ليس تفصيلاً ما جرى أمس في دارة السيّد وئام وهّاب. حشد السياسيين الذين التقوا على مأدبة وزير سابق، قد لا يملك من الحيثيّة الشعبيّة ما يسمح له بالوصول إلى الندوة البرلمانيّة، لم يكن حشداً متواضعاً. لقد جاؤوا بسبب موقع وئام وهّاب اليوم في المعادلة السياسيّة. وهو موقع يستمدّ قوّته وشرعيّته من شبكة علاقات داخليّة وإقليميّة، تجعل منه ممرّاً إجبارياً للكثير ممن يودّون التصالح مع سوريا، وتسمح له بتوزيع الرسائل السياسيّة يمنة ويسرة في تصريحاته. من هنا، قد تكون عبارة أحد المشاركين المقرّبين من وهّاب معبّرة، إذ قال: لو كان المكان يتّسع أكثر، لدعونا المزيد من السياسيين.
غداء أمس جمع ممثّلي فريق سياسي هُزم انتخابياً وربح سياسياً، مع النائب وليد جنبلاط وفريقه، لتأكيد اللقاء السياسي والتفاهم بين الفريقين، كما يقول مقرّبون من وئام وهّاب.
حمل لقاء أمس الكثير من العناوين. أولها أن وهّاب قادر على أن يكون أشرس المهاجمين لحظة الخصومة، إن لم نقل العداء السياسي. فهو الذي هاجم المحكمة الدوليّة وقال فيها أشنع العبارات. وهو الذي تحدّى الزعامة الجنبلاطيّة لحظة ساومها كثيرون من فريقه السياسي. أثبت الرجل أنه قادر على أن يكون رجل المصالحة الأول. فحجز لنفسه مكاناً في نادي السياسة اللبنانيّة التقليديّة وانتزع تأكيداً نهائياً من وليد جنبلاط على أنه زعيم درزي. كما انتزع الرجل اعترافاً من حلفائه بأن دوره لم ينتهِ مع انتهاء العداء السياسي، فنجا من نهاية وصل إليها الكثيرون: الموت السياسي لحظة التسويات.
إذاً، في مشهد يُمثّل المرحلة السياسيّة الجديدة وتوافقاتها، تناول وليد جنبلاط الغداء على مائدة وئام وهّاب. جنبلاط الذي وصل بسيّارة يقودها بنفسه، يقول إن الزيارة هي ردّ رِجل إلى وهّاب بعدما زاره الرجل مرّات عدّة في منزله. أمّا وهّاب، فيقول إنّ الرجلين لا يحتاجان إلى لقاءات ثنائيّة لأننا «نتكلّم ونتشاور ونلتقي دائماً»، مشيراً إلى أنّ للّقاء معنى سياسياً مهماً وهو أن «هناك ثقلاً سياسياً إلى جانب خيارات جنبلاط الجديدة».
الحضور السياسي المنتظر داخل الصالون يخالف من حيث الشكل الكلام والخطاب المذهبي الدرزي الذي تردّد على ألسنة المتحدّثين، إذ كان الحضور يمثّل ما يمكن تسميته «الأكثريّة في مجلس النواب»، حيث جلس نواب وممثلون عن كتلة التنمية والتحرير وحزب الله والتيار الوطني الحر وتكتل «الإصلاح والتغيير» وتيار المردة، إضافة إلى وزير الداخلية زياد بارود والنائب نهاد المشنوق اللذين أصرّا على التأكيد أن «حضورهما شخصي ولا يمثل مراجعهما السياسية».
وقد أرادها وهّاب «لقاء رسالة» في إطار «مصالحة درزية داخلية بأبعاد وطنية عامة»، وقد نجح وهاب في إظهار هذه المصالحة في «الإطار العام رغم أنها من ضمن الحساسيات الداخلية في الطائفة».
وكان لافتاً عدم رغبة الطرفين في البوح بأكثر مما قالاه في كلمتيهما خلال الزيارة. فرئيس اللقاء الديموقراطي مصرّ على أن اللقاء هو من أجل محو جميع آثار أحداث السابع من أيّار. أمّا وئام وهّاب، فهاتفه ظلّ مشغولاً لساعات طويلة بعد الغداء، فقد كان نجم يوم أمس، وعند سؤاله عن الزيارة، فضّل أن يترك الأمر للتحليلات.
لكن من المؤكّد أن المشهد في الجبل تغيّر عمّا كان عليه منذ سنوات قليلة. تحالفات سياسيّة جديدة نشأت، ستبرز نتائجها الانتخابيّة الأولى في صناديق الانتخابات البلديّة المقبلة.
أمّا في الكلمات التي قيلت، فقد شدّد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط على أن الفرق كبير بين المشهد منذ عامين واليوم، «كان التوتر، كانت الخنادق، كانت الاعتصامات والشتائم والسجالات، أصبحنا اليوم في جو وفاقي، يحتفظ كل منا بأدبياته ونتخاطب مع الآخر بحضارة، وبفضل الجهود العربية والتضامن العربي تألّفت حكومة وفاق وطني». وذكّر أنه كان شخصياً يعتقد عندما صدر «القرار المشؤوم 1559 أننا نتمسك بالطائف، قلتها آنذاك في الإليزيه عندما استقبلني في الأول من كانون الأول 2004 الرئيس (جاك) شيراك، وما زلت على رأيي. والطائف هو الذي يرسي العلاقة المميزة بين الدولتين اللبنانية والسورية، كما أن الطائف يضع حداً نهائياً للعلاقة مع العدو الإسرائيلي، لا بد من صون الطائف، كما لا مسايرة مع إسرائيل».
ورأى أن الجو اليوم أفضل، «وقصدت تلبية هذه الدعوة لإزالة ما بقي من رواسب لـ7 أيار، وإن شاء الله في الأسبوع المقبل مع
الرفاق في حزب الله في الشويفات ومع الأمير طلال أرسلان، استكمالاً للحوار والمصالحة بعد الأحداث الأليمة التي عصفت بنا وبالجميع». ورأى أن زيارة الرئيس سعد الحريري إلى دمشق مهمة جداً. «أما في ما يتعلق بي شخصياً، فسأرى الوقت المناسب والظرف المناسب للقيادة السورية ولي شخصياً لذهابي إلى دمشق». وأشار إلى أنه سيلتقي في هذا الأسبوع مع الجنرال ميشال عون.
أمّا رئيس تيّار التوحيد وئام وهّاب، فأكّد أن جنبلاط سيزور سوريا، «لأن لديه الجرأة لقول كلمة الحق، وقلب سوريا يتّسع للكل. نتمنى أن يتحول التفاهم بينه وبين السيد حسن نصر الله إلى تفاهم استراتيجي يدعم المقاومة».
وأضاف أن الدروز هم دور لا حجم، «ولن نقبل بأن يعاملوا إلا كاللبنانيين، الدور هو في الالتفاف حول العروبة». ورأى أن سوريا «هي «مكّتنا» الثانية، وهذا القول لك وليس لي يا وليد بك، في الأيام الصعبة وقفت سوريا ووقف حافظ الأسد ووقف الجيش العربي السوري معنا، حمينا هذه الأرض بمساعدته. وما أعرفه أن الرئيس بشار الأسد يكنّ لهذه الطائفة محبة خاصة في لبنان وسوريا وفلسطين، وما نتمناه هو «أن تعود العلاقة بين الجميع وسوريا كما كانت وبالتحديد أنت».
وأكّد أن الدروز هم أهل المقاومة «فلم يأت محتل إلا نال ما نال من سيوفهم وبنادقهم على هذه الأرض، لذا إذا حصل أي عدوان كما يهوّل العدو وكما نسمع، فسنكون كما كنا في طليعة المقاومين وإياكم».
مسدّس من بشّار إلى جنبلاط
أهدى نجل الوزير السابق وئام وهّاب، بشّار، مسدساً إلى النائب وليد جنبلاط. بشّار ليس النجل الأكبر لوهّاب، ولذلك فإنّ تقديمه الهديّة إلى جنبلاط، بدلاً من شقيقه الأكبر هادي، يحمل معاني كثيرة نظراً إلى رمزية الاسم الذي يحمله. وقد أُشيع أن بشّار أهدى جنبلاط كتاباً (وهو ما كرّره وهاب في مقابلة تلفزيونيّة ليل أمس)، لكن معلومات مؤكّدة لفتت إلى أن الهديّة هي مسدس. وقد سأل بعض الظرفاء عن الكتاب الذي يُمكنه أن يُهدى لجنبلاط، هل هو كتاب عن العروبة يتجاوز ما كتبه كمال جنبلاط؟
أبرز الحاضرين
عندما أبلغ وئام وهّاب وليد جنبلاط أسماء الشخصيّات التي يرغب في دعوتها، تمنّى عليه جنبلاط أن تشمل النائب مروان حمادة. دُعي حمادة فلبّى، رغم أن التواصل بينه وبين وهّاب مقطوع منذ عام 2004. ورغم أنه كان رافضاً للمصالحات ولخيارات جنبلاط الأخيرة، وهو الذي اتُّهم بأنه يقف خلف كلمة النائبة نايلة تويني الأخيرة في مجلس النواب، التي كرّرت فيها اتهام سوريا باغتيال والدها، يؤكد وهّاب أن صداقة قديمة تربطه بحمادة، فيما يُشير أحد المطّلعين على العلاقة بين الرجلين إلى أن مشاركة حمادة تعبّر عن قبوله بما قيل من كلمات.
ومن أبرز المشاركين، الوزراء: جبران باسيل، محمد جواد خليفة، زياد بارود، فادي عبود، أكرم شهيّب، ووائل أبو فاعور، والنواب: مروان حمادة، علي عمار، نقولا فتوش، نهاد المشنوق، نعمة طعمة، إيلي عون، آلان عون، إميل رحمة، آغوب بقرادونيان ومروان فارس، والوزيران السابقان إلياس سكاف وآلان طابوريان.
طلال إرسلان أبرز الغائبين
ربما يكون رئيس الحزب الديموقراطي اللبناني النائب طلال أرسلان أبرز الغائبين عن غداء أمس، وقد شاركه النائب في كتلته فادي الأعور الغياب. مصادر تيّار التوحيد تؤكّد أن نائب رئيس التيّار سليمان الصايغ وجّه دعوة إلى أرسلان والأعور. وتلفت إلى أن الأعور تغيّب بسبب التزامات سابقة، فيما رأى مقرّبون من أرسلان أن دعوته كنائب عن الطائفة الدرزيّة غير كافية، فهو زعيم في الطائفة. ورفضت هذه المصادر تأكيد أو نفي وصول دعوة من الصايغ.
في المقابل، حرص جنبلاط على ذكر أرسلان مرتين في كلمته، وهو الذي يعرف أن المشكلة بين وهّاب وأرسلان قديمة، ولذلك أبدى استعداداً للمساهمة في حلّها. وتعود جذور المشكلة إلى سنوات خلت، عندما انفصل وهّاب والصايغ عن أرسلان (كانا مستشارين له)، وأسّسا لاحقاً تيّار التوحيد. كما غاب الوزير غازي العريضي عن الغداء بسبب عارض صحي ألمّ به، وكذلك النائب السابق فيصل الداوود.