يختلط شعورا الفرح والخوف لدى القيادة القواتية نتيجة التقدّم الشعبي الذي أُنجز في الأشهر الستّة الماضية. فهذا التطوّر يعيد القوات إلى الموقع القوي في المعادلة المسيحية، إلا أنه يخفي وراءه محاولات الأطراف الأخرى لإعادة تحديد الحجم القواتي، وخصوصاً أن إحدى هذه المحاولات تأتي عبر الأجهزة الأمنية، وأبرزها استخبارات الجيش، وتترجم في عمليات استدعاء وتوقيف لأنصار من القوات اللبنانية. يعود العهد بالقواتيين أكثر من عقد ونصف إلى الوراء، حين انطلقت موجة «قصقصة» أجنحة القوات قبيل اعتقال قائدها في عام 1994. وبين الفرح والخوف، لا يستغرب القواتيون أداء عدد من ضباط الجيش «المتحسّسون» من إمكان نشوب أي علاقة مع القوات، من دون أن يعمّموا هذا الملف على المؤسسة العسكرية، على اعتبار أنّ هؤلاء الضباط الغاضبين لا يزالون يعيشون في مرحلة الحرب الأهلية.
يرفض مسؤولون معنيون في الجيش التعليق على ما جرى بين المؤسسة العسكرية وحزب القوات اللبنانية في الأسابيع الماضية، وهو ما تطور إلى حد قيام رئيس الهيئة التنفيذية في القوات، سمير جعجع، بشكوى المؤسسة العسكرية لدى رئيس الحكومة سعد الحريري، وإعلان القوات رفعها دعوى قضائية على محققين من الجيش، ثم ردّ الجيش ببيان شديد اللهجة.
لكنّ مسؤولاً سياسياً في إحدى القوى المسيحية في المعارضة السابقة، يعيد «توتر القوات اللبنانية تجاه الجيش إلى عقلية سمير جعجع. فالرجل يرفض الخروج من العقلية الأمنية التي تتحكم فيه. مثلاً، مكتبه في معراب موجود تحت الأرض». وجعجع، بحسب المسؤول ذاته، «يخشى اليوم أن يستعاد سيناريو عام 1994، أي أن تكون التسوية بين سوريا والسعودية، وتالياً بين دمشق وسعد الحريري ووليد جنبلاط، على حسابه». ويعطي المسؤول ذاته دليلاً على ما يعدّه معطيات خاطئة تتوافر دوماً لجعجع. ففي عام 1993، «خلال المفاوضات بين جعجع واللواء جميل السيد، أبلغ الثاني الأول أن العمل الأمني ممنوع، وأن نشاط القوات يجب أن يقتصر على المجال السياسي. إلا أن جعجع تواصل مع سياسيين أكدوا له عدم جدية جميل السيد، وأنه لن يمسّ القوات أحد. وعلى هذا الأساس، أعطى جعجع للجيش، عبر السيد، لائحة بالمراكز التي تحوي مخازن للسلاح، مؤكداً أنها تتضمن كل ما تملكه القوات من عتاد حربي. لكنه فوجئ بعملية دهم نفذها الجيش لمخزن غير مذكور في اللائحة». بعد ذلك، حصلت التفجيرات الأمنية، وآخرها كنيسة سيدة النجاة، وجرى ما بات معلوماً». يضيف المسؤول ذاته أن جعجع يحاول الانفتاح على القوى الحليفة لسوريا، من دون أن يلقى تجاوباً منها. وفي الآونة الأخيرة، تعثرت المساعي التي تبذلها الرابطة المارونية لإجراء مصالحة بين القوات وتيار المردة. وفي خلاصة الأمر، «يشعر جعجع يوماً بعد يوم بالعزلة، فلم يجد أمامه سوى الجيش للتعبير عن احتقانه تجاهه».
ترفض المصادر المعنية في الجيش التعليق على هذا. وهي تجيب دوماً بما يوحي بعدم وجود مشكلة بين الجيش والقوات. لكن اللافت أن مسؤولاً أمنياً مقرّباً جداً من قوى 14 آذار، يتحدّث عن هذه المشكلة، قائلاً إن من الصعب أن تستقيم العلاقة بين الطرفين. «فالدم يصعب نسيانه. والقوات اليوم يستفزّها أي إجراء تقوم به استخبارات الجيش، ولو كان مما يمكن تصنيفه بـ«العادي والطبيعي»، كأن ترسل الاستخبارات أحد أفرادها لحضور المهرجانات السياسية والحزبية والاجتماعات العامة. وبحسب المسؤول ذاته، فإن الأجهزة الأمنية المختلفة ترسل أفراداً منها لحضور أي اجتماع عام، ولأي جهة سياسية كان. ويقول المسؤول ذاته إن خطوة مماثلة تستفز القوات اللبنانية. إضافة إلى ذلك، ثمة خطوات وإجراءات اتخذت تزيد من توتر النظرة القواتية تجاه الجيش. ويعطي المسؤول مثلاً توقيف ضابطين في الجيش، العام الفائت، وإحالتهما على القضاء بتهمة التعامل مع الاستخبارات الإسرائيلية. «فالصدفة حكمت بأن يكون للضابطين اللذين أقرّا بتعاملهما مع إسرائيل ماضٍ قواتي».
أمر آخر يذكره ضباط متقاعدون من الجيش، وهو أن النظرة الثابتة في المؤسسة العسكرية تجاه القوات، ترى أن «الجهاز الأمني القواتي يمكنه أن يصبح جاهزاً في غضون ساعات قليلة بعد صدور قرار من سمير جعجع. وهذا الأمر لا تنظر إليه المؤسسة العسكرية بعين الرضى»، على حدّ قول عدد من الضباط المتقاعدين. إضافة إلى ذلك، ثمة «إشارات كثيرة على وجود جهوزية قواتية ذات طابع عسكري، لناحية إقامة مخيمات تدريبية لأفرادها، لا يستخدم فيها السلاح، إلا أن التركيز يجري فيها على اللياقة البدنية فقط».
يبتسم القواتيون لدى سماع هذه العناوين والمواضيع. فلا يرون أسباباً محقّة وفعلية لإعادة إطلاق الملاحقات الأمنية بحق مناصري القوات اللبنانية، ولا يجدون المبررات اللازمة للخوف المستمرّ من الوجود القواتي.
وهم لا يجدون ما يتحدثون عنه سوى أنه لا مشكلة مع قيادة الجيش أو مع هذه المؤسسة، واضعين التوتّرات التي تخرج، من حين إلى آخر، في خانة عدائية عدد من ضباط الجيش تجاه القوات. المشكلة، بحسب القواتيين، تكمن في عقلية عدد من الضباط الحاليين الذين عايشوا فترة حرب الإلغاء، وهم مصرّون على معاداة القوات. في الإطار نفسه، يرى القسم الأكبر من القواتيين أنّ تلك المعارك التي انطلقت عام 1988 كانت موجّهة من جانب قسم من الجيش تجاه القوات. وينطلقون من وجود هؤلاء الضباط المعادين، للإشارة إلى أنّ الرئيس ميشال سليمان يقع أحياناً في أخطاء، إذ يتكلّف بعض الضباط الحاليين أو السابقين بمهمات ما على اعتبار أنهم إلى جانبه، فيما هم إلى جانب العماد ميشال عون.
في السياق نفسه، يؤكد قواتيون أنّ العلاقة مع قيادة الجيش ممتازة اليوم، وذلك وفق أصول علاقة الأحزاب بالمؤسسات العسكرية والأمنية، مشيرين إلى أنّ القيادات القواتية في المناطق ساعدت وستساعد الجيش في أي عملية تسليم مطلوبين.
على صعيد الأرقام، سجّلت مكاتب معراب خلال الشهرين الماضيين ما يتعدّى عشرين حالة استدعاء وتوقيف بحق مناصرين للقوات اللبنانية ومقرّبين منها. حتى إنّ أبرز عمليات التوقيفات كانت في منطقة ساحل المتن الشمالي، بحيث سجّل توقيف 19 شخصاً دفعة واحدة لقضايا جنائية لا تحمل طابعاً سياسياً، إلا أنّ الصدفة شاءت أن تكون أغلبية الموقوفين من القوات اللبنانية.
واللافت في هذه الحالات أنّ أياً من القواتيين لم يُستدعَ بصفته مناصراً للقوات، فجرَت معظم التحقيقات بعيداً من السياسية، وأغلب حالات الاستدعاء جرت من دون وجود مذكرات قضائية، ما يمكن أن يفسّر بأنه مزاجية عدد من الضباط تسيّر التوقيف والاستدعاء. في هذا الإطار، يشير مسؤولون في القوات إلى أنّ الأشخاص الذين استُدعوا يعدّون ملفات دعاوى قضائية بحق الضباط المسؤولين عن الاستدعاء، بهدف إزالة أي تهمة تواجههم، إضافةً إلى ضمان أنّ هذا الأمر لن يتكرّر.
تحاول القيادة القواتية من خلال اتصالاتها بحلفائها وبعض المعنيين بالملفات الأمنية، فهم حقيقة ما يجري من حولها. فكان حديث بين رئيس الهيئة التنفيذية في القوات، سمير جعجع، والرئيس سعد الحريري في هذا الموضوع، ثم متابعة من جانب أحد نواب كتلة القوات مع أحد الضباط الرفيعين المقرّبين من القصر الجمهوري، إضافة إلى اتصالات أجراها مسؤولون قواتيون في الأقاليم مع ضباط مسؤولين في تلك المناطق.
كل ما يطلبه القواتيون في العلن وقف تلك الحملة وتوضيح معالمها، من دون أن يتحدثوا عن أهدافها. إلا أن نقاشات القيادة القواتية تضع هذه الممارسات والأحاديث في خانة ضغوط الأجهزة الأمنية على القواتيين وتنفيس الصعود القواتي منذ مرحلة الانتخابات النيابية. ويخلص التحليل القواتي إلى أنّ الهدفين الأساسيين للضغط والتنفيس هما إضعاف القوات اللبنانية، ومن بعدها إضعاف حلفاء تيار المستقبل، لعلّ الأمر ينجح في إبعاد الرئيس سعد الحريري وفريقه عن الموقع السياسي المستمرّ منذ شباط 2005. وبين الإضعاف والإبعاد، ثمة مفهوم آخر يعود إلى أذهان القواتيين، وهو العزل السياسي الذي سبق أن عانَوه في المرحلة السابقة. إلا أنّ نواباً ومسؤولين مقرّبين من معراب يؤكدون أنّ أي سياسة لعزل القوات لن تجدي نفعاً اليوم، لأنّ الحزب أثبت أن له توجهات وطنية، وبدأ فعلياً بإبعاد صورة الميليشيا عن أذهان الناس، «وهي الصورة» التي يحاول الخصوم التركيز على نسجها أمام الجمهور اللبناني.
أكثر ما يثير استغراب مسؤولي القوات هو حديث عدد من ضباط الجيش عن أنّ التركيبة الأمنية القواتية يمكن إعادة تركيبها في ساعات. فيسألون كيف يمكن أن ينسى أي رجل عسكري خبرته العسكرية، أو كيف يمكن أي رجل قاتل وجرح في سبيل قضية ما، أن يتجاهل هذه القضية، مشيرين إلى أنّ الالتزام السياسي أمر منطقي ويجب تفهّمه، ليشددوا في الوقت نفسه على أنّ هذا الالتزام بات اليوم سياسياً بالكامل، بعيداً من أي عمل أمني أو عسكري، ولو أنّ معظم القواتيين الذين تتعدّى أعمارهم أربعين عاماً كان لهم ماضٍ عسكري وأمني.
يتوقف القواتيّون عند ما يُحكى عن تدريبات تنظمها قيادة القوات، فيؤكدون أن ذلك خيالي ويهدف إلى وضع الحزب في خانة الاتهام والتوتّر المتواصل مع القوى الأمنية والأحزاب الأخرى. وتؤكد قيادة القوات أنه لا علاقة لها بقيام مجموعات من الشباب القواتيين بتدريبات على الرماية في الشمال والبقاع. وإذ يشير قواتيون إلى أنّ موضوع الرماية بات شبه هواية لدى معظم اللبنانيين، يسألون: «لماذا التركيز على شباب القوات؟». ويسأل هؤلاء أيضاً: «ماذا لو كانت كل هذه الأمور صحيحة، هل كانت الدنيا لتقعد؟»، لينفوا أيضاً إمكان وجود تدريب لوجيستي وإعداد عسكري بعيداً من التدريبات الميدانية.
لكن رغم النفي القواتي هذا، ثمة قواتيون يشيرون إلى إمكان أن يكون عدد من الرفاق قد أخذوا على عاتقهم عمليات تدريب لبعض أصدقائهم، وهو أمرٌ القيادة القواتية براءٌ منه.
وإذا كانت التدريبات العسكرية تهمة خفيفة، ولا تنحصر في القوات اللبنانية، نظراً إلى كل ما يحكى عن قيام قوى أخرى بإعداد مجموعاتها العسكرية والأمنية، فإنّ التهمة الأخطر التي تطال القواتيين هي تهمة التعامل مع إسرائيل.
وأحدث تلك التهم هي ربط القوات اللبنانية بكشف الضابطين العميلين لإسرائيل، اللذين حكي عن ماضيهما القواتي. يستنكر القواتيون الربط بين هذين الضابطين وأداء القيادة القواتية، ويشيرون إلى أنّ تعميم أداء أحد المناصرين «إذا كان مناصراً أساساً»، أمر يخفي الضغينة التي يكنّها البعض للحزب. ويضيفون أنه تبيّن أن أكبر نسبة من العملاء موجودة بين أبناء الطائفة الشيعية، ومن ضمنهم من كان مناصراً لحزب الله. فيسألون من جديد: «فهل يجوز اتّهام حزب الله بالعمالة لإسرائيل؟». وفي قضية الضابطين أيضاً، إذا تمّ التثبت من وجود ماضٍ قواتي لهما، يدافع القواتيون عن حزبهم مؤكدين أنه في تلك المرحلة لم يكن سمير جعجع قد تسلّم قيادة القوات بعد، وبالتالي ينتميان إلى قيادة قواتية لا دخل للحكيم بها.