مع انتهاء عدوان تمّوز ـــــ آب 2006 على لبنان توجّه التركيز صوب المفاعيل القانونيّة. وفيما كان المنطق العام يشير إلى جرائم حرب وإبادة ارتكبتها إسرائيل بحقّ المدنيّين اللبنانيّين (1300 شهيد)، علت أصوات إسرائيليّة تطالب بالتعويض على «العدوان اللبناني»!
تحوّلت تلك الأصوات إلى طرف في معركة قانونيّة، خابت آمالها في الجولة الأولى من تلك المعركة، مع صدور قرار القاضي الأميركي، الذي رأى صراحةً أنّ المدّعين لم يستطيعوا تقديم أيّ أسس قانونيّة حقيقيّة لكي تتحقّق التهمة بحقّ المصارف اللبنانيّة، إلا أنّه مارس نوعاً من المحاباة للإسرائيليّين المدعين، إذ بدلاً من أن يردّ الدعاوى المرفوعة، منح محامي المدّعين مهلة حتّى 5 شباط المقبل لكي يرافعوا من جديد. وإذا لم تقدّم شكوى بحلول ذلك اليوم فستُغلق القضيّة وتُسحب من أدراج المحكمة.
أن تطلب إسرائيل، أو إسرائيليّون، تعويضاً من لبنان، بطريقة أو بأخرى، مشهد كاريكاتوري في مخيّلة الجميع (حتّى الإسرائيليّين!) غير أنّ هناك منافذ «قانونيّة» تُستغلّ للهجوم على مصارف لبنانيّة، السبب: رعايتها «حزب الله» عبر إدارتها حسابات له.
فكانت الساحة القانونيّة في الولايات المتّحدة، حيث تقدّم 57 إسرائيلياً ممّن أصيبوا خلال عدوان تمّوز بصواريخ «حزب الله»، أو من أقرباء إسرائيليّين أصيبوا أو قتلوا، بدعوى ضدّ خمسة مصارف لبنانيّة هي «فرنسبنك» و«البنك اللبناني للتجارة» و«بنك بيروت» و«البنك اللبناني الفرنسي» و«بنك الشرق الأوسط وأفريقيا»، تفيد بأنّها تغذّي «إرهاب حزب الله».
ووفقاً للقضيّة المقدّمة أمام محكمة المقاطعة الجنوبيّة لمدينة نيويورك، فإنّ المدّعين يقولون إنّ توفير تلك المصارف خدمات ماليّة لمؤسّسات تابعة لـ«حزب الله» يمثّل «تمويلاً للإرهاب والتآمر مع/ ومساعدة حزب الله على ارتكاب مجازر وجرائم ضدّ الإنسانيّة وجرائم حرب وإرهاب».
والمسوّغ القانوني لهذه الدعوى يكمن في القانون الأميركي المتعلّق بالجرائم في الخارج (Alien Tort Claims Act). وتدور حبكته على الشكل الآتي:
تحصل المصارف اللبنانيّة على الدولار إن عبر المصرف المركزي أو عبر التعامل مع المصارف الأميركيّة. والمصارف المذكورة العالقة في هذه المتاهة القانونيّة المثيرة للجدل (نظراً لاعتراف الولايات المتّحدة نفسها بأنّ «حزب الله» نسيج من المجتمع اللبناني) تتعامل مع عدد من المصارف الأميركيّة وتحصل على العملة الخضراء منها. وبالتالي كان على تلك المصارف، وفقاً للدعوى الإسرائيليّة المقدّمة، أن تكون واعية لمعايير «إعرف زبونك»، أي التأكّد من هويّة الزبون، وأنّه غير منخرط في أيّ نشاطات غير قانونيّة أو موجود على «لائحة» مرتبطة بنشاطات إرهابيّة مشبوهة واحتيال أو جرائم أخرى. كما يجب على المصرف أن يحترم إجراءات «مكافحة تبييض الأموال».
وتستشهد الدعوى (المعدّلة أخيراً) بتصريح من جانب «فرنسبك» في تقريره السنوي لعام 2006، وبتصريح بـ«بنك بيروت» على موقعه على الإنترنت، يقول المصرفان فيها إنّهما يطبّقان سياسات «إعرف زبونك». وتستخدم تلك التصريحات في إطار تُتّهم فيه المصارف بأنّها قامت «بنيّة واضحة وعلى علم مسبق أو بتهوّر و/أو بغض النظر» بإمداد الحزب اللبناني «بالعملة الأميركيّة بطريقة منتظمة ومنهجية وغير مقيدة، وبالتالي تمكين حزب الله من الولوج إلى حسابات لشراء الصواريخ وأسلحة أخرى».
وبالنسبة إلى عمل المصارف اللبنانيّة مع الخارج ومع المؤسّسات التابعة لـ«حزب الله»، تزعم الدعاوى أنّ «فرنسبك» أجرى تحويلات بالدولار مع مصارف أميركيّة بينها «Bank of New York» و«JP Morgan Chase Bank» بين كانون الثاني 2003 وآب 2006. وفي الوقت نفسه كان المصرف اللبناني يحافظ على حسابات، ويوفّر خدمات ماليّة، لمصلحة «مؤسّسة الجرحى» و«هيئة دعم المقاومة الإسلاميّة» في فرعه في الشيّاح.
أمّا «البنك اللبناني للتجارة»، فهو تعامل مع مصارف أميركيّة حوّل عبرها دولارات، بينها «Wachovia Bank» و«Bank of New York» و«JP Morgan Chase Bank». وتزعم الدعاوى أن هذا المصرف وفّر خدمات ماليّة، خلال الفترة المذكورة، لـ«هيئة دعم المقاومة الإسلاميّة» في فرعه في الشيّاح ولقناة «المنار» أو شركتها الأم.
وانتقالاً إلى «بنك بيروت» تزعم الوثائق المقدّمة في الدعوى أنّه أجرى تحويلات بالعملة الخضراء عبر مصارف أميركيّة مثل «American Express» و «JP Morgan Chase Bank» و«Bank of New York». وقدّم هذا المصرف خدمات ماليّة كما حافظ على حساب لمصلحة «هيئة دعم المقاومة الإسلاميّة» في فرعه في الغبيري ولقناة «المنار».
وتتابع الدعوى بالإشارة إلى تعامل «البنك اللبناني الفرنسي (BLF) مع مصارف أميركيّة مثل «Citibank» و «Bank of New York»، وحفاظه، خلال الفترة بين كانون الثاني 2003 وآب 2006 على حساب لمصلحة «هيئة دعم المقاومة الإسلاميّة» في فرعه في منطقة حارة حريك.
وأخيراً تشير الدعوى إلى المعاملات الماليّة التي قام بها «بنك الشرق الأوسط وأفريقيا» (MEAB) مع مصارف أميركيّة بينها «Wachovia» وفي الوقت نفسه القيام (خلال الفترة المذكورة) بخدمة «هيئة دعم المقاومة الإسلاميّة» مالياً.
وإضافةً إلى المؤسّسات المذكورة التابعة للحزب تضيف الدعوى إنّ هناك مؤسّسات أخرى ضالعة في التعامل مع «مؤسّسة الشهيد» و«جهاد البناء» وشركة «اليسر» المنخرطة في نشاطات ماليّة واستثماريّة، إضافةً إلى إذاعة «النور».
وتذكر الدعوى موارد معلومات عامّة «تجرّم» المؤسّسات المذكورة وعلاقتها بـ«حزب الله»، بينها مقالات صحفيّة وشهادات من الكونغرس الأميركي ومن وزارة الخزانة، إضافةً إلى تقرير عرضته قناة «MSNBC» ينتحل فيه صحافي شخصيّة «متبرّع» لمصلحة قناة «المنار»، وأُرشد لكي يرسل التبرّعات إلى «البنك اللبناني الفرنسي».
معطيات كثيرة كانت حاضرة في غرفة المحكمة في المدينة الأميركية مع بداية العام الجاري، لتجسّد معركة قانونيّة هي امتداد لحرب على مستويات تكاد لا تُحصى. في نهاية هذه الجولة قرّر القاضي أنّ المدّعين لا يستطيعون تقديم أيّ أسس قانونيّة حقيقيّة لكي تتحقّق التهمة بحقّ المصارف اللبنانيّة، غير أنّه «بداعي الحذر الشديد»، قدّم إلى الإسرائيليّين، الذين مثّلهم 5 محامين، مهلة حتّى 5 شباط المقبل لكي يرافعوا من جديد. وإذا لم تقدّم شكوى بحلول ذلك اليوم فستُغلق القضيّة وتُسحب من أدراج المحكمة. حتّى الآن النتيجة 1 – 0 لمصلحة اللبنانيّين!