أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

دولـــة برجـــل وحيـــد

الجمعة 05 شباط , 2010 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,091 زائر

دولـــة برجـــل وحيـــد

معلناً صراحةً موقفه، بينما كنا نسمع عشرات من علماء الدين السُّنة ورجال السياسة يتشككون على مدى أعوام في ما يقال عن تجاوزات سياسية ومالية ومذهبية يقوم بها قباني، لكنهم جميعاً كانوا يزودونك بالمعلومات ولسان حالهم يقول: «اذهب أنت وربك فقاتلا».
في 16/12/2009 أرسل رئيس الحكومة الأسبق رسالة مغلَقة إلى محمد رشيد قباني، ونسخة عنها إلى كل من رئيس الحكومة سعد الحريري والرؤساء السابقين: رشيد الصلح، عمر كرامي، نجيب ميقاتي، وفؤاد السنيورة، وجاء في الرسالة: «أتشرف بأن أقترح عليكم رفع دعوى قدح وذم على كل من تجرأ على كيل هذه الاتهامات لمقام مفتي الجمهورية»، مشيراً إلى الاتهامات التي طاولت قباني بالفساد المالي وغيره. لكن الحص، الذي لم يُشر إلى استقالة المفتي، بل إلى ضرورة أن يدافع عن كرامته، لم يلقَ أي جواب. لا سراً ولا علانية، ما حدا به إلى اللجوء إلى تحكيم الناس في الأمر.
هي دولة برجل وحيد، لكنها بدمى متنوعة ومتعددة. فكل ما رُدَّ به على الرئيس الحص كان يقع في باب «عدم اللجوء إلى الإعلام» و«عدم المسّ بمقام الطائفة»، وكأنّ تلزيم الابن والشريك التزامات (سواء أكانت وهمية أم حقيقية) لا يمسّ مقام الدار التابعة إدارياً لرئاسة الحكومة، التي تتحمل المسؤولية عن كل موظفيها، من مفتي الجمهورية إلى آخر شيخ لاجئ إلى مجدل عنجر (ولهذا قصة أخرى قد تُروى في يوم قريب)، أو أنّ استخدام السلطة وصرف النفوذ لتلزيم مؤسسة تجارية لابن المفتي من شأنه أن يكون مبرراً. وإذا ما سألنا المفتي وابنه «من أين لك هذا؟»، فإننا نمسّ حرمات الطائفة.
قد يكون موقف سعد الحريري مبرراً إلى حد ما، فهو طالب باستقالة المفتي ضمناً، لكن بتوقيت يحدده هو، فهو يريدها بيده لا بيد معارضيه ومنافسيه. لكن أين كانت باقي الأصوات التي تتحدث عن حماية الطائفة حين كان يُرمى المئات من شبان عكار والضنية والشوف والبقاع في بيروت مسلحين ببنادق خماسية الضروب، ويوحى إليهم أنهم سيُحدثون توازناً مع حزب الله وسيدافعون عن الطائفة وزعيمها ومؤسسات عائلة زعيم الطائفة، قبل أن يتركوا ليفروا في السابع من أيار تحت حمَأة النار والسلاح؟ وأين كانت حماية الطائفة حين قضمت شركة سوليدير أملاك المواطنين والأوقاف الإسلامية ووصلت حد ابتلاع المقابر والرفات؟ وأين كانت حماية الطائفة حين جرى بصرف السلطة والنفوذ تلزيم الابن بمئات ملايين الدولارات من حساب الأوقاف والدار والمال العام لدافعي الضرائب اللبنانيين؟
أين كانت كل هذه الأصوات حين جُرف قسم من مقبرة السنطية، وأُخفي رُفات وجرت محاولة ابتلاع الباقي لمصلحة شركة سوليدير وأصحابها؟ أين كانت كل كرامة الطائفة، ومدافنها ورفات موتاها من جدود الجدود تُنحّى جانباً وعشوائياً لمصلحة بيع الأراضي الوقفية لشركة خاصة، وهو مشهد ربما لم يتمكن الإسرائيلي من تنفيذه في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وحينها وقف أيضاً سليم الحص، الذي دفن بعض أعزائه في تلك الأرض، ليطالب وبعض المواطنين بالعودة عن قرار البناء فوق قبور الأسلاف.
الأنكى هو الحديث عن عدم ضرورة إثارة الأمور عبر الإعلام، وفق منطق سياسي لبناني يفيد بأنّ على العفن أن يبقى في الظلام، وتُخرَج ربطات العنق الفاخرة إلى الواجهة، فكل الطاقم السياسي الملوث حتى نخاعه الشوكي بالفساد يرغب في أن تلتقط له عدسات المصورين طلّته بربطة العنق حين يُدلي بتصريح، لكن لا أحد سيوافق على مساءلته عبر صفحات الجرائد.
مهمة الإعلام، في رأي هذا الطاقم السياسي، أن يصيب القارئ بالملل من التصريحات المتشابهة، وهو أداة، دائماً بحسب رأي السياسيين، تعمل وفق مصالحهم ورغباتهم، لا وفق مصالح القارئ وحاجاته. فلتبقَ الأخبار الأولى عن الاستقبالات والتوديعات، وعن اجتماعات بصور مومياءات ترتدي ربطات العنق وتجلس بكل وقار. أما البحث خلف الصور، فهو ممنوع، ويمسّ كرامة الطوائف ويجلب الخراب وربما عرّض السلم الأهلي نفسه للخطر.
لكن حين تتطلب مصالح الطاقم السياسي تغييرات ما، فإن على الإعلام مجاراتها، كأن يُحرَّض المواطنون بعضهم على بعض: سُنّة وشيعة وموارنة ودروز، وأن يُجَرّوا إلى السعار وإلى التقاتل المذهبي.
وإذا تجرّأ رجل وحيد (تصدّى طيلة عشرين عاماً لمحاولة تطويقه) على أن يتوجه إلى الرأي العام عبر الإعلام، فتلك خطيئة لا تغتفر له، ولوسائل الإعلام التي تنشر ما يقوله رجل الدولة... الوحيد.
كان هذا الرجل الوحيد قد صرخ في الماضي منبهاً إلى إفساد الإعلام، إذ كان (ولا يزال) يُشتَرى جُملةً عبر تمويل الصحف ووسائل الإعلام المتنوعة، ويُفسَد فُرادى عبر رشوة الإعلاميين، ولطالما صرخ بمفرده ولم يجد من يتبنّى صوته. وكان يعتب هذا الرجل على صحيفة «الأخبار» لأنها لا تنشر بياناته، ولم يجد في الرد غير الرسمي الذي قُدم له، أنّ هذه الجريدة لا تنشر لمسؤولين سياسيين بيانات سبق أن سمع بها القارئ عبر شاشات التلفزة، ما يشفي غليله.
باقي الطاقم السياسي في لبنان لا يرى في وسائل الإعلام إلا أداة لترداد ما يقوله هو للناس، على أن تبقى وسائل الإعلام تردد ما يقوله السياسيون، حتى يصرّح شخص آخر بمقال آخر، فتروح تردد آخر التصريحات، أو تقوم بالبحث والاستقصاء والتقصّي وتجميع المعطيات ومتابعة التحولات والبحث في الخلفيات وتقديم التحقيقات للقارئ، والولاء للقارئ عبر مراقبة الأجهزة السياسية الرسمية والحزبية ونشاط الهيئات الأهلية وفاعليته من عدمها، وإعلان المخالفات الموصوفة على الملأ وكشف الغطاء عن عفن النظام وأشخاصه الفاسدين والإضاءة على مكامن الخلل في تركيبة بلاد يسودها التفكك. فهي أمور مكروهة كرهاً شديداً إلى حدّ التحريم. فما بالك برقابة الإعلام بما هي سلطة ممنوحة من المواطنين للإعلام، تتجدد كل يوم عبر متابعة هذه الوسائل أو الإعراض عن متابعتها، ولا تخوّل الإعلامي متابعة السلطات السياسية والدينية وحسب، بل مراقبة آليات المراقبة في الدولة والسلطة.
لا يروق أهل السياسة والحكم والطوائف في لبنان أن تتابع الصحف ملفات، وتذهب فيها إلى النهاية، فهم يريدون الإمساك بيدهم في لحظة فتح ملف، وفق مصالحهم هم وحدهم، ولحظة التعمية عنه وإغلاقه وختمه في غياهب مجالسهم. أما المتابعة والمحاسبة ورفع الظلم، فتلك من الممنوعات في وطن قال فيه سليم الحص إن فيه «الكثير من الحرية والقليل من الديموقراطية»، وحتى الحرية الموجودة فيه مكرّسة لأهل الطوائف وشُراة الذمم ومتنفذي السلطة ورجال دين السلطان.
أما المطالبة بأن يكتفي الرئيس الحص والإعلام بتحويل شؤون دار الفتوى إلى لجان مختصة، فيمكن ببساطة أن تمتد أشهراً وأعواماً، من دون أن تصل إلى خلاصات، وأن تتعرض لشتى أنواع التداخلات السياسية وأن تُدفن القضايا في مقابر اللجنة، كما اعتادت السلطة السياسية أن تفعل في لبنان، علماً بأنّ من واجب الإعلام المهني متابعة عمل لجان التدقيق وكشف ما يجري هناك، سواء أكان إيجابياً أم غير ذلك.



نحو مخرج «مشرّف» لقباني

 

«لا أحد يريد لفلفة الملف المفتوح في دار الفتوى». هذا ما أكده أحد رؤساء الحكومة السابقين الذين لبّوا أمس دعوة رئيس الحكومة سعد الحريري لعقد اجتماع في السرايا من أجل التباحث في القضايا المثارة حول الفساد في دار الفتوى.
وكان لافتاً أن البيان الصادر عن المكتب الإعلامي للحريري بعد الاجتماع لم يتضمن أي كلمة يمكن أن يُفهَم منها أن المجتمعين يدافعون عن مفتي الجمهورية في وجه ما يُقال عنه. وبحسب مطّلعين على ما دار في اجتماع السرايا، فإن أحداً لم يناقش الرئيس سليم الحص بما ورد في بيانه الشديد اللهجة الذي صدر مطلع الأسبوع الجاري.
وبحسب مصادر لقاء السرايا، فإن رؤساء الحكومة، الحالي والسابقين (سليم الحص وعمر كرامي ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة)، تحدثوا أمس عما يجري في دار الفتوى، مشددين على ضرورة إصلاح أمورها. وتطرق البحث إلى عمل لجنة التدقيق في سجلات الدار، مؤكدين ضرورة انتظار نتيجة التحقيق والإجراءات التي تجريها اللجنة المكلفة من المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى إعادة إصلاح شؤون دار الفتوى.

بيان الحريري لم يتضمن أي دفاع عن مفتي الجمهورية

وسئل الرئيسان فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي، بصفتهما الأكثر اطلاعاً على عمل اللجنة، عن المدة التي يتوقعان أن تكون اللجنة بحاجة إليها من أجل إتمام مهمتها، فأجابا بأن العمل قد ينتهي في غضون شهر على الأكثر. وتضيف المصادر إن المجتمعين توافقوا على اتخاذ القرارات المناسبة بناءً على ما تظهره التحقيقات.
وفي هذا الإطار، ذكر أحد المجتمعين لـ«الأخبار» أن جزءاً كبيراً من النقاش دار حول أحد أبناء مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني وتصرفاته التي رأى البعض أنها أحد أسباب المشكلات في دار الفتوى.
وجرى التوافق خلال اجتماع السرايا على سحب الملف من التداول الإعلامي. وبحسب أحد المشاركين، فإن استمرار التطرق الإعلامي إليه، سيؤدي إلى تحويل قباني، معنوياً، إلى «شهيد» تصعب إزاحته من مكانه. ولفت أحد المقربين من الرئيس الحريري إلى أن ما هو موجود بين يدي اللجنة «يصعب تجاوزه. والبحث الجاري اليوم يتركز حول خروج مشرّف لقباني من دار الفتوى، بعد انتهاء التحقيق».
بدوره، أكد الرئيس نجيب ميقاتي لـ«الأخبار» عدم وجود «أي خطوات أو إجراءات ستتخذ قبل صدور التقرير أواخر الشهر الجاري، حسبما هو متوقع. لكن هذا الاجتماع لن يكون الوحيد لمناقشة الملف، بل ستكون هناك اجتماعات أخرى لمتابعته في المرحلة المقبلة». وتابع: «لم تكن هناك أي وجهات نظر متعارضة أو تباين بين المجتمعين في مناقشة القضية من كل جوانبها، بل كانت وجهات النظر متقاربة إلى أبعد الحدود».
وعن موقفه من كلام الرئيس سليم الحص الذي، أدّى إلى فتح هذا الملف، قال ميقاتي إن «انتقاد الحص لم يفتح الملف، الملف مفتوح منذ زمن، لكننا اتفقنا في لقائنا على مقاربة الأمور بهدوء وروية بعيداً عن السجالات الإعلامية».
وكان المكتب الإعلامي للرئيس الحريري قد أصدر بياناً أمس ذكر فيه أن رؤساء الحكومة الحالي والسابقين، سليم الحص وعمر كرامي ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة، أكدوا «متابعة المسيرة الإصلاحية التي عهد بها المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى إلى لجنة على رأسها أصحاب الدولة. وهناك متابعة حثيثة للعملية التي بدأت قبل شهرين في سائر مساراتها». وأضاف البيان إن «أصحاب الدولة سيتابعون التقدم الجاري في هذه المواضيع مع رئيس مجلس الوزراء. وسيكون هناك تقرير يبين الحقائق بكاملها أمام الرأي العام، وسيصار عندها إلى اتخاذ ما يلزم بما يؤمن المصلحة العليا للمسلمين».
إلى ذلك، ذكرت مصادر واسعة الاطلاع لـ«الأخبار» أن اجتماع المفتين، الذي يعقد في أول يوم أربعاء من كل شهر برئاسة قباني، لم يلتئم أول من أمس، مشيرة إلى أن عدداً من المفتين اعتذروا عن عدم الحضور، بعضهم بحجّة السفر وآخرون بسبب رداءة الطقس!
(الأخبار)

Script executed in 0.18974113464355