مرّت ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري على خير أمس. إجراءات الفصل التي نفّذتها القوى الأمنية نجحت بحفظ أرواح الناس. أمّا الهدوء السياسي، فأدّى إلى سحب معظم مظاهر العداء لسوريا، في مقابل استيراد شعارات سياسية من شوارع طهران
حسن عليق
يومُ أحد عاديّ في الضاحية الجنوبية لبيروت. الضجيج الخافت قبيل العاشرة من صباح أمس، يسمح بإطالة سبات النائمين. والطريق إلى عين الرمانة، انطلاقاً من حارة حريك، لا تحتاج إلى أكثر من 10 دقائق. إنها العاشرة صباحاً في «قلعة الصمود». لولا شابان على دراجة نارية يرفعان علم القوات اللبنانية، لمَا ذكّر شيء بمهرجان 14 شباط في ساحة الشهداء. لكن أحدهما يؤكد أن المنطقة «فارغة من أبنائها لأن آلاف القواتيين توجّهوا باكراً» إلى وسط بيروت.
العاشرة والنصف في فرن الشباك. الهدوء ذاته يسيطر على المنطقة. إمّا أن «قلعة الكتائب» لا تزال نائمة، أو أن الرفاق احتلوا مقاعدهم في ساحة الشهداء قبل بدء الاحتفال.
في بيروت، يرسم انتشار رجال الأمن حدودَ الاشتباك الأهلي ـــــ المذهبي. بعض المناطق مقفل لا لشيء، إلّا لمنع تكرار تجربة 14 شباط 2009، عندما سالت دماء في طريق العودة من المهرجان. شارع مار الياس مثلاً. عند مدخله من جهة ثكنة الحلو، يطلب رجل أمن من راكبي السيارات الذين يرفعون رايات تيار المستقبل خفضها، تحت طائلة منعهم من عبور الشارع.
في موقف بنك البحر المتوسط في باب ادريس، أنشئ مركز لتنظيم دخول الإعلاميين إلى ساحة الشهداء. يتسلم الإعلاميون، بعد تفتيشهم، بطاقات صادرة عن «سريّة حرس رئاسة الحكومة». بعد ذلك، يُنقلون في حافلات إلى ساحة الشهداء. ومن أمام الحافلة تُرفع كل الحواجز. فهي تنقل الأشخاص الشديدي الأهمية (V.V.I.P.) بحسب الأوراق التي ألصِقت على زجاجها الأمامي.
في الساحة، يبدو مسؤولو تيار المستقبل راضين عن الحشد. «هذا ما توقعناه»، يقول أحدهم، من دون أن يبالغ في تقدير الأرقام. المنطقة الأقرب إلى منبر الخطباء خصّصت لـ«الشخصيات المهمة» (VIP). وبين هؤلاء و«عامة الشعب» حاجزان حديديان، تشرئب أعناقهم عند وصول موكب. لكنه ليس الشيخ سعد. يترجّل الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة من سيارته. وزير المال الأسبق لم يعتد بعد أن يكون زعيماً شعبياً. يحيّي الجماهير بأسلوب يبدو مفتعلاً. بعد السنيورة، يحضر سعد الحريري برفقة النائب وليد جنبلاط ونجله تيمور. لم ينل أبو تيمور الترحيب المعتاد، في مقابل تحوّل صراخ الحشود إلى صوت موحّد يهتف لحياة الحريري.
خيبة أمل بعض مناصري قوى 14 آذار كان لها نصيب من الشعارات المرفوعة هذا العام. «أين صوتي؟». «وماذا فعلتم بالقرار 1595؟»، وغيرهما من العبارات المكتوبة على لافتات صغيرة رفعها «خائبون». تقول سيدة: «نزلنا إلى الساحة كلما طلبوا منا ذلك. ووقفنا مع 14 آذار طوال الوقت. ماذا تغيّر؟ لا شيء».
في فسحة الـ«VIP»، ومباشرةً قبالة منبر الخطباء، ترفع سيدتان وشابة لافتة خضراء، كتبت عليها عبارة «أين صوتي؟» بالإنكليزية (where is my vote?) وبالفارسية (رأيِ مَن كجاست؟). وهذا الشعار كان الأبرز عند المعارضة الإيرانية منذ بدء اعتراضها على إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد في حزيران الفائت. تقول إحدى السيدتين إن ثمة «شعباً في لبنان لا يفهم إلّا اللغة الإيرانية. ولأننا نريدهم أن يفهموا، كتبنا بالإيراني». تشرح السيدة بعربيتها «المكسّرة»، والمطعّمة بكلمات فرنسية وإنكليزية.
تستفيض زميلتها في الحديث: «نحن الأكثرية، لكنهم لم يجرؤوا على اتخاذ أيّ قرار من دون مشاركة الأقلية فيه. الأقلية لها حقوق أكثر منّا. الحكومة لا نؤلّفها وحدنا. لماذا؟ لأن معهم سلاحاً. نمد إليهم يدنا، فيقابلوننا بالسلاح. ماذا نلنا؟ السفارة السورية؟ ماذا يعني ذلك؟ ولا شي. الحدود؟ ما ترسّمت. نحن لسنا ضد الشيعة، لكننا ضد حزب الله. نحن لبنانيون 100 في المئة».
أمام السيدتين ترتفع صور الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، وصورة لأمير قطر، حمد بن خليفة آل ثاني. يقترب سعد الحريري لتحية الجمهور. تصفق له السيدتان بحرارة. «نحن لا ننتمي إلى أيّ طرف سياسي. نحن شعب 14 آذار. ننتمي إلى الأمانة العامة». وما اسماكما؟ «ما في أسماء. نحنا فاطمة وشارلوت». تقول مبتسمة قبل أن تنظر إلى زميلتها سائلة: «منيحة هيك؟». تصمت لبرهة ثم تتابع: «هل تعلم أن كل الموجودين هنا يخافون أن يفجّروا؟». ومن سيفجّرهم؟ «أصحابك. هل ثمة من يوزع القنابل غيرهم؟».
أحد الزملاء يؤكد أن المتحدثة الأخيرة (رفضت التقاط صورة لها) هي زوجة منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد، لكنها تنفي ذلك. أما الفتى الذي يصحبها، فيؤكد أنه ابن سعَيد، وأن المتحدثة هي والدته.
تتدخل شابة لتنهي الحديث: نحن ديموقراطيون. إذا نظرت إلينا تعرف كل شخص من أين أتى. أما في تظاهرات 8 آذار، فيمنع التصوير. كلّهم نفس الشي.
الملك عبد الله
... فجأةً، ظهر عدد من الشبان رافعين صور الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز في ساحة الشهداء، بعد وصول الرئيس سعد الحريري إلى الساحة أمس. وبين هؤلاء، ارتفعت صورة واحدة لأمير قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. ويؤكد أحد المنتمين إلى تيار المستقبل أن رافعي صور الملك والأمير هم من منظمي المهرجان. وعلى مبنى الـ«فيرجين»، وُضعت في منتصف المهرجان تقريباً، صورة كبيرة للملك السعودي. واللافت أن منظمي الاحتفال اتخذوا من أحد أقسام المبنى ذاته غرفة للعمليات. وعندما سئل أحدهم عمن رفع الصورة، أجاب إن ثمّة من طلبها، رافضاً الكشف عن هوية الطالب. العلم التركي حضر في الساحة للمرة الأولى، ورفعه بعض حاملي أعلام تيار المستقبل في شوارع العاصمة. يقول أحدهم إن «موقف أردوغان يجعلنا فخورين برفع العلم التركي. هو علم الخلافة (!). وكل عمرنا نحنا والأتراك إخوة».
القوّات تقاوم «أحد المرفع»: الحكيم ينادي
شاورما في الطريق إلى الساحة (جوزف عيد ــ أ ف ب)ترافقت ذكرى 14 شباط هذا العام مع يوم «أحد المرفع» المبشّر بشهر الصوم عند الطوائف المسيحية الغربية. فرغم أنّ القواتيين والكتائبيين احتشدوا صباحاً بالقرب من مدرسة الحكمة للانطلاق تجاه ساحة الشهداء، إلا أنهم لم ينجحوا في إعادة الأشرفية إلى صورتها الأكثرية. حتى حضور النائب نديم الجميّل لم ينجح في تجييش شوارع «بيروت الأولى» انتخابياً.
كأنّ 14 آذار لم تجتح المقاعد النيابية في المنطقة، وكأنّ تمثال بشير الجميّل ليس قبلة أبناء الأشرفية. ربما فضّل هؤلاء إحياء قداس الأحد كالمعتاد، بعيداً من ضوضاء الكلمات والأغاني وغيرها. أو ربما قرروا البقاء مع العائلة في جلسة ما قبل شهر الصوم. فرفعوا الكؤوس وشربوا نخب «الجَمعة»، لينصتوا بين جرعة وأخرى إلى ما جرى بالقرب من «الضريح».
وفي جبيل (جوانّا عازار) بدأت ساحتها، أمام مكتب القوّات منذ السادسة صباحاً، تشهد تجمّع القواتيّين وعدّتهم أعلام الحزب وقبّعاته وصور الحكيم لإحياء «المناسبة الوطنيّة وتأكيد ثوابت ثورة الأرز»، كما قال لـ«الأخبار» رئيس دائرة الثانويّات في القوات جيلبير سمعان، الذي جزم بأنّ «التجاوب القواتي في جبيل هذا العام يفوق التجاوب في الأعوام السابقة، رغم أنّ الذكرى تتزامن مع أحد المرفع. الباصات انطلقت من جبيل ومن ضيعها على وقع زمامير القوّات.
كما القواتيون، كذلك الكتائبيّون رفعوا أعلامهم الحزبية وصور بيار الجميّل وتجمّعوا في إقليم جبيل الكتائبي، تمهيداً للقاء في الصيفي حيث الاجتماع المركزيّ.
ولبّى أبناء بشري (فريد بو فرنسيس) دعوة رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، سمير جعجع، للمشاركة بالذكرى. فانطلقت المواكب السيارة منذ ساعات الفجر الأولى حاملة الأعلام اللبنانية والقواتية وصور جعجع والنائبين ستريدا جعجع وإيلي كيروز والرئيس رفيق الحريري والبطريرك صفير حيث تجمعت الباصات والسيارات المشاركة عند مدخل القضاء في بلدة مغر الأحول. وفي البترون انطلق مناصرو قوى 14 آذار ومؤيدوها عبر مواكب منظمة، فانطلق من بلدة تنورين موكب قواتي من مئات السيارات والباصات.