أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ما بيرجعوا! بيرجعوا! ما بيرجعوا! بيرجعوا! و... السما زرقا

الأربعاء 30 كانون الأول , 2009 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,441 زائر

ما بيرجعوا! بيرجعوا! ما بيرجعوا! بيرجعوا! و... السما زرقا

أُسقط تمثال «القائد الخالد»، دمرت الحيطان ـــــ «جداريات تأليه عائلة الأسد»، رمم مركز الاستخبارات السورية ليغدو مقراً لعيادات خاصة «تخفّف عن الناس أوجاعهم بدلاً من تعذيبهم»، استبدلت أسماء الشوارع، طورد البعثيون وذبح حلفاؤهم في مكتبهم. ورغم ذلك بقي «شبح السوريين» يخيّم فوق رؤوس الكثيرين في عكار: في يوم الانتخابات يذهبون ليقترعوا للائحة «ما بيرجعوا والسما زرقا»، يتجاهلون أكواماً من الأدلّة على حقيقة فتح الإسلام، ويصرّون على أنها قناع للاستخبارات السورية، تتحرك القوات العسكرية السورية في أراضيها قرب الحدود فينزح المئات من بلداتهم اللبنانية غير آبهين بالتطمينات.
«السوري» يتحمل المسؤولية عن المآسي: اغتال الحلم، يقتل الأبناء في نهر البارد، يسبّب البؤس الاقتصادي، يحرم الشباب فرص العمل، يُمرض المواشي ويعصف بالمزروعات. كأن مشيئة الله في يد الاستخبارات السورية.
بالنسبة إلى هؤلاء، أولاد الحدود الذين يعيشون في القلق من عودة «السوري»، الصفحة الجديدة بين آل الأسد وآل الحريري هي العودة إلى الصفحة القديمة بينهم وبين «السوريين». ومن يعِش مع الشبح السابق ذكره لا تنفع معه التصريحات المقتضبة للشيخ سعد، ولا تجاهل إعلام المستقبل للمرحلة الجديدة، ولا تطمينات نواب المنطقة الحائرين بدورهم والقلقين من الشبح أكثر من ناخبيهم.
«شعب واحد في دولتين»
وسط ذلك، ترتفع بين ليلة وضحاها 6 لافتات، 3 منها على دوّار العبدة ـــــ بوابة عكار، واثنتان على مدخل بلدة ببنين ـــــ قلعة تيار المستقبل والنائب خالد ضاهر ومفتي عكار أسامة الرافعي. كتب في إحدى هذه اللافتات «زيارتك إلى الشقيقة سوريا تثبت قول الرئيس الخالد حافظ الأسد أن سوريا ولبنان شعب واحد في دولتين». عبارة تحرسها صورة الرئيس السوري بشار الأسد وأخرى للرئيس سعد الحريري، كلّ واحدة من جهة.
طبعاً، لا حاجة إلى توقّع إجابة الصيادين الذين يعملون في تلك المنطقة عن هوية معلّقي اللافتات، فغالبيتهم سيصرخون مجيبين: الاستخبارات السورية. بالرغم من أن اللافتات موقّعة باسم أبو وليد الحداد. قبالة منزل هذا يمكن إيجاد اللافتة السادسة: «زيارتك أثبتت أن لا حدود بين البلدين». محمد الحداد أو أبو وليد الحداد، من بلدة ببنين، تاجر آثار وأراضٍ أراد توجيه رسالة إلى الحريري قبل غيره عبر تلك اللافتات، التي للمفارقة لم يمسّها أحد بسوء. وبحسب ردود الفعل التي تجمّعت عند أبو وليد فإن المسرورين بها كانوا أضعاف المستائين منها الذين عضّوا على غيظهم، وسكتوا.
خوف المواطنين من إبداء الرأي في شأن قِطع القماش المعلّقة يبدو غريباً بعض الشيء، فلا يكاد أحد الصيادين يبدي تذمّراً من إعادة رفع صور الأسد في عكار حتّى يسكته بسرعة أحدُ زملائه، محذّراً من أن تصالح الكبار يكون غالباً على حساب الصغار. ويؤكّد الصياد الأخير أنه لن يكون مكويّاً أكثر من أهل مكّة ولا حريرياً أكثر من آل الحريري، إذا رتّبوا هم أوضاعهم مع السوريين فسيسعى هو أيضاً لترتيب أوضاعه معهم. فيما يحاول صياد ثالث التوفيق بين قناعاته ومقتضيات المرحلة، فيجد مشكلة في الوصوليّين الذين يرفعون كل يوم صورة، معتبراً أن تطرف بعض العكاريين في استعداء السوريين يحتم على أبناء المنطقة تلقّف بعض المبادرات الشخصية للاعتذار بطريقة غير مباشرة، عن بعض الإساءات العكارية التي وجّهت إلى الشعب السوري والنظام في المرحلة السابقة.
الصياد نفسه ينبّه إلى أن مصالحة الحريري والأسد تزامنت مع وقف تيار المستقبل لدفق المساعدات الاجتماعية ولغالبية مساعداته الصحية، ومع استغنائه عن خدمات غالبية الموظفين في الشركات الأمنية. ما راكم السلبيات، وما زاد الطين بلّة غياب المدافعين بذكاء عن الزيارة، ففقد أنصار المستقبل قدرتهم على الدفاع بحماسة عن هذه الزيارة ليحفظوا «ماء الوجه» أمام خصوم تيار المستقبل، الذين استمتعوا بالشماتة بهم.
أتى الفرج
قبل سنة تقريباً كان منزل النائب السابق محمد يحيي، أشبه بقلعة مهجورة، تعشّش الأعشاب فيها.
اليوم، عادت الروح إلى منزلي يحيي والنائب السابق وجيه البعريني، حشدا الصالونين يرويان عن قلق الناس: غالبية الموجودين يردّدون ما مفاده أن السوريّين يُمهلون ولا يُهملون، وأن التجربة تؤكّد أنهم لا ينسون. يؤكد أحدهم أن جفون النائب خالد ضاهر تعبت، والنوم يقاطعه منذ أسابيع. يخرج صوت من إحدى الزوايا مشيراً إلى أن تيار المستقبل لم يؤطّر الالتفاف الشعبي العريض حوله في السنوات الأربع الماضية ضمن مؤسسة حزبية تستثمر مستقبلاً هذا التأييد، وسيعود بالتالي تيار المستقبل في المرحلة المقبلة إلى حجمه السابق. ولا بد طبعاً من حفلة إشادات ببعد نظر النواب السابقين وثباتهم على مواقفهم وقدرتهم على حماية أبناء المنطقة اليوم.
في منزل النائب السابق كريم الراسي، حضرت وجوه للمعايدة لم تطأ البوابة المؤدية إلى منزل عبد الله الراسي منذ أكثر من أربع سنوات، بعضها لم يكتفِ برمزية زيارته، بل اعتذر علناً في صالون المنزل عن ذهابه إلى حدّ اتهام الراسي بالمسؤولية عن اغتيال الرئيس الحريري، فيما سعى البعض إلى التودّد للنائب السابق عبر شتم أداء النواب الذين جُدّد لهم قبل بضعة أشهر. فيما الراسي المرتاح عكارياً إلى مصالحة الحريري الابن والنائب

تطرّف بعض العكاريين في استعداء السوريين يحتم على أبناء المنطقة تلقّف المبادرات الفردية للاعتذار

 

حفلات إشادة ببعد نظر النواب السابقين وثباتهم على مواقفهم وقدرتهم على حماية أبناء المنطقة اليوم

سليمان فرنجية، يؤكد أن العودة إلى الوراء باتت مستحيلة، على المستويات كلها. أما في الطاحونة، حيث منزل الوزير السابق يعقوب الصراف (الذي قدم استقالته انسجاماً مع موقف وزراء حزب الله وحركة أمل بشأن موقف حكومة الرئيس فؤاد السنيورة من المحكمة الدولية) فكان المعايدون كثراً والحديث واحداً: اللافتات المشيدة بالشعب الواحد في دولتين في منطقة العبدة، ولافتات التأكيد على الأخوّة بين اللبنانيّين والسوريين في منطقة دير عمار، حيث أُطلق النار على الباص السوري الأسبوع الماضي. و«كأن الذين هرعوا قبل 4 سنوات ليشمتوا بالاستخبارات السورية قبيل مغادرتهم دير عمار، حيث كانوا يعسكرون، استعادوا فجأةً احترامهم وتقديرهم «للشقيقة الكبرى». الرواية الأمنية في شأن حادثة إطلاق النار لا توحي بالثقة لأحد زوّار الصراف، فلماذا يترك ابن بلدة الشيخ لار الأحراج البعيدة عن الأنظار القريبة من بلدته، التي يمكنه إطلاق النار على الباص السوري منها، ويأتي إلى دير عمار حيث الكثافة السكانية وتنتشر القوى الأمنية؟».
هذا كله في عكار، أما في جارتها المنية، فلا شيء يذكر غير ترقب بعض «المسخرجية» اليوم الذي سيستيقظون فيه ليجدوا أن الأوتوستراد قد أعيدت تسميته ليصبح أوتوستراد الرئيسين الخالدين حافظ الأسد ورفيق الحريري.
العائد إلى بيروت بعد إجازة في عكار سيمضي وقتاً طويلاً وهو يسأل عن معنى تلك اللافتة التي رفعها أنصار الحريري قرب ساحة التل، وقد كتب عليها: مع المصالحة والسما زرقا.



عصير الجبل

 

يكتب «أبو خلف»، باسم أهالي باب التبانة، في لافتة عند مفترق جبل محسن: «لو أردتَ أن نخوض في البحر لخضناه معك يا دولة الرئيس». العناصر الذين يفترض وقوفهم على الحاجز الفاصل بين التبانة وجبل محسن في إجازة هذه الأيام. سوق بائع العصير الذي سمّى عربته «عصير الجبل» مزدهر، فأبناء القبّة والتبانة الذين قاطعوه لسنوات عادوا يحجّون إليه طالبين الجزر. على مدخل الجبل، يلمع مجسّم «لا فتى إلا علي ولا سيف إلّا ذو الفقار». في الجبل ثمة شعور عارم بالانتصار، أو بانتهاء المرحلة الصعبة. في المقابل، باب التبانة لم تطمئن بعد، فهناك من يخشى انتقاماً سورياً، وهناك من يحتاط كي لا يدفع الإسلاميون كالعادة الثمن. تيار المستقبل يجتهد ليطمئن المواطنين إلى أن التسوية لن تكون أبداً على حسابهم، وأن مناطق نفوذ تيار المستقبل خطّ أحمر.



«الرفيق توفيق» و«الستّ سلمى»

 

«الرفيق توفيق» كان بعثياً. كفاءته الحزبية حفّزت بعثيي بلدته على انتخابه أميناً للسر في مجموعتهم الحزبية. «الرفيق توفيق» تفاعل مع «الموجة» عام 2005 فكان في طليعة المحتشدين قبالة تمثال الأسد في ساحة حلبا، هاتفاً «أسقطوه... أسقطوه...» وبعد قليل، صار قواتياً «الرفيق توفيق»، متطرّف في موقفه من السوريين، شعباً وجيشاً ونظاماً. جارته «الست سلمى» جارتْه في الحماسة أيضاً، أعلنت ولاءها المطلق للنائب وليد جنبلاط. لأنه الأكثر عداءً للسوريين، ولأن وجود آل الأسد على رأس النظام السوري يستفز سلمى، ولا يهنأ لها عيش ولا يطيب لها نوم قبل تغييرهم ونشر الديموقراطية في سوريا. «الرفيق توفيق» و«الست سلمى» حائران جداً اليوم. تبيّن للرفيق توفيق أن نفوذ القوات لا يقارَن بنفوذ البعث، وهو يشعر بأن البعثيين عائدون. و«الست سلمى» سوّدت وجهها مع جيرانها وأقربائها، «عملاء السوريين»، ثم كوّع أبو تيمور دون أن يسأل عنها أو يرأف بكرامتها (أقلّه أمام شقيقتها العونيّة).

Script executed in 0.19283485412598