أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

إمكانيات هائلة تزيد من تقديرات المتساقطات وتصلح للتخزين الجوفي... تحسباً لتغير المناخ

الثلاثاء 19 كانون الثاني , 2010 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,578 زائر

إمكانيات هائلة تزيد من تقديرات المتساقطات وتصلح للتخزين الجوفي... تحسباً لتغير المناخ
يستفيد دعاة انشاء السدود في لبنان من كل تغير ظاهر في المناخ، من كل تأخر في تساقط الامطار والثلوج، للترويج لخططهم القائمة بشكل رئيسي على ضرورة تخزين المياه خلف سدود مكشوفة.
كيف وضعنا خططا عشرية وغير عشرية لادارة المياه في لبنان إذا لم تكن لدينا معطيات علمية عن حجم ونوع وآلية تكون واشتغال الثروة المائية ولا سيما الثلوج والاحواض الجوفية؟ وهل يمكن ان يتم وضع خطط واستراتيجيات بناء على معطيات وارقام غير دقيقة وعلى تكهنات؟
بينت الدراسة التي بدأت كلية الهندسة في الجامعة اليسوعية باعدادها منذ العام 1996 باشراف عميدها الدكتور وجدي نجم، ان هناك امكانيات كبيرة للثلوج في لبنان وان لها دورا مهما في النظام الهيدرولوجي، يفترض دراستها اكثر لناحية الاستفادة منها، خصوصا مع التغيرات المناخية المنتظرة وانعكاسها على السياحة والزراعة والثروة المائية المتوفرة عامة.
فماذا في هذه الدراسة ولماذا تم اهمال دراسة هذا الجانب الهام من الثروة المائية في لبنان من قبل الادارات الرسمية المعنية، بالاضافة الى دراسة الاحواض الجوفية؟
ثم لماذا تراجع دور وزارة الطاقة والمياه فاصبحت في الفترة الاخيرة تستعين بمكاتب استشارية ولا تحسن جمع الدراسات والمعطيات، بعد ان كانت، قبل الحرب الاهلية العام 1975 متقدمة في الدراسات والادارة، تقوم باهم الدراسات والانجازات من ضمن كادرها الداخلي؟
وهل حان الوقت، مع انطلاقة اعمال الحكومة الجديدة ومع زيادة المؤشرات التي تدل على حتمية حصول ازمة مائية في لبنان، لاعادة النظر في الادراة والسياسات المتبعة مؤخرا في وزارة الطاقة وفي بنيتها وهيكليتها، ودراسة بعض الآراء التي تطالب بفصل وزارة الطاقة عن المياه، كي يعطى لكل موضوع حقه؟ وهل حان الوقت لعقد مؤتمر وطني لاعادة طرح الخطة العشرية للنقاش، ولا سيما لناحية انشاء السدود المكلفة وغير الضرورية وطرح البدائل، قبل التورط اكثر في مشاريع مماثلة لتجربة سد شبروح البالغة السوء... نحو وضع استراتيجية اشمل تعتمد على حماية المصادر وترشيد الاستهلاك في الاستخدامات كافة وعدالة التوزيع. وتعيد التأكيد على ان المياه ملكية عامة وتعيد النظر بمسألة الحقوق المكتسبة والقيام بمشاريع حفظ وتخزين تساعد وتقلد الطبيعة بدلا من ان تتحداها؟
المعطيات المنقوصة
يرى الدكتور وجدي نجم ان لبنان قبل الحرب الأهلية العام 1975 كان بين البلدان المتقدمة في إدارة المياه في الشرق ولا سيما في الفترة الممتدة بين عامي 1930 و1970. وقد بدأت المخططات المائية ولا سيما على الأنهر الكبيرة كالليطاني والعاصي في هذه الفترة ولا سيما مع المهندس إبراهيم عبد العال. مع العلم بان أول محطة لقياس الأنهر كانت على العاصي أيام الانتداب الفرنسي. ثم كانت هناك دراسات مهمة لألبير نقاش في الأربعينيات شملت أحواض المياه في لبنان وسوريا وتركيا ونشرها في ما بعد موريس الجميل في الخمسينيات بكتاب. كما درست الموضوع ما سمي «النقطة الرابعة» في عهد الرئيس كميل شمعون، بالإضافة الى دراسات الستينيات أيام إدارة المهندس محمد فواز، ثم دراسة جعفر شرف الدين العام 1973 التي اقترح فيها إنشاء مصالح المياه... الخ.
اما حول رصد المتساقطات، فالمحطة الأولى لقياس كميات الأمطار كانت في الجامعة الأميركية في بيروت منذ العام 1877، بحسب كتاب المهندس محمد فواز «نحو سياسة مائية في لبنان»، الصادر العام 2007. كما تم خلق جهاز رصد متقدم في كسارة بادرة الجامعة اليسوعية العام 1919 وذلك لرصد المتساقطات والهواء والنشاط الزلزالي أيضا، وهو الذي اصدر خرائط المتساقطات، التي لا يزال يستفاد منها إلى اليوم للقياس... حتى العام 1978 حين صدرت آخر خريطة للمتساقطات في لبنان. وقد أصبح في لبنان بعد ذلك أكثر من 160 محطة لقياس الأمطار موزعة على مختلف المناطق، نظرا للتفاوت الكبير في المتساقطات بين منطقة وأخرى. مع الاشارة الى عدم وجود اجهزة رصد ومحطات فوق ارتفاع 1400 متر عن سطح البحر، ما يبقي النتائج دائما تقريبية وغير دقيقة.
اما دراسة الثلوج، فلم يقم بها احد بالرغم من توصيات دراسة الكسندر نجيب في الأربعينيات التي أكدت ضرورة دراسة نظم الثلوج في لبنان وعدم الاكتفاء بقياس الأمطار فقط.
معظم الدراسات الأولية وغير الدقيقة كانت تقدر حجم متوسط المتساقطات الإجمالي من أمطار وثلوج والتي تتساقط فوق الأراضي اللبنانية سنويا بما بين 8600 مليون و9 مليارات متر مكعب، مع قياس الثلوج بمقاييس غربية مقارنة... يذهب ما يقارب نصفها بين التبخر وامتصاص الأرض والأشجار والنباتات.
أبرز نتائج الدراسة
بين عامي 1996 و1997 بدأت كلية الهندسة في الجامعة اليسوعية بالاعداد لدراسة الثلوج، وقد تم اختيار منطقة جبل لبنان كمنطقة نموذجية للدراسة. وقد امتدت المنطقة المشمولة من ارتفاعات 1500 متر الى 2500 متر ولا سيما في مناطق فاريا وعيون السيمان والارز، مع دراسة مجاري نهري الكلب وابراهيم لمتابعة ذوبان الثلوج من هذه المرتفعات. وقد تم وضع محطات عدة لدراسة الثلوج وتم سحب اكثر من 15 ألف عينة لدراستها.
توصلت دراسة نوعية وكثافة ثلوج هذه المنطقة الى نتائج مهمة ومدهشة يمكن ان تغير بشكل كبير في تقدير حجم المتساقطات في لبنان. فمتر مكعب من ثلوج هذه المنطقة يساوي 25 سم مياها، بينما النسبة نفسها في ثلوج جبال الالب على سبيل المثال، لا تتعدى 10 سم مياها تقريبا. وقد تبين ان السبب في ذلك يعود لقرب جبل لبنان من البحر ومن مصادر الرطوبة. فالغيوم المشبعة بالرطوبة تصل بسرعة الى الجبال وتتجمع فوق المرتفعات فتتساقط الثلوج فورا وبكثافة، بعد انخفاض درجات الحرارة.
ويشير الدكتور نجم الى ان هذه الدراسة لثلوج جبل لبنان يمكن ان لا تنطبق على ثلوج جبل الشيخ على سبيل المثال لابتعاد هذا الجبل عن البحر.
كان الهدف من الدراسة ايضا معرفة آلية تكون الثلوج وتأثيرها في تغذية المياه السطحية ولا سيما الانهر، بالاضافة الى تأثيرها في تغذية المياه الجوفية والينابيع. بالاضافة الى دراسة تأثير التغيرات المناخية على الثلوج في لبنان، وبالتالي على ثروته المائية.
بينت الدراسة اذاً ان طبيعة ثلوج لبنان تختلف كثيرا عن طبيعة الثلوج الاوروبية، وان الدراسات المقارنة مع النموذج الاوروبي لم تعد تصلح. فللثلوج في لبنان طابع محلي. بالاضافة الى سبب قرب الجبال من البحر كما ذكرنا، هناك اسباب طوبوغرافية تجعلها مميزة ايضا لناحية الكثافة. ففي المناطق والاماكن المواجهة للشمال تتكثف الثلوج اكثر من المناطق والاماكن المواجهة للجنوب، كون الاخيرة معرضة اكثر لاشعة الشمس.
بالنسبة الى مساحة الثلوج، فهي تصل في الذروة الى 2000 كلم2 وتنحدر الى 100 كلم2. اما سماكتها فهي تصل الى 7 أمتار في بعض الاماكن.
وقدرت الدراسة كميات المياه الناجمة عن ذوبان الثلوج في منطقة جبل لبنان بمليار متر مكعب، تتجدد كل سنة وتغذي الينابيع والانهر والاخزانات والاحواض الجوفية... والبحر ايضا. وهي تؤمن 20% من المياه المتجددة سنويا وديمومة وانتظام النظام الهيدرولوجي في لبنان.
وتؤمن الثلوج 70% من مصادر الينابيع التي تغذي بدورها الانهر. وقد باتت الآلية واضحة: كلما تراكمت الثلوج، زادت امكانيات النظام المائي ولاسيما الاحواض الجوفية والينابيع والانهر. واذا استطاعت الثلوج الصمود اكثر حتى فصل الصيف، ولا سيما في بعض الاماكن الشمالية التي لا تطالها اشعة الشمس، اثر ذلك على استمرار جريان الينابيع والانهر المرتبطة بها.
هناك مهلة شهرين او ثلاثة اشهر بين فترة تساقط الثلوج وبدء الحاجة الى المياه. فكلما زادت متساقطات الثلوج في شهر آذار على سبيل المثال زادت امكانيات بقاء المياه لآخر الصيف. كما تقوم القواميع، اي تلك الحفر الطبيعية فوق رؤوس الجبال، بدور كبير في حفظ الثلوج لفترة طويلة، وقد تبين ان الارض تحتها سميكة بعض الشيء، وان المياه لا تصل بسرعة الى الطبقة الجوفية، ما يسمح بتصفيتها وبزيادة ديمومة تفجر الينابيع.
تأثير تغير المناخ
لم تبين الدراسات حول تغير المناخ في المنطقة، ان هناك تراجعا في متوسط المتساقطات (ولا سيما الامطار) في لبنان بشكل عام، كما يذهب البعض الذين يأخذون قضية تغير المناخ حجة للتسويق لضرورة القيام بمشاريع كبيرة لتخذين المياه كالسدود السطحية.
الا ان الدراسات تتحدث عن ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة. ومن البديهي ان تتأثر الثلوج اذا زادت دراجات الحرارة.
وقد بينت دراسة آلية ذوبان الثلوج وعلاقة الثلج بارتفاع درجات الحرارة، ان الزيادة في الحرارة بين درجة او درجتين، كمعدل سنوي، سيخفف من هطول الثلوج ويسرع في ذوبانها.
فالثلوج تتساقط عندما تكون الحرارة اقل من درجتين او ثلاث درجات مئوية، وكلما زادت درجات الحرارة، قلت الفترة الزمنية التي تهطل فيها الثلوج.
وكلما ارتفعت درجات الحرارة، تعرضت الثلوج المتراكمة الى الذوبان بسرعة اكبر ولاسيما الستوكات التي كانت تصمد فترة اطول لتغذي الينابيع الصيفية.
لهذه النتيجة تأثيرات سلبية على الثروة المائية وعلى الاقتصاد والسياحة. فبدلا من ان يكون موسم التذلج مئة يوم، يمكن ان يصبح 25 يوما على سبيل المثال. كما ان نوعية الثلوج ستتغير، وتصبح خائرة وغير ملائمة لممارسة هواية التذلج.
ويترك ارتفاع درجات الحرارة آثارا سلبية ايضا على الموارد المائية والنظام الهيدرولوجي. فزيادة الحرارة تسرع من ذوبان الثلوج، وبالتالي ستقصر الفترة بين سقوط الثلج وذوبانه. وبالتالي فنبع افقا الذي كان يتفجر في ايار، سيخف في آخر حزيران، بدلا من ان يبقى الى تموز وآب. وسيحصل تخريب كبير في النظام المائي وستنعدم المياه في ايام تكون الحاجة اليها في الذروة.
بالاضافة الى الآثار السلبية على التنوع البيولوجي والنظم الايكولوجية الهشة اصلا، والآثار على الزراعة في لبنان، والتي لم تدرس بعد بشكل واف، بالاضافة الى الآثار الصحية وانتشار الأمراض.
الحاجة لتغيير السياسات
يستنتج من هذه الدراسة، ان هناك حاجة ملحة لتغيير السياسات تحسبا لهذه المتغيرات التي بدأت فعلا ولم تعد من باب التكهن. فمتوسط الحرارة ارتفع اكثر من درجة، وعلى الحكومة والادارات المعنية ان تتحضر لاعتماد سياسات جديدة مختلفة تماما عن سياساتها الحالية.
ولعل اهم التغييرات المطلوبة في موضوع المياه، التي يجمع عليها المتابعون، هي ايجاد شبكة رصد جدية للمتساقطات، ولتصريف الأنهر والمياه الجوفية، وخصوصا للمياه والأحواض الجوفية التي تعتبر الاصعب، والتي لم يتم درسها بعد.
كما تحتاج السياسات الجديدة الى الشفافية. فلم يعد من معنى للتستر على الارقام بحجة عدم كشفها امام العدو، في وقت يجزم البعض ان عدونا يعرف اكثر من بعض خبرائنا عن مياهنا.
يفترض بالسياسات الجديدة ان تأخذ بالاعتبار، بان انواعا كهذا من مشاكل الطبيعة - الانسانية، لا يمكن ان تواجه بالتحديات ولا بتنفيذ سياسات المصالح، بل بـ «التكيف» معها.
بينت دراسة الثلوج ان في لبنان امكانيات كبيرة لم تكن محسوبة. فلماذا لا نحسن الاستفادة منها بأقل ضرر ممكن على النظم الهيدرولوجية والايكولوجية، عبر مساعدة الطبيعة وتقليدها في طرق التخزين تحت الارض وتعزيزها، بدلا من تحديها عبر انشاء السدود السطحية المكلفة وغير المجدية، كما في النموذج البالغ السوء في شبروح؟!
فأي مراقب لطريقة تخزين الثلوج الطبيعية في القواميع، قبل ان تثبت ذلك الدراسات، يعرف انها الطريقة الافضل لتخزين وحفظ المياه ولاستدامة جريان الينابيع... فلماذا لا يتم وضع دراسات لكيفية تعزيز هذه الحفر التي يمكن ان تؤمن زيادة في تخزين الثلوج، وزيادة بالتالي في مستوى المياه الجوفية، وفي قدرة الينابيع على العطاء؟ على ان تستفيد الدولة من الفائض وتحسن توزيعه.
ويجمع علماء الجيولوجيا انها الطريقة الامثل للتخزين والحفظ والتكيف مع التغيرات المناخية وزيادة الطلب على المياه... بالاضافة الى اتباع اساليب اخرى من اساليب ما يسمى «التغذية الجوفية»، التي تم اهمالها في وزارة الطاقة والمياه عندنا، عندما وضعت «الخطة العشرية»، التي اختصرت بانشاء السدود السطحية المكلفة والخطرة!

Script executed in 0.21210312843323