صوت نحيب النساء ظل يتردد صداه لساعات، منذ صباح امس، في صالون الشرف في مطار رفيق الحريري الدولي. النبأ مفجع وهو سقوط الطائرة الأثيوبية التي كانت متوجهة الى أديس أبابا. والركاب الضحايا هم أهل وأقارب وفلذات أكباد. وجهة السفر هي أفريقيا، حيث يعمل لبنانيون كثيرون، وكان يعمل معظم الضحايا في التجارة. وأهالي المفقودين بين مستسلم لبكاء مر، أو مترصد لخبر نجاة، أو.. مبتهل.
كثيرون أوصلوا أحباءهم الى المطار ليلة امس الاول آتين من الجنوب. ولكنهم ما إن وصلوا الى قراهم، حتى عادوا منها صباحاً على وقع الفجيعة. تحول صالون الشرف الى نقطة لقاء لمنكوبين، من لبنانيين وأثيوبيين. اختلطت المشاعر تارة بين الخوف والانتظار، وطوراً بين الإحساس بالفقدان والتسليم بأمر الله.
«يا الله.. يا رب رجّعلي ياه. يا تقبرني يا حسين، ما فيي عيش بلاك» صرخة أطلقتها رويدا حرب وهي تناجي زوجها حسين الحاج علي، الذي كان على متن الطائرة قاصداً افريقيا، في رحلة خاصة مدتها أسبوعان. تستند الى كتف أمها، فيما يحاول ابنها البكر علي (12 عاماً) أن يصمد أمامها.
لم تلتقط رويدا أنفاسها وهي تخبر حكاية أولادها الثلاثة وهم يبكون ويتوسلون والدهم العدول عن السفر، فيما كان يعد حقيبته ليلاً. «قلت لهم ما تفاولوا على بيْكم يا ماما.. فسألتني ابنتي الصغرى «قديش بعدّ على أصابعي ليرجع بابا؟» فأجبتها «15 يوماً فقط» تقول منتحبة وتضيف: «راحت حياتي.. راح عمري يا حسين». فينفجر ابنها علي في البكاء وهو يتنحى جانباً هرباً من عيني أمه.
الامل بانتشال ناجين بقي خيطاً يتعلق به الكثير من الأهالي، في أجواء مشحونة تواترت فيها الشائعات على مدار النهار من قبيل: «هناك ثلاثون ناجياًً من أصل 54»، «راكب من آل الحاج ما زال حياً»، «راكب من آل صفا انتشلت جثته»... كلها أقاويل كانت تتلاعب بأعصاب المنتظرين على وقع موجات تفاؤل تارة ونوبات يأس طوراً.
وكلما كانت تتقدم عقارب الساعة من دون أخبار عن ناجين فعليين، كانت ترتفع حرارة بعض الأجساد وتضيق الأنفاس، فتقع فتيات في حالات إغماء، وشباب تخونهم رباطة جأشهم فيجارون النساء في نحيبهن، فيما يستحيل بعض كبار السن الى ما يشبه الأطفال المصابين باليتم.
القرآن الكريم وكتب الأدعية لم تفارق بعض الأيدي. إطلاق النذور كانت عهوداً قطعها البعض في حال عودة مفقودين. «هستيريا» استخدام الهواتف الخلوية عمّت القاعات، وعناصر الصليب الأحمر والدفاع المدني انتشرت بين الحاضرين، تقوم بالإسعافات الأولية اللازمة لأصحاب الحالات الحرجة.
«يا ويلي على هالمصيبة» تصرخ امرأة مسنة، وتقول وهي تلطم على وجهها: «أنا أخت حسن عيساوي عمره 58 سنة، في مين يطمنّي عنه؟ ترك شغلو بأنغولا ليطل على أمه بلبنان». فيقاطعها صوت جارتها قائلة: «أنا منصابة بثلاثة من آل وزني وخزعل، بنت أختي وبنتها وصهرها، بعدن عرسان، بعد ما تهنوا...».
يصل النائب حسن فضل الله، الذي تحلق حوله بعض الحاضرين يستطلعونه مصير ركاب الطائرة. فهدّأ من روعهم بقوله: «الكل عم يشتغل.. هيدا قضاء وقدر.. الله يصبّرنا جميعاً».
بعد لحظات، وصل الى المكان رئيس الحكومة سعد الحريري، ووزير الأشغال العامة غازي العريضي، ووزير الداخلية والبلديات زياد بارود، فالتف الناس من حولهم في حالة انفعالية، ومن بينهم امرأة صرخت: «وين سعد الحريري؟» ثم قالت له باكية: «نحنا بأمرك وبخاطرك. ما بدنا منك شي.. بس طلّعهم (الركاب) من البحر .. بدنا نشوفهم» ثم صرخ آخر: «بدنا معلومة وحدة دولة الرئيس». وسأله ثالث: «لماذا يدفع أهل الجنوب الثمن دائماً؟».
وبعد مواساة الأهالي، غادر الحريري وبارود والعريضي القاعة، ليعاودوا دخولها بصحبة رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث ألقى الوزير العريضي كلمة وسط هياج الناس، فقال: «هذا مصاب الجميع، ونحن نقدر مشاعركم ومواقفكم.. للأسف قيل بعض الكلام الخاطئ. فالطائرة سقطت بعد ثلاث دقائق من انطلاقها بسبب عامل الطقس».
وهنا قاطعته امرأة: «ليش لتخلّوها تقلع بهيك طقس؟» ثم اعترضت أخرى: «الموضوع يعتمد على العلم.. كيف بصير هيك؟» فتابع العريضي كلامه وسط اعتراضات الناس بقوله: «الموضوع اكبر منا جميعاً حتى الآن».
ولدى مغادرة الوفد الرسمي تستوقف امرأة الرئيس بري وهي تندب ابنها بقولها «بدنا ولادنا». فأجابها: «نحنا جماعة مؤمنين بالله يا حاجة. نقوم بالمسعى اللازم، طالعين باتجاه غرفة العمليات وكل إمكاناتنا وطاقاتنا مسخّرة للموضوع. الله وكيلك، أقلعت طائرة بعد الطائرة الاثيوبية، فإما نؤمن بالله أو لا نؤمن يا حاجة».
في هذه الاثناء، صرخ رجل يضم صورة الى صدره متسائلاً: «شو المسؤولين رح يردّولي خيي.. كله حكي اعلام؟!».
فجأة تتوجه الانظار باتجاه فتاة أثيوبية تدعى سميرة أصيبت بنوبة عصبية. كانت تترقب خبراً بتقطع الأنفاس، عن أختها التي كانت تنوي قضاء إجازة لدى أهلها في أديس ابابا. على بعد خطوات، تسأل زميلتها جانيت بلغة عربية «مكسرة» عن مصير رفيقتيها الفنيش وتيغيست، اللتين كانت تنويان ايضاً زيارة عائلتيهما في العاصمة الأثيوبية، على أن تعودا لتجديد عقود العمل في لبنان، حيت تعملان منذ خمس سنوات. و تمسح جانيت دمعتها وهي تقول: «وعدتني الفنيش تعملي «مسد كول» بس توصل وبعدني ناطرة لهلأ». ثم تسأل «معقول بعدن لهلأ ما شالوا الركاب من البحر.. السمك بياكلهم». تلك العبارة كان لها وقع الصدمة على سميرة التي راحت تصرخ في وجه زميلتها وتطلب منها الصمت. فحاول عنصر من الصليب الأحمر حقنها بإبرة، ولكن من دون جدوى.
بعد ذلك، وصل وزير الصحة محمد جواد خليفة، وطمأن الاهالي الى ان الوزارات المعنية تقوم بدورها، وان وزارة الصحة ستقوم بفحوصات بعض الخلايا لبعض الجثث اذا لزم الأمر. وأشار الى «ان بعض الجثث مشوهة، وسنطلب من الاهالي التعرف عليها».
وتولى عنصر من «المديرية العامة للطيران المدني» مهمة تدوين أسماء وأرقام هواتف أي من أقارب الضحايا، على لائحة خاصة، من أجل الاتصال بهم للتعرف على الجثث المجهولة أو المشوهة.
ولدى دخول النائب هاني قبيسي القاعة، صرخت امرأة: «نادولي أبو حسن قبيسي ليعطينا أسماء الضحايا، بدنا نعرف مين مات.. هلأ بتنطرونا وما بتعطونا شي. زوجي كان رايح على اوغندا، أوراقه الرسمــية بجيبه.. دغري بتعرفوه».
ويستوقف النائب محمد رعد، الذي وصل بصحبة النائب نوار الساحلي، أخ الضحية علي جابر واصفاً أخيه «بأب الايتام والفقراء». فهدأ رعد من روع الاهالي، مؤكداً لهم «ان الجنوبيين أثبتوا أنهم أكبر من المصائب».
وعلى وقع خبر انتشال 23 جثة، قام بعض الحاضرين بمغادرة المطار باتجاه بعض المستشفيات للتعرف على مفقوديهم، فيما تسمر بعض آخر في مقاعدهم، خشية التسليم بأمر الفقدان.
وقصد المطار متــفقداً الاهالي كل من وزير الصناعة فادي عبود، النواب آلان عون، علي حسن خليل، ياسين جابر، عباس هاشم، علي بزي، محمد قباني، قاسم هاشم، أنور الخــليل، نائــب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، عقيلة رئيس مجلس النواب رندة بري ورئيس حزب التــضامن اميل رحمة.
كثيرون أوصلوا أحباءهم الى المطار ليلة امس الاول آتين من الجنوب. ولكنهم ما إن وصلوا الى قراهم، حتى عادوا منها صباحاً على وقع الفجيعة. تحول صالون الشرف الى نقطة لقاء لمنكوبين، من لبنانيين وأثيوبيين. اختلطت المشاعر تارة بين الخوف والانتظار، وطوراً بين الإحساس بالفقدان والتسليم بأمر الله.
«يا الله.. يا رب رجّعلي ياه. يا تقبرني يا حسين، ما فيي عيش بلاك» صرخة أطلقتها رويدا حرب وهي تناجي زوجها حسين الحاج علي، الذي كان على متن الطائرة قاصداً افريقيا، في رحلة خاصة مدتها أسبوعان. تستند الى كتف أمها، فيما يحاول ابنها البكر علي (12 عاماً) أن يصمد أمامها.
لم تلتقط رويدا أنفاسها وهي تخبر حكاية أولادها الثلاثة وهم يبكون ويتوسلون والدهم العدول عن السفر، فيما كان يعد حقيبته ليلاً. «قلت لهم ما تفاولوا على بيْكم يا ماما.. فسألتني ابنتي الصغرى «قديش بعدّ على أصابعي ليرجع بابا؟» فأجبتها «15 يوماً فقط» تقول منتحبة وتضيف: «راحت حياتي.. راح عمري يا حسين». فينفجر ابنها علي في البكاء وهو يتنحى جانباً هرباً من عيني أمه.
الامل بانتشال ناجين بقي خيطاً يتعلق به الكثير من الأهالي، في أجواء مشحونة تواترت فيها الشائعات على مدار النهار من قبيل: «هناك ثلاثون ناجياًً من أصل 54»، «راكب من آل الحاج ما زال حياً»، «راكب من آل صفا انتشلت جثته»... كلها أقاويل كانت تتلاعب بأعصاب المنتظرين على وقع موجات تفاؤل تارة ونوبات يأس طوراً.
وكلما كانت تتقدم عقارب الساعة من دون أخبار عن ناجين فعليين، كانت ترتفع حرارة بعض الأجساد وتضيق الأنفاس، فتقع فتيات في حالات إغماء، وشباب تخونهم رباطة جأشهم فيجارون النساء في نحيبهن، فيما يستحيل بعض كبار السن الى ما يشبه الأطفال المصابين باليتم.
القرآن الكريم وكتب الأدعية لم تفارق بعض الأيدي. إطلاق النذور كانت عهوداً قطعها البعض في حال عودة مفقودين. «هستيريا» استخدام الهواتف الخلوية عمّت القاعات، وعناصر الصليب الأحمر والدفاع المدني انتشرت بين الحاضرين، تقوم بالإسعافات الأولية اللازمة لأصحاب الحالات الحرجة.
«يا ويلي على هالمصيبة» تصرخ امرأة مسنة، وتقول وهي تلطم على وجهها: «أنا أخت حسن عيساوي عمره 58 سنة، في مين يطمنّي عنه؟ ترك شغلو بأنغولا ليطل على أمه بلبنان». فيقاطعها صوت جارتها قائلة: «أنا منصابة بثلاثة من آل وزني وخزعل، بنت أختي وبنتها وصهرها، بعدن عرسان، بعد ما تهنوا...».
يصل النائب حسن فضل الله، الذي تحلق حوله بعض الحاضرين يستطلعونه مصير ركاب الطائرة. فهدّأ من روعهم بقوله: «الكل عم يشتغل.. هيدا قضاء وقدر.. الله يصبّرنا جميعاً».
بعد لحظات، وصل الى المكان رئيس الحكومة سعد الحريري، ووزير الأشغال العامة غازي العريضي، ووزير الداخلية والبلديات زياد بارود، فالتف الناس من حولهم في حالة انفعالية، ومن بينهم امرأة صرخت: «وين سعد الحريري؟» ثم قالت له باكية: «نحنا بأمرك وبخاطرك. ما بدنا منك شي.. بس طلّعهم (الركاب) من البحر .. بدنا نشوفهم» ثم صرخ آخر: «بدنا معلومة وحدة دولة الرئيس». وسأله ثالث: «لماذا يدفع أهل الجنوب الثمن دائماً؟».
وبعد مواساة الأهالي، غادر الحريري وبارود والعريضي القاعة، ليعاودوا دخولها بصحبة رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث ألقى الوزير العريضي كلمة وسط هياج الناس، فقال: «هذا مصاب الجميع، ونحن نقدر مشاعركم ومواقفكم.. للأسف قيل بعض الكلام الخاطئ. فالطائرة سقطت بعد ثلاث دقائق من انطلاقها بسبب عامل الطقس».
وهنا قاطعته امرأة: «ليش لتخلّوها تقلع بهيك طقس؟» ثم اعترضت أخرى: «الموضوع يعتمد على العلم.. كيف بصير هيك؟» فتابع العريضي كلامه وسط اعتراضات الناس بقوله: «الموضوع اكبر منا جميعاً حتى الآن».
ولدى مغادرة الوفد الرسمي تستوقف امرأة الرئيس بري وهي تندب ابنها بقولها «بدنا ولادنا». فأجابها: «نحنا جماعة مؤمنين بالله يا حاجة. نقوم بالمسعى اللازم، طالعين باتجاه غرفة العمليات وكل إمكاناتنا وطاقاتنا مسخّرة للموضوع. الله وكيلك، أقلعت طائرة بعد الطائرة الاثيوبية، فإما نؤمن بالله أو لا نؤمن يا حاجة».
في هذه الاثناء، صرخ رجل يضم صورة الى صدره متسائلاً: «شو المسؤولين رح يردّولي خيي.. كله حكي اعلام؟!».
فجأة تتوجه الانظار باتجاه فتاة أثيوبية تدعى سميرة أصيبت بنوبة عصبية. كانت تترقب خبراً بتقطع الأنفاس، عن أختها التي كانت تنوي قضاء إجازة لدى أهلها في أديس ابابا. على بعد خطوات، تسأل زميلتها جانيت بلغة عربية «مكسرة» عن مصير رفيقتيها الفنيش وتيغيست، اللتين كانت تنويان ايضاً زيارة عائلتيهما في العاصمة الأثيوبية، على أن تعودا لتجديد عقود العمل في لبنان، حيت تعملان منذ خمس سنوات. و تمسح جانيت دمعتها وهي تقول: «وعدتني الفنيش تعملي «مسد كول» بس توصل وبعدني ناطرة لهلأ». ثم تسأل «معقول بعدن لهلأ ما شالوا الركاب من البحر.. السمك بياكلهم». تلك العبارة كان لها وقع الصدمة على سميرة التي راحت تصرخ في وجه زميلتها وتطلب منها الصمت. فحاول عنصر من الصليب الأحمر حقنها بإبرة، ولكن من دون جدوى.
بعد ذلك، وصل وزير الصحة محمد جواد خليفة، وطمأن الاهالي الى ان الوزارات المعنية تقوم بدورها، وان وزارة الصحة ستقوم بفحوصات بعض الخلايا لبعض الجثث اذا لزم الأمر. وأشار الى «ان بعض الجثث مشوهة، وسنطلب من الاهالي التعرف عليها».
وتولى عنصر من «المديرية العامة للطيران المدني» مهمة تدوين أسماء وأرقام هواتف أي من أقارب الضحايا، على لائحة خاصة، من أجل الاتصال بهم للتعرف على الجثث المجهولة أو المشوهة.
ولدى دخول النائب هاني قبيسي القاعة، صرخت امرأة: «نادولي أبو حسن قبيسي ليعطينا أسماء الضحايا، بدنا نعرف مين مات.. هلأ بتنطرونا وما بتعطونا شي. زوجي كان رايح على اوغندا، أوراقه الرسمــية بجيبه.. دغري بتعرفوه».
ويستوقف النائب محمد رعد، الذي وصل بصحبة النائب نوار الساحلي، أخ الضحية علي جابر واصفاً أخيه «بأب الايتام والفقراء». فهدأ رعد من روع الاهالي، مؤكداً لهم «ان الجنوبيين أثبتوا أنهم أكبر من المصائب».
وعلى وقع خبر انتشال 23 جثة، قام بعض الحاضرين بمغادرة المطار باتجاه بعض المستشفيات للتعرف على مفقوديهم، فيما تسمر بعض آخر في مقاعدهم، خشية التسليم بأمر الفقدان.
وقصد المطار متــفقداً الاهالي كل من وزير الصناعة فادي عبود، النواب آلان عون، علي حسن خليل، ياسين جابر، عباس هاشم، علي بزي، محمد قباني، قاسم هاشم، أنور الخــليل، نائــب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، عقيلة رئيس مجلس النواب رندة بري ورئيس حزب التــضامن اميل رحمة.