تخاله عربياً. أو هذا ما تتمناه. يتذوق المطبخ اللبناني. ويعشق فيروز. يتمنى لو أنه قابل الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. يؤمن بأن فلسطين ستنتصر. ويؤمن بأن من حق المحتلة أرضه أن يقاوم، وبأن حزب الله أثبت للعالم، في 2006، بأن إسرائيل لم تعد قوة لا تقهر.
لولا أن شعره أشقر وعيناه زرقاوان، وأن اسمه جورج غالاوي، كنت لتخاله عربياً... فاسم ابنه ذو العامين ونصف العام: «زين الدين»، كما أن معجمه العربي ينطوي على كلمات مثل «صمود»، فضلاً عن أن ثمة من يقرأ له صحيفة «السفير».
في بيروت، حيث بدأت قصة «نضاله»، التقته «السفير»، عندما كان يشارك في مؤتمر «مع المقاومة»، الذي افتتح أمس، في الأونيسكو، بدعوة من «المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن». روى النائب البريطاني لـ«السفير»، كيف بدأ مشواره، وما الأثمان التي دفعها جراء مواقفه الموالية لفلسطين. كما تحدث عن مواقفه من القضايا الإقليمية والدولية، مؤثراً عدم الخوض في الأسماء.
البداية كانت في 1975، عندما التقى ناشطاً من منظمة التحرير الفلسطينية، كان النائب آنذاك في الحادية والعشرين من العمر، وكانت منظمة التحرير «لا تملك الكثير من الأصدقاء»، بسبب عملية ميونيخ. «حدّثنا الناشط عن قضية فلسطين. وأنا سُحرت بها».
بعد عامين، حضر إلى بيروت مع «بعثة لدعم الفلسطينيين». هنا «وقعتُ في غرام القضية و(الرئيس الراحل ياسر) عرفات، وفتاة».
كانت مهمة البعثة تستغرق أسبوعين. غالاوي لم يغادر معها. بل بقي في المدينة التي عشقها وعشق من فيها، أشهراً طوالا، يقضي الوقت مع عرفات، وينتظر في المتبقي أمام باب الجامعة العربية، ريثما تخرج الحبيبة. انتهت قصته مع الفتاة، لتستمر رحلته مع «النضال».
كان في بداية الثلاثينيات، عندما انتخب للمرة الأولى نائباً، ليصبح الشخص «غير الاعتيادي» في البرلمان البريطاني. فهل كان يبحث عن الاختلاف؟ «كلا، كنت المناضل المحارب من أجل الحرية، الذي سيبقى كذلك».
بحسرة، يقول غالاوي أن «أكثر ما يحزِن بشأن القضية الفلسطينية حالياً، هو الانقسام» بين حماس وفتح، معربا عن اعتقاده بأن عرفات «الذي كان يحظى بدعم غالبية الفصائل اغتيل، لأنه رفض أن يستسلم ويوقّع» على سلام منقوص.
غالاوي «لا يعلم ما إذا كانت القيادة الحالية (أو غيرها) ستوقّع»، ولكنها إن فعلت فهي لن تكسب «سوى الورق». فهل يؤمن غالاوي بأن فلسطين ستعود لأهلها؟ لا يجيب، لكنه يؤمن بحل «دولة واحدة يعيش فيها الفلسطينيون، واليهود ـ وإن قال بعضهم أنهم إسرائيليون ـ سواسية»، في دولة «لا يُقمع فيها الفلسطينيون بجدار أو حصار أو تطهير عرقي».
لكنه استدرك بأن «الصهيونية ستزول، لأنها جسم غريب زُرع في العالم العربي، بفعل المال والسلاح الأميركي والبريطاني»، وبأن من «حق المحتل أن يقاوم بكل الوسائل المتاحة»، وبأن بلاده «ستعتقل حتماً (وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي) ليفني» إن وطأت قدماها أرض بريطانيا، وبأن لندن «ستفتح، في نهاية المطاف، حواراً مع قادة غزة»، تماماً مثلما فعلت مع حزب الله.
لبيروت في قلب غالاوي حيّز كبير، فهي عاصمة الدولة التي أثبتت مقاومتها أن «إسرائيل لم تعد القوة التي لا تقهر». نصر 2006 كما يراه النائب البريطاني هو نصر «الصمود» (قالها بالعربية)، و«كسر الخوف»، إذ «لم يعد الناس يخافون من إسرائيل»، فكل ما تملكه الدولة العبرية حالياً هو «دفع الجميع إلى الحافة، تهديداً ضد لبنان وإيران وغزة». لكنها، لن تشن حرباً على أي منها، حسبما يعتقد.
هو لا يعتقد أيضاً أن الآلة الحربية الإسرائيلية ستمس إيران. فالأخيرة «اتخذت كل الاحتياطات اللازمة»، كما أن إسرائيل تعلم، (أو هكذا لقّنتها واشنطن) أن «العواقب ستكون وخيمة جداً»، لأن طهران «ستردّ على إسرائيل وعلى الأصول الأميركية في المنطقة، وخاصة في الخليج»، كما أنها «ستجعل من العراق بلداً لا يُحكَم، في غضون ليلة واحدة».
وعن دمشق، قال غالاوي إنه يتعين على العالم ألا ينتظر من «آخر دولة عربية صامدة»، أن تتخلى عن «شرطها الأساسي» في المفاوضات، وهو استعادة الجولان المحتل، لافتاً إلى أن فرنسا لا يمكن أن تكون وسيطاً بديلاً عن تركيا، «لأن المستعمرين لا يمكنهم حل المشاكل التي خلقوها».
أضف إلى ذلك أن تركيا دولة «جديرة بالاحترام»، وكذلك إذاً وساطتها، بحسب غالاوي، الذي وصف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بأنه «اعلى رجل في العالم مقاما»، فـ«إرغام إسرائيل على الاعتذار عن إهانة» أنقرة، يعني أن «تركيا تحترم نفسها، وتستحق احترام الآخرين».
خلال حفل أقيم لتكريم المشاركين في مؤتمر «مع المقاومة»، قال غالاوي إنه يتمنى لو أن لمصر زعيماً مثل أردوغان. قال لـ«السفير» إنه ليس حاقدا على «أم الدنيا» لما ارتكبته بحق «قافلة شريان الحياة»، ولقيام «مخابراتها» (قالها بالعربية) برشق الناشطين بالحجارة، ولكنه أكّد أنه «سيتحدّى قرار القاهرة (إعلان غالاوي شخصاً غير مرغوب به على أراضيها) في المحاكم المصرية... لأنني لم أخرق أي قانون مصري».
وعن الإرهاب، قال غالاوي إن «ما يدفع شبابا يافعين إلى تفجير أنفسهم هو مستنقع الكراهية والمرارة» الذي تغذّيه واشنطن ولندن، عبر «دعم إسرائيل، واحتلال البلدان، وقتل الملايين، ومساندة الدكتاتوريين عبر تزويدهم بالسلاح لقاء المال (والنفط)، والسرية المصرفية». لذا فإن الحل يكمن في «تجفيف المستنقع، عبر قلب سياساتنا، ووقف الاحتلال، وقطع العلاقات مع إسرائيل والأهم عبر الدفاع عن العدالة الفلسطينية»، مستغرباً «أن يعيش احدهم بقرب مستنقع وأن يتخيّل بأن الذباب لن يعود».
لم يندم غالاوي يوماً لأنه «عشق فلسطين»، حتى ولو كان هذا العشق «سيدمّر مهنته»، كما حذّره أهله وأصدقاء الصِغر، ولو حرمه هذا العشق من الوزارة أو رئاسة الوزارة، ولو أن هذا العشق جمعه بـ«أصدقاء غير مخلصين». هو لم يندم لأن هذا «العشق عاد عليّ بمحبة الملايين»، في العالم الإسلامي.
لولا أن شعره أشقر وعيناه زرقاوان، وأن اسمه جورج غالاوي، كنت لتخاله عربياً... فاسم ابنه ذو العامين ونصف العام: «زين الدين»، كما أن معجمه العربي ينطوي على كلمات مثل «صمود»، فضلاً عن أن ثمة من يقرأ له صحيفة «السفير».
في بيروت، حيث بدأت قصة «نضاله»، التقته «السفير»، عندما كان يشارك في مؤتمر «مع المقاومة»، الذي افتتح أمس، في الأونيسكو، بدعوة من «المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن». روى النائب البريطاني لـ«السفير»، كيف بدأ مشواره، وما الأثمان التي دفعها جراء مواقفه الموالية لفلسطين. كما تحدث عن مواقفه من القضايا الإقليمية والدولية، مؤثراً عدم الخوض في الأسماء.
البداية كانت في 1975، عندما التقى ناشطاً من منظمة التحرير الفلسطينية، كان النائب آنذاك في الحادية والعشرين من العمر، وكانت منظمة التحرير «لا تملك الكثير من الأصدقاء»، بسبب عملية ميونيخ. «حدّثنا الناشط عن قضية فلسطين. وأنا سُحرت بها».
بعد عامين، حضر إلى بيروت مع «بعثة لدعم الفلسطينيين». هنا «وقعتُ في غرام القضية و(الرئيس الراحل ياسر) عرفات، وفتاة».
كانت مهمة البعثة تستغرق أسبوعين. غالاوي لم يغادر معها. بل بقي في المدينة التي عشقها وعشق من فيها، أشهراً طوالا، يقضي الوقت مع عرفات، وينتظر في المتبقي أمام باب الجامعة العربية، ريثما تخرج الحبيبة. انتهت قصته مع الفتاة، لتستمر رحلته مع «النضال».
كان في بداية الثلاثينيات، عندما انتخب للمرة الأولى نائباً، ليصبح الشخص «غير الاعتيادي» في البرلمان البريطاني. فهل كان يبحث عن الاختلاف؟ «كلا، كنت المناضل المحارب من أجل الحرية، الذي سيبقى كذلك».
بحسرة، يقول غالاوي أن «أكثر ما يحزِن بشأن القضية الفلسطينية حالياً، هو الانقسام» بين حماس وفتح، معربا عن اعتقاده بأن عرفات «الذي كان يحظى بدعم غالبية الفصائل اغتيل، لأنه رفض أن يستسلم ويوقّع» على سلام منقوص.
غالاوي «لا يعلم ما إذا كانت القيادة الحالية (أو غيرها) ستوقّع»، ولكنها إن فعلت فهي لن تكسب «سوى الورق». فهل يؤمن غالاوي بأن فلسطين ستعود لأهلها؟ لا يجيب، لكنه يؤمن بحل «دولة واحدة يعيش فيها الفلسطينيون، واليهود ـ وإن قال بعضهم أنهم إسرائيليون ـ سواسية»، في دولة «لا يُقمع فيها الفلسطينيون بجدار أو حصار أو تطهير عرقي».
لكنه استدرك بأن «الصهيونية ستزول، لأنها جسم غريب زُرع في العالم العربي، بفعل المال والسلاح الأميركي والبريطاني»، وبأن من «حق المحتل أن يقاوم بكل الوسائل المتاحة»، وبأن بلاده «ستعتقل حتماً (وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي) ليفني» إن وطأت قدماها أرض بريطانيا، وبأن لندن «ستفتح، في نهاية المطاف، حواراً مع قادة غزة»، تماماً مثلما فعلت مع حزب الله.
لبيروت في قلب غالاوي حيّز كبير، فهي عاصمة الدولة التي أثبتت مقاومتها أن «إسرائيل لم تعد القوة التي لا تقهر». نصر 2006 كما يراه النائب البريطاني هو نصر «الصمود» (قالها بالعربية)، و«كسر الخوف»، إذ «لم يعد الناس يخافون من إسرائيل»، فكل ما تملكه الدولة العبرية حالياً هو «دفع الجميع إلى الحافة، تهديداً ضد لبنان وإيران وغزة». لكنها، لن تشن حرباً على أي منها، حسبما يعتقد.
هو لا يعتقد أيضاً أن الآلة الحربية الإسرائيلية ستمس إيران. فالأخيرة «اتخذت كل الاحتياطات اللازمة»، كما أن إسرائيل تعلم، (أو هكذا لقّنتها واشنطن) أن «العواقب ستكون وخيمة جداً»، لأن طهران «ستردّ على إسرائيل وعلى الأصول الأميركية في المنطقة، وخاصة في الخليج»، كما أنها «ستجعل من العراق بلداً لا يُحكَم، في غضون ليلة واحدة».
وعن دمشق، قال غالاوي إنه يتعين على العالم ألا ينتظر من «آخر دولة عربية صامدة»، أن تتخلى عن «شرطها الأساسي» في المفاوضات، وهو استعادة الجولان المحتل، لافتاً إلى أن فرنسا لا يمكن أن تكون وسيطاً بديلاً عن تركيا، «لأن المستعمرين لا يمكنهم حل المشاكل التي خلقوها».
أضف إلى ذلك أن تركيا دولة «جديرة بالاحترام»، وكذلك إذاً وساطتها، بحسب غالاوي، الذي وصف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بأنه «اعلى رجل في العالم مقاما»، فـ«إرغام إسرائيل على الاعتذار عن إهانة» أنقرة، يعني أن «تركيا تحترم نفسها، وتستحق احترام الآخرين».
خلال حفل أقيم لتكريم المشاركين في مؤتمر «مع المقاومة»، قال غالاوي إنه يتمنى لو أن لمصر زعيماً مثل أردوغان. قال لـ«السفير» إنه ليس حاقدا على «أم الدنيا» لما ارتكبته بحق «قافلة شريان الحياة»، ولقيام «مخابراتها» (قالها بالعربية) برشق الناشطين بالحجارة، ولكنه أكّد أنه «سيتحدّى قرار القاهرة (إعلان غالاوي شخصاً غير مرغوب به على أراضيها) في المحاكم المصرية... لأنني لم أخرق أي قانون مصري».
وعن الإرهاب، قال غالاوي إن «ما يدفع شبابا يافعين إلى تفجير أنفسهم هو مستنقع الكراهية والمرارة» الذي تغذّيه واشنطن ولندن، عبر «دعم إسرائيل، واحتلال البلدان، وقتل الملايين، ومساندة الدكتاتوريين عبر تزويدهم بالسلاح لقاء المال (والنفط)، والسرية المصرفية». لذا فإن الحل يكمن في «تجفيف المستنقع، عبر قلب سياساتنا، ووقف الاحتلال، وقطع العلاقات مع إسرائيل والأهم عبر الدفاع عن العدالة الفلسطينية»، مستغرباً «أن يعيش احدهم بقرب مستنقع وأن يتخيّل بأن الذباب لن يعود».
لم يندم غالاوي يوماً لأنه «عشق فلسطين»، حتى ولو كان هذا العشق «سيدمّر مهنته»، كما حذّره أهله وأصدقاء الصِغر، ولو حرمه هذا العشق من الوزارة أو رئاسة الوزارة، ولو أن هذا العشق جمعه بـ«أصدقاء غير مخلصين». هو لم يندم لأن هذا «العشق عاد عليّ بمحبة الملايين»، في العالم الإسلامي.