أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الصندوق الأسود يحتاج إلى صندوق أسود

الثلاثاء 09 شباط , 2010 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,594 زائر

الصندوق الأسود يحتاج إلى صندوق أسود


غادر الصندوق الأسود المنتشَل من حطام الطائرة الإثيوبيّة المنكوبة إلى فرنسا، وواكبته على متن طائرة خاصة لرئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، لجنة التحقيق المؤلّفة من المدير العام للطيران المدني الدكتور حمدي شوق، الخبير الكابتن الطيار محمد عزيز، المهندس من شركة «بوينغ» الأميركية، دنيس جونز، والمحقق الإثيوبي تيودوروس نيجاتو. وكان قد سبق الوفد إلى باريس الخبيران الفرنسيان من لجنة التحقيق يان يوكيكان وإيمانويل دوليار.
وقد طلب وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي ألّا يتوقع أحد معرفة أسباب سقوط الطائرة الإثيوبيّة بسرعة، («لأن عملية التحقيق (بحوادث الطيران) لا تتم في خلال ساعات». ولفت إلى أن «معرفة محتويات الصندوق الأسود بحاجة إلى وقت ليس بقليل». بدوره، توقّع نقيب الطيارين اللبنانيين محمود حوماني أن «تتطلّب عملية صدور التقرير الرسمي عن محتوى الصندوق الأسود ستة أشهر».
الملاحظة الأولى التي يمكن إبداؤها إزاء مسار التحقيق، أن هذه العملية لا تتعلق بالمعطيات الموجودة في الصندوقين الأسودين فقط، بل بكامل المعطيات المتعلقة بالطائرة وطاقمها وركابها وحطامها وبإجراءات السلامة العامة في مطار رفيق الحريري الدولي، وهذا يعني أن عمل اللجنة لن يقتصر على تحليل معلومات أحد الصندوقين في باريس، بل ستعود إلى لبنان لاستكمال تجميع المعطيات الميدانية التي تحتاج إلى وقت يزيد على ١٥ يوماً التي تلت وقوع الكارثة، إضافة إلى حتمية ظهور معطيات جديدة تُسهم في استكمال عناصر التحقيق في الحادثة.
وفي مقارنة بين الصورة التي وزعها الجيش لصندوق مسجل بيانات الرحلة الـ«أف دي آر»، (flight data record) وصور لصناديق أخرى عُثر عليها في حوادث تحطم سابقة، يبدو واضحاً أن المظهر الخارجي للصندوق بحالة ممتازة، حيث لا نتوءات أو تصدع، ما رفع من مستوى التفاؤل بشأن سهولة الوصول إلى المعطيات الموجودة فيه. لكن كيف تُجرى عملية سحب المعلومات وتحليلها؟
يوضح كتيّب إرشادي صادر عن الهيئة الفدرالية الأميركية للتحقيق في سلامة النقل، أن تحليل المعلومات في صندوق الـ«أف دي آر» يكون من خلال برنامج كمبيوتر «معقّد ومتطور». ولا يوضح الكتيّب الوقت اللازم لتفريغ المعلومات، لكنه يشير إلى أن العملية يمكن أن تتم في ساعات، وقد تمتد إلى أيام تبعاً لوضعية جهاز التخزين الموجود داخل الصندوق. وبعد تفريغ المعلومات، تبدأ عملية تحويل لغتها وشكل ملف التطبيقات الذي يحويها إلى لغة ثانية أكثر سهولة، وتحتاج هذه العملية أيضاً إلى إجراءات تقنية وبرنامج خاص مهمته «تفكيك المعلومات المعقدة والمتشابكة إلى لغة سهلة القراءة».
ويشير الكتيّب إلى أن قراءة معلومات الصندوق الثاني، أي مسجّل قمرة القيادة «سي في آر» ـــــ الذي لم يُعثر عليه بعد، هي أكثر تعقيداً، لأن عملية تحليل الحوارات والأصوات تحتاج إلى مطابقة مع التوقيت المحلي لوقوع الكارثة، ما يساعد على فهم أكثر لتسلسل الحادث. وعادة تحتاج لجنة التحقيق إلى الحصول على دقة متناهية للتوقيت (جزء من الثانية) للحوارات الحرجة، فيُستخدَم برنامج خاص يحدد طيف الصوت، ويقارنه بالتوقيت المحلي للحظة تسجيله. ويلفت الكتيّب إلى أن لجنة التحقيق لا يمكنها إذاعة هذه الحوارات بحسب المعايير القانونية لاتفاقية «إيكاو» لسلامة الطيران المدني، وهي تبقى سرية حتى بعد صدور التقرير النهائي الرسمي!
وعادة يرصد صندوق «أف دي آر» ما لا يقل عن 88 معطى مهماً، مثل الزمن والارتفاع والسرعة، ويمكن بعض الصناديق تسجيل أكثر من ألف معطى عن خصائص الرحلة، من ضمنها على سبيل المثال الإنذار بوجود مدخّنين على الطائرة، وفي المحصلة الاستفادة من جميع المعطيات لتصميم فيلم ثلاثي الأبعاد عن مسار الرحلة منذ لحظة انطلاقها إلى حين تحطّمها.
ولا يمكن أبداً الاعتداد بخلاصة تحليل المعلومات التي تستخرج من الصندوقين الأسودين كمعطيات رسمية، بل تبقى ذات طابع تقني، وهي لا تستطيع أن تحدد تحديداً قانونياً المسؤول عن الحادث، لأن هذا من صلاحيات التحقيقات القضائية التي تجرى بموازاة التحقيقات التقنية.
وللوقوف عند طبيعة التحقيقات التي جرت في حوادث سابقة مماثلة، أجرت «الأخبار» مقارنة بين ١٠ تقارير تقنية صدرت بصيغتها النهائية في العامين الماضيين. ويلاحظ أن التقرير النهائي الرسمي في جميع هذه الحوادث لم يصدر قبل سنة ونصف في أقل تقدير من تاريخ وقوع الحادث، فيما الحد الأقصى، في الحالات الشائكة والمعقدة التي جرت خلالها جلسات استماع علنية وسرية لعدد من الشهود، استغرق صدور التقرير النهائي عامين ونصف عام.
وتظهر المقارنة أن عدد صفحات التقرير لا تقل عادة عن 100 صفحة، وقد تصل إلى 500. أما المعطيات التي تقدّمها فتتضمن ملخصاً تنفيذياً عن المعلومات وباباً ينقسم إلى ما يزيد على 30 فصلاً، من بينها فصول تصف كل ما يتعلق بالرحلة والطاقم وبيان الركاب ومصيرهم، إضافة إلى معلومات متناهية التفصيل عن أعمال المراقبة والصيانة، ومعلومات مناخية تشمل جهوزية وحدة الأرصاد الجوية في المطار ومصدر المعطيات التي قدمتها إلى قائد الطائرة، وبيانات الاتصال بين الطاقم وفريق السلامة المدنية، من ضمنها تسجيلات برج المراقبة والصندوقان الأسودان. ويتضمن التقرير باباً لتحليل المعلومات وآخر للاستنتاجات وتحديد الأسباب التي أدت إلى التحطم، وخاتمة تتضمن توصيات للاستفادة من أخطاء الحادثة، ولضمان فاعلية السلامة العامة للطيران بعدها.

Script executed in 0.17998003959656