفاهمون مع «الحزب» كانوا في موقع المقتنعين بمضمون «النصيحة»، غير أن شكل إسدائها، بما تضمنه من حشد ونبرة ومناسبة وسياق ومباشرة... صعَّب مهمتهم في تسويقها وإيصالها مقنعةً، إلى بيئتهم. علماً بأنّ هؤلاء متأكدون من صدق صاحب النصيحة، ومن حرصه على وجود الجماعة المسيحية وازدهارها وخيرها في لبنان، بدليل ما لا يحصى من الوقائع والبيّنات.
هذه المفارقة، هي ما يطرح السؤال: أين موقع «المنطق المسيحي المركزي» (Logocentrisme) من الإشكالية التي أثارتها «نصيحة» حزب الله؟
في هذا المجال، تبرز في صلب هذا «المنطق» ثلاث أفكار أساسية:
أولها اعتقاد المسيحيين الاحشائي، بأنّ هذا «اللبنان» صُنع بسببهم، وإن كانوا قد تخلّوا تدريجاً ـــــ وبعضهم شكلياً ـــــ عن وهم أنه صُنع لأجلهم، لكنهم انتقلوا جميعهم ـــــ وتعويضاً ربما ـــــ إلى مقولة أن هذا الكيان الوطني الدولتي، صُنع لأجل «الحرية»، وإن اختلفوا على مفهومها، وإن قُتلوا وقاتلوا وتقاتلوا، بسبب هذا الخلاف، ومن أجله.

مطلوب شيء من لغة يوحنا بولس الثاني، مع الاستماع إلى ميشال عون وسامي الجميّل

الفكرة الأساسية الثانية في المنطق المسيحي المركزي السائد هي أن أي تبديل في علّة وجود لبنان بالنسبة إليهم ـــــ أي دائماً «الحرية» ـــــ يكون الرد عليه جاهزاً ومعدّاً مسبقاً في وجدانهم. والرد هو التخلّي عن هذا «اللبنان»، عبر أكثر وسائل «التخلي» سهولة وقابلية للتنفيذ. بدءاً من الأيديولوجيات الأصغر من لبنان، وصولاً إلى الهجرة عنه. فالمنطق المذكور، ومنذ «تغرُّبه» ـــــ بالمعنيين الفلسفي والثقافي ـــــ قبل نحو أربعة قرون، يُعَدّ في وعيه ولاوعيه، مفاضلةً دائمة بين الغرب والشرق، لمصلحة الأول. كل الشرائح السوسيولوجية والفكرية المكوِّنة لهذا «المنطق»، تؤثِر في سرها وجهة البحر. المؤمنون من أهله يتطلعون إلى مسيحية الغرب، والإنسانويون منهم ينحون نحو حداثته ومعاصرته، واللامبالون والأنارشيون والهامشيون منهم، مأخوذون بديموقراطيته وليبراليته. كل أهل «المنطق المسيحي المركزي» مجمعون على تفضيل السفر والهجرة، على البقاء بلا «حرية»، في هيولية مفهومها بالنسبة إليهم. حتى يمكن القول إن عقيدة «الإيمان المتموضع» الأكوينية، التي تفرض تجذّرهم المسيحي والإنساني بأرضهم، لم تعد ماثلة إلا لدى القلّة غير الفاعلة منهم. لذلك، فإن أي تصوير للمسيحيين بأنهم أمام خيارين: إمّا «خيارات سياسية» تحد من مفهومهم للحرية، وإمّا نهج قد يوصل بهم إلى «الانتحار»، لا ينفع إطلاقاً في تحسيسهم، لا بل سيحرّضهم أكثر على الرحيل...
تبقى الفكرة الثالثة في هذا «المنطق»، وهو اعتقاد المسيحيين بأن وجودهم هنا والآن، هو خدمة للشيعي وللسني في لبنان، أكثر مما هو خدمة لأنفسهم. وإن من دونهم، سيكون السنّة والشيعة والدروز أمام حروب نهائية، نماذجها حاضرة بين عراق اليوم وكربلاء قبل 14 قرناً، وأمام كليانيات إلغائية، لا يحكمها إلا فكر ابن تيميّة أو سلوك بن لادن.
يعتقد «المنطق المسيحي المركزي» في المخفي من أفكاره، أن المسيحيين يضحّون بمجرد بقائهم، وأن هذا البقاء ضرورة للآخرين ومصلحة لهم، أكثر مما هو ضرورة ومصلحة مسيحيتين. يُسرُّون لسرائرهم أن بديلهم أضواء باريس وسحر مانهاتن. فيما بديل الآخرين في غيابهم، بين الفلوجة وقندهار...
عنصرية هي؟ شوفينية مطلقة؟ جنون عظمة؟ ومَن قال إنهم ليسوا كذلك. هم يفكرون فعلاً بأنه إذا كان ثمّة مَن يتصرف كحفيد لرسول، فنحن أبناء الله مباشرة، بلا وساطة ولا شفاعة. لذلك دقيق التوجّه إلى المسيحيين. لا وصفة سحرية للّغة الفُضلى حيالهم. المطلوب شيء من يوحنا بولس الثاني، بطل غدانسك وأسقف روما، حين قال لهم في حريصا: تكلّموا بالعربية... وحتى اكتشاف تلك اللغة، نصيحة: الاستماع إلى ميشال عون، الصادق في التفاهم، وإلى سامي الجميّل ربما، الصادق في الخصام...

Script executed in 0.20714497566223