الرياضُ نفسُها التي هاجمت صحافتُها رئيسَ أساقفَةِ بيروت، من دون أن يُسمعَ صوتٌ حكوميٌ واحد، مُستنكِراً أو حتى مستفسراً...
لذلك ربما اختارَ زعماءُ الدروز طريقاً أخرى. فلم يذهبوا الى العواصمِ البعيدة، ولم يرفعوا الصلاةَ لأوهامٍ تاريخية. بل ذهبوا الى مصالحةِ الأخصامِ السابقين، وممالحةِ بعضِهم البعض. ولو عَبرَ كَسرِ أعرافِ الزعاماتِ والبيوتات وتقاليد الإقطاعيات. فيومَ غدٍ الأحد، يَصِلُ وليد جنبلاط الى قريةِ الجاهلية، ليتناولَ طعامَ الغداء باكراً، الى مائدَةِ وئام وهاب...
ولأنَّ المشهدَين مختلفان بين هنا وهناك، لم تحفَلْ ربما تنبؤاتُ المنجِّمينَ قبل يومَين، على كَثرَةِ مَشارِبِهم وشاشاتِهم، بأيِّ كلامٍ عن اضطراباتٍ أو قلاقلَ أو تطوراتٍ غامضة، على الساحَةِ الدرزية. لا بل بدا واضحاً، أنَّ الساحةَ المسيحية استأثرت بغالبيَّةِ تلك النذائرِ السود. حتى أنَّ بعضَ السياسيينَ العارفين، لم يستبعدْ أن تكونَ تلك التنبؤات المفبرَكَة، من صُنعِ أجهزةٍ سياسية، أكثر مما هي من صُنعِ حساباتٍ فلكية. لتكونَ استمراراً للحرب النفسيَّةِ المفتوحة على بعض الجماعاتِ اللبنانية. حربٌ هدفُها إبقاءُ هذه الجماعات في شكلٍ دائم، ضمنَ دائرةِ التخويفِ المصطَنَع، وعرضةً لترهيبٍ يَمنعُ عليها الاستقرار، ويمنعُها من التصديقِ أنَّ استقرارَها حاصلٌ وقائمٌ وثابت...
وحدَهم الفلسطينيونَ في لبنان، كانوا السبَّاقين الى تصديقِ أقوالِ المنجِّمين. والى تحقيقِ أولِ نذيرٍ مما أطلقوه. فأطلقوا أولَ اشتباكٍ لهم في عين الحلوة لهذه السنة، فيما كانت تعييناتُ حركة فتح، تُصَدِّعُ ساحتَها أكثر، وسجالاتُ فتح وحماس، تُوَتِّرُ ساحاتِ المخيمات، وتُنذِرُ بتوتيرٍ أوسع.