طغى أمس هدوء لا يشبه هدوء الأيام التي خلت على محيط المستشفى. رجال الأمن، وعناصر «الهيئة الصحية الإسلامية»، يمشون جيئة وذهاباً. طال الانتظار، يوم أمس، في المستشفى الحكومي.
تستقر الساعة عند العاشرة صباحاً، وهو الموعد الذي كان محدداً لتسليم جثمان زوجة السفير الفرنسي في لبنان، مارلا بيتون. تمر ساعة كاملة، ولا معلومات تشير إلى ما إذا كان الجثمان سيسلم أم لا. الكراسي البلاستيكية المخصصة لذوي الضحايا، تبدأ باستقبال الأهالي.
يتحلق أقرباء عفيف كرشت، الرجل الخمسيني الذي قضى نحبه على متن الطائرة، في حلقة نصف دائرية. هم ينتظرون الانتهاء من فحوص الحمض النووي، ليقلوه الى بلدته حناويه. «نكبة الغربة»، عبارة تذيّل زجاج إحدى السيارات، وإلى جانبها صورة لكرشت. العبارة حاضرة على أكثر من سيارة.
يصدح من التلفاز صوت وزير الأشغال والنقل غازي العريضي. ينصت بعض أقرباء كرشت الى حديثه فيبدون إعجابهم بما يقول: «أنا أعرف والده منذ زمن بعيد»، يقول قريب كرشت. «معه حق باللي عم يقوله»، يستطرد قريب آخر. ساعة أخرى تمر، وجثمان بيتون لا يزال في المستشفى.
كانت والدة هيفاء وزني، الأم الذي توفيت على متن الطائرة مع ابنتها روان وزوجها باسم خزعل، صامتة. لا تتحدث. تغمغم ببضع كلمات، يتخللها: «هيفاء.. يا الله»، تحرك السيدة شفتيها بهدوء. يجلس الى جانبها رجل أربعيني، اسمه وجدي. هو قريبها. ينهض وجدي لإجراء مقابلة تلفزيونية.
يعلو منديلها الأبيض تزامناً مع كل صيحة. السيدة، فجأة، بدأت تصرخ: «يقولون لي أن أسكت! العالم خائفة من الدولة. لماذا أسكت؟ ما هي كلها موتة! بدي احكي». تهدأ قليلاً. بسرعة البرق، انتقلت عدسات الكاميرات من مدخل الطب الجنائي، إلى أم هيفاء. رفعت السيدة صيحاتها.. لكنها لم تطل مكوثها على الكرسي أكثر من 10 دقائق، إذ تم التعرف على هوية ابنتها هيفاء بحسب ما أبلغتها احدى موظفات المستشفى، وهي تصطحبها الى الداخل. لوعة الأم لم تبرد، مشت مغمضة عينيها. الكاميرات، تعود لتصوب عدساتها الى مدخل الطب الجنائي.
يغادر أقرباء عفيف كرشت المستشفى، بعد انتظار دام لأكثر من ثلاث ساعات، على أمل استلام الجثمان (ليس مكتملاً، كباقي الجثث). أعلنوا عن تأجيل الاستلام لنهار السبت. والسبب: «سننتظر لحين العثور على أشلاء أخرى».. «لم تكتمل الاجراءات بعد». أما ذوو حسين الحاج علي فيستلمون جثمانه غداً (اليوم).
إنها الساعة الثانية ظهراً. لم يصل أحد من السفارة الفرنسية بعد. تروح التكهنات تتنقل من لسان إلى آخر: «موعد اقلاع الطائرة الفرنسية حدد عند الرابعة. وعليه، فإن التسليم بات قريباً». يقابله تحليل مغاير: «كلا، لقد حسم الأمر. لن تسلم اليوم». وتكهن أخير: «لا أحد يعلم. ربما تستخدم السفارة طائرة خاصة».
تصل عائلة جورج بركات. تستلم جثمان عزيزها بهدوء. وتغادر بالهدوء نفسه، الى كنيسة «حارة صخر» في جونية. يطبق على المستشفى صمت ووجوم. تشير الساعة إلى الخامسة. الباحة خالية. رجال أمن وعناصر من الدفاع المدني و«الهيئة الصحـية» و«كشافة الرسالة» ينتظـرون. لم يصل أحد من السفارة الفرنسية.
ثلاث صور ملونة، حزينة، مثبتة على بوابة حديدية. تقابلها بضعة كراسي بلاستيكية. الصور، قد تجاورها صور أخرى، تكون حزينة أيضاً. أما الكراسي فتنتظر الأحباء.. وقد آثر بعضهم التريث، أملاً بضم أجزاء أخرى إلى جسد حبيب رحل.