أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

يوم مستشفى بيروت الحكومي انتهى كما بدأ

الأربعاء 27 كانون الثاني , 2010 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,272 زائر

يوم مستشفى بيروت الحكومي انتهى كما بدأ
أشرقت شمس الصباح. الصغيران جوليا الحاج ومحمد كريك ما زالا نائمين. هما ينامان منذ الأمس، ولكن ليس بجانب أهلهما، بل وحدهما جنباً إلى جنب في المستشفى، يشعران بالبرد. لم يستفيقا بسبب حلم مزعج أو لطلب زجاجة حليب أو لتفقد لعبتيهما... يرقدان بهدوء بانتظار «الماما» و«البابا»... لكن والدي جوليا، كانا لا يزالان في البحر، كما والد محمد.
صباح أمس، لم يحضر إلى مستشفى بيروت الحكومي الا عدد قليل من أهالي ضحايا الطائرة الأثيوبية. فيما ملأت الباحة الخارجية للمدخل السفلي للمستشفى عناصر القوى الأمنية ومجموعات من الإعلاميين.
بعض الأهالي فضّلوا الانزواء بعيداً عن عدسات نهمة، تبحث جاهدة عن «صورة» اليوم. لبنانيون وأثيوبيون حضروا لانتظار أحبّائهم، وهم ينظرون باتجاه واحد، علّ عيونهم تقع على سيارة إسعاف تحمل لهم «الحبيب المنتظر».
أما وقد فقدوا الأمل بنجاة الابن أو الحبيب أو الشقيق... صارت آمالهم تتمحور حول إيجاد جثث غير مشوهة يستطيعون من نظرة التعرّف إليها. أما أقصى الحلم، فغسل ملح البحر عن أجساد أحبائهم بدموعهم...
عند العاشرة، يحضر الطبيب الشرعي الدكتور أحمد المقداد لمهمة بدأها أمس الأول، وهي الكشف على الجثث المنتشلة التي تمّ نقلها إلى مستشفى رفيق الحريري الحكومي. يقول إنه رفع أربعة عشر تقريراً للنيابة العامة التمييزية، وهو عدد الجثث التي يحتفظ بها المستشفى بالإضافة إلى بعض الأشلاء، التي نقلت عند ساعة متأخرة من ليل أمس.
أمام عدسات التصوير، يكرّر أن نتائج فحص الحمض النووي «دي. أن. آي» لن تظهر قبل 72 ساعة و«هو الوقت العلمي الذي يتطلبه الفحص». معلناً أنه سيتم، بداية، مطابقة الجثث التي يشكّ ذويها بأنها تعود لضحاياهم، ومنها تسع عائدة للبنانيين وخمس لأثيوبيين.
أمّا وزير الصحة محمد جواد خليفة، فيوضح «انه لا يمكن البدء بفحوصات الحمض النووي للجثث إلا بعد ان يتوافر عدد كبير منها» لتأتي النتائج دقيقة من دون هدر الجهود.
وفي ما يتعلق بالضحايا الأثيوبيين، يقول خليفة ان السلطات اللبنانية تنسق مع السلطات الاثيوبية حول هذا الموضوع، وان اثيوبيا سترسل عينات من الحمض النووي من أهالي المفقودين الى لبنان من أجل الفحوصات.
وقد حضرت بعض العاملات الأثيوبيات لمواساة زميلاتهن، إلى جانبهن وقف ممثلون عن السفارة الأثيوبية في بيروت، لفت أحدهما إلى وصول خمس جثث لأثيوبيين إلى المستشفى، «يعود بعضها إلى طاقم الطائرة» كما قال. وقد تبيّن لاحقاً أن جثتين تعودان لمضيفتين وواحدة للعنصر الأمني من الطاقم، بحسب خليفة.
حضرت إحدى الأثيوبيات التي فقدت شقيقتها لكنها لم تستطع التعرّف على الجثتين الأثيوبيتين المتبقيتين. خرجت من داخل المستشفى كما دخلت إليه، تجهش بالبكاء على الأخت التي كانت ذاهبة إلى أثيوبيا للاطمئنان على أطفالها.
قبلها، دخل وفد من المطارنة الأثيوبيين إلى مكان الاحتفاظ بالجثث، حيث صلّوا عن راحة نفوس ضحاياهم.
من ذوي اللبنانيين، حضر عند الصباح أهل خليل صالح وأهل الضحيتين جابر. فيما توافدت الشخصيات الرسمية إلى مكتب المدير العام للمستشفى الدكتور وسيم الوزّان، ومنهم وزير الخارجية علي الشامي ووفد من لجنة الصحة النيابية برئاسة النائب عاطف مجدلاني.
قال الوزّان لـ«السفير» ان لا مشاكل تواجه سير الأعمال في المستشفى وان عدد عناصر الطاقم الطبي المولج بفحوصات الـ«دي.أن.آي» كافٍ لإجرائها لكل الضحايا وذويهم من دون أي مشاكل تقنية.
أضاف أن «فريقاً مختصاً توجه إلى والدي ضحيتين لعدم تمكنهم من الخضوع للفحص في المستشفى نظراً لتقدّم سنّهما»، موضحاً أن أياً من الجثث لن تسلّم إلى عائلتها قبل الحصول على إفادة من النيابة العامة التمييزية و«ذلك تطبيقاً للقانون اللبناني».
وكان خليفة قد ناشد ذوي الضحية آنا محمد عبس الخضوع لفحص الحمض النووي استكمالاً للائحة الأهل وتسهيلاً لكشف جثتها، وهذا ما سهّلته السفارة الروسية (باعتبار الضحية تحمل جنسيتها) بإرسالها من يأخذ العينة من والديها القاطنين في طرابلس. وكشف خليفة أنه تمّ التعرّف إلى أربع جثث عائدة للبنانيين هم: جوليا الحاج ومحمد كريك، أنيس صفا وحيدر مرجي بالإضافة إلى حسن تاج الدين الذي شيّع في بلدته حانويه أمس. فيما نفى أهل طوني الزاخم ما ورد في وسائل إعلامية من أن يكون قد تم التعرّف على جثته.
الموت في الغربة
وكان ممثل عن السفارة الأثيوبية قد أشار لـ«السفير» الى أنه سيتم سحب دم لأقرباء الضحايا في أثيوبيا واستقدامها إلى لبنان لمطابقتها مع الجثث قبل تسفيرها إلى أثيوبيا. معلناً عن التواصل مع أطباء مختصين من ضمن الوفد الرسمي الأثيوبي الذي وصل إلى لبنان بعيد وقوع الكارثة.
مع حلول الليل، لم ترد إلى مستشفى بيروت الحكومي جثث إضافية. صورة الباحة الخارجية بقيت كما هي: عناصر أمنية وإعلاميون ومجموعة صغيرة من العاملات الأثيوبيات يحاولن مواساة من فقدن قريبة أو صديقة، ومعرفة أي جديد عن ثلاث وعشرين أثيوبية.
في جانب آخر من الباحة تجمهر عدد من اللبنانيين حول مراسل، أعلمه أحد الحاضرين أن أقرباء له في أميركا شاهد انتشال الطائرة عبر قناة تلفزيونية. أنصت الجميع إلى المخابرة التي عبرت البحار، لقطع الشك باليقين، بعد إصرار الزميل على سماع المعلومة بنفسه «لربما كانوا هنا يضحكون علينا» كما قال. فأتاه الردّ بأن ما شاهده اللبناني في أميركا ليس سوى انتشال الجانب الأيسر.
يذكر أن وزارة الصحة كلّفت أطباء ومعالجين نفسيين لمساعدة أهالي الضحايا على اجتياز المأساة بأقل ضرر ممكن على صحتهم. لكنّ يبدو أن الجهات المختصة نسيت تدريب العناصر المولجة بأمن المستشفى على كيفية التعامل مع هؤلاء. فبكت إحدى الأثيوبيات حين منعت صديقتها من تفقد جثث مواطناتها في محاولة للتعرّف على ضحية كانت تسكن معها في المنزل نفسه.
قالت: «أمس سألها رجل الأمن: كيف ستتعرفين إليها، فردّت من خاتم وسلسلة تحملها دائما. فرفض إدخالها طالباً منها إحضار صورتها. أحضرتها اليوم (أمس)، فمنعها مرة جديدة وقد أجابها بحزم: «ليس لدينا شبيهة لها هنا». بكت الصديقة وأردفت «الموت صعب، فكيف إذا غدرنا خارج البلاد». وعبثاً كانت محاولة أخرى، حتى مع تدخّل إحدى الزميلات الإعلاميات.
آلية الفحص
على صعيد آخر، صدر عن شعبة العلاقات العامة التابعة للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بلاغ أعلنت فيه أنه «بغية التسريع في عملية التعرف على الجثث التي عثر عليها حتى الآن والتي يمكن العثور عليها تباعا نتيجة الكارثة التي أصابت الطائرة الأثيوبية، تطلب المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بناء لإشارة النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا من ذوي وأهالي ضحايا هذه الطائرة من الجنسية اللبنانية والجنسيات المختلفة المقيمة في لبنان، والذين لم يسبق أن أخذت منهم عيِّنات بيولوجية في مستشفى رفيق الحريري الجامعي، الحضور إلى مكتب الحوادث المركزي الكائن في ثكنة إميل الحلو، لأخذ عينات بيولوجية تمهيدا لإجراء فحص البصمات الوراثية (DNA). وتؤخذ العينات وفقا للأفضليات الآتية:
أفضلية أولى: الأب والأم. أفضلية ثانية: الأم في حال عدم وجود الأب. أفضلية ثالثة: الأب في حال عدم وجود الأم. أفضلية رابعة: أحد الأولاد والزوج (زوج أو زوجة) في حال عدم وجود الأب والأم. أفضلية خامسة: أحد الأشقاء في حال كان المفقود ذكرا. أفضلية سادسة: إحدى الشقيقات في حال كان المفقود أنثى». مشيرة إلى أنه في حال عدم التمكن من الحضور إلى المكتب المذكور لأسباب قاهرة، يمكن الاتصال على رقم الهاتف المباشر: 314507/01 أو الرقم 300575/01 مقسم 186.
وكانت نقابة المستشفيات في لبنان قد أبدت في بيان لها عن «استعداد المستشفيات كافة إلى وضع كل إمكاناتها في تصرف المعنيين لا سيما وزارة الصحة». معربة عن أسفها الشديد «للكارثة الإنسانية التي أسفر عنها سقوط الطائرة الأثيوبية»، وموجهة التعزية إلى أهل الضحايا.
انتهى يوم أمس في مستشفى رفيق الحريري الحكومي كما بدأ. تسعون حملوا تذاكر سفر عبر الطائرة الأثيوبية فحوّلتهم إلى ضحايا. وأهلهم الذين ودّعوهم في المطار بتمنيات الوصول بالسلامة واللقاء من جديد، ينتظرون عودتهم من البحر ليقبلوهم هذه المرة... قبلة الوداع.

Script executed in 0.17174315452576