محاولة أحد الحاضرين لتصويب كلام السياسي دفعت الأخير إلى طرح السؤال الآتي: «ليش بعد في شي إسمو أمن دولة؟». بغضّ النظر عمّا إذا كان اسم المديرية قد سقط سهواً أو عمداً، فإن واقع الحال يُظهر هشاشة دور هذه المديرية وهامشيتها. «فلو أُلغي جهاز مواكبة الشخصيات فيها، لكان مصيرها الفناء»، بحسب أحد ضباطها. لماذا وصلت إلى هذا الدرك؟
حسن عليق - الاخبار
يُنقل عن النائب وليد جنبلاط قوله في الآونة الأخيرة إن تفعيل المديرية العامة لأمن الدولة لن يكون إلا بطريقة واحدة: أن يُنقلَ فرع المعلومات، بعديده وعتاده، من المديرية العامة للأمن الداخلي إلى أمن الدولة. وبغضّ النظر عن مستقبل طرح جنبلاط وأسبابه، فإن كلام رئيس اللقاء الديموقراطي يستبطن واقعاً يسهل تلمّسه عند محاورة السياسيين المعنيين بالقطاع الأمني في البلاد، والمراجع الأمنية المختلفة. ويتمثل هذا الواقع بأن «أمن الدولة» ليس على ما يرام. فالجهاز شبه معطّل، ولا حصة جدية له في العمل الأمني في البلاد.
ويمكن السائل عن أحوال المديرية أن يسمع سياسيين وأمنيين وقضاة يتندّرون على الجهاز وقدراته، وعلى أداء مديره الحالي، العميد الياس كعيكاتي. والأخير، سيحال على التقاعد مطلع آذار المقبل. بذلك، طفت على سطح النقاشات مجدداً طروحات إلغاء المديرية، أو تعيين بديل من كعيكاتي، وخاصةً مع صعوبة التمديد له عبر ترقيته إلى رتبة لواء، بسبب عدم رضى رئيسي الجمهورية والحكومة عنه. لكن الذين يطرحون الإلغاء متسلحين بقرار صادر عن مجلس الوزراء عام 2005، سرعان ما يصطدمون بالواقع الطائفي. فالجهاز الذي لا تزال الحاجة إليه موضع نقاش، بات خلال 12 عاماً محسوباً من حصة الطائفة الكاثوليكية التي «لا جهاز آخر لها»، علماً بأن السبب الرئيسي لإنشائه عام 1984، كان «لإرضاء الطائفة الشيعية».
التأسيس والانطلاق
في ثمانينيات القرن الماضي، كانت النقاشات تجري بين اللبنانيين في الخارج (سويسرا خصوصاً) وفي الداخل (خلوات بكفيا التي كانت تعقدها حكومة الرئيس الشهيد رشيد كرامي، والتي حضر بعضها نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام)، بهدف الوصول إلى تسوية تضع حداً للحرب الأهلية التي بدأت في عام 1975. في تلك الحقبة، خلافاً للطائفتين الكبيرتين المماثلتين لها (المارونية والسُّنية)، لم تكن الطائفة الشيعية «تملك» جهازاً أمنياً يديره أحد أبنائها.
وبحسب المدير العام الأسبق لأمن الدولة، اللواء نبيه فرحات، فإن خدّام اقتراح إنشاء جهاز أمني «للشيعة»، يكون شبيهاً بجهاز الاستخبارات العامة في كل من سوريا ومصر.
الفكرة التي تلقفتها خلوات بكفيا سرعان ما سلكت طريقها إلى التنفيذ. فيوم 26/9/1984، أصدر مجلس الوزراء مرسوماً اشتراعياً عدّل بموجبه قانون الدفاع الوطني، منشئاً مديرية عامة لأمن الدولة، تكون تابعة لرئيس المجلس الأعلى للدفاع (رئيس الجمهورية) ونائبه (رئيس الحكومة).
ومن يطّلع على النصوص التنظيمية للمديرية، يجد جهازاً هجيناً، مهماته شبيهة إلى حد بعيد بالشّق الداخلي من مهمات المديرية العامة للأمن العام، في الوقت الذي فتحت فيه النصوص باباً أمام ضباط الأمن الداخلي وأفراده للانتقال إليها.
باشر الجهاز الوليد خطواته الأولى عام 1984. اختير العميد مصطفى ناصر مديراً عاماً لأمن الدولة. ظروف الحرب الأهلية منعته من إنشاء جهاز أمني حقيقي ومن توسعته. كذلك، كانت حال خلفه المحامي أنطوان طرابلسي، الذي تولى، بالتكليف، إدارة الجهاز لمدة تقل عن 9 أشهر عام 1988. بعد ذلك، عُين اللواء نبيه فرحات مديراً عاماً أصيلاً. كان فرحات من ضباط الشعبة الثانية في آخر أيام عزّها، وأحد الذين وضعوا النصوص التنظيمية لمديرية استخبارات الجيش في عهد الرئيس إلياس سركيس. وخلال عهد الحكومتين (1988)، عُين فرحات مديراً لاستخبارات الجيش في المنطقة الغربية.
مع دخول البلاد مرحلة «السلم الأهلي»، باشر فرحات بناء المديرية، مستفيداً من خبرته الطويلة في الجيش. يقول إنه تسلّم جهازاً لم يكن عديده يزيد على 60 فرداً، تنحصر مهماتهم في تنظيم رواتبهم، ويجمعون معلومات بسيطة على طريقة مخافر الدرك.
مع فرحات، ارتفع العديد في المديرية إلى نحو 1200 ضابط ورتيب وموظف مدني (الملاك حالياً يتسع لنحو 3904 أشخاص، بين أمني ومدني). في ذلك الحين، كان رئيس مجلس النواب نبيه بري «الراعي الرسمي» للمديرية، إضافةً إلى أن علاقة فرحات الجيدة بسوريا سمحت له بتوسيع الجهاز الأمني وإطلاق عمله، حتى بات للمديرية مقر في كل مركز قضاء. دخل الجهاز الجديد النادي الأمني الذي أعيدت هيكلته بعد الحرب الأهلية، لكن من دون أن يصل إلى مرتبة أحد زملائه. «هي طبيعة عالم الأمن في جميع دول العالم، حيث يتمسك كل جهاز بمجال عمله ويدافع عنه»، بحسب المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد، الذي يرى أن مشكلة إضافية اعترضت جهاز أمن الدولة منذ إنشائه، «هو تابعيته لرئيس الحكومة، لا لوزير. فرئيس الحكومة تتبع له عشرات المؤسسات العامة، ما يعني أن وقته ضيق لمتابعة كل منها على حدة. أما إذا كان الجهاز تابعاً لوزير، فيصبح بإمكان المدير العام التواصل مع وزيره بسهولة أكبر، في مقابل استعداد أكبر لدى الوزير لحمل قضايا المديرية وطرحها على مجلس الوزراء ودعمها. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، فإن أيّ جهاز في العالم لن يتخلى عن جزء من صلاحياته لجهاز آخر. وفي حالة أمن الدولة، يمكن تشبيه الأمر بأنّ الدولة اللبنانية، بعدما كانت تعطي 100 ليرة للجيش و50 للأمن الداخلي و25 للأمن العام، قررت أن تعطي أمن الدولة نصف ليرة من الجيش وربع ليرة من الأمن الداخلي وربع ليرة من الأمن العام. وهذه التركيبة لا تُنتج جهازاً أمنياً، رغم القدرة الذاتية والنية المتوافرة لدى الذين تعاقبوا على إدارة أمن الدولة».
يُضاف إلى ذلك الواقع، أن التركيبة السياسية لم تكن مواتية لأن يصبح الجهاز الوليد رقماً صعباً في البلاد. وبحسب فرحات، لم يكن الرئيس رفيق الحريري مهتماً في الفترة الأولى من حكمه إلا بمحاولة تعزيز فرع المعلومات.
أما رئيس الجمهورية إلياس الهراوي، فلم يكن يسمع إلا من المدير العام للأمن العام ريمون روفايل. ومنذ توحيد الجيش بدعم سوري، لم يطالب أحدٌ المؤسسةَ العسكرية بالالتزام بنص وثيقة الطائف، لناحية عدم تخطي دورها الأمني حدود الأمن العسكري. ولاحقاً، تعززت سطوة الجيش بسبب عدم قدرة الأجهزة الأمنية الأخرى على مواكبة الاستحقاقات السياسية ــــ القضائية المرتبطة، بالدرجة الأولى، بتفكيك حزب القوات اللبنانية وأذرعه. نتيجةً لذلك، وهو ما كان يجري برعاية سورية واضحة، لم يتمكن جهاز أمن الدولة من التحول إلى رقم صعب في عالم الأمن اللبناني، رغم أنه حجز لنفسه مكاناً بين نظرائه. فهو تمكن من توقيف عدد من عملاء إسرائيل، فضلاً عن متابعة قضايا ترتبط بملفات فساد في بعض مؤسسات الدولة. إلا أن تلك «الإنجازات» لا ترضي الذين عملوا فيه في تلك الفترة. وبعض الملفات مثّلت فضائح لا يزال جزء منها لغزاً حتى اليوم، كقضية الطوابع البريدية المزوّرة التي كُشفت عقب اختفاء الموظف في وزارة المال رأفت سليمان في عام 1996.
وقبل نهاية عهد فرحات عام 1998، نفذت مديرية أمن الدولة العملية الأكثر إثارة للجدل في تلك الفترة، وهي توقيف أفراد من الجيش الأحمر الياباني في البقاع الغربي عام 1997، بينهم المناضل كوزو أوكوموتو.
وبحسب فرحات، بدأت القضية بمعلومات وصلت من أجهزة الأمن اليابانية إلى أحد أبرز ضباط أمن الدولة في ذلك الحين، العميد علي مكي. ورغم معارضة فرحات، أصرّ الأمن السوري على توقيف اليابانيين، إذ تضمّن ملف المعلومات إشارات إلى علاقة لليابانيين بتفجيرات في دمشق، وهو ما تبين لاحقاً أنه غير صحيح. انتهت القضية بنزول الغضب السوري على العميد علي مكي، وبإجباره على التقاعد، قبل أن ينال أوكوموتو أول بطاقة لاجئ سياسي في لبنان.
عهد إدوار منصور
في العام التالي، وصل قائد الجيش العماد إميل لحود إلى سدة الرئاسة الأولى، فتبدّلت خريطة الأجهزة الأمنية. ضابط الاستخبارات القوي، جميل السيد، تولى إدارة الأمن العام، لتتقاطع عنده معظم الخيوط الأمنية في البلاد. أما المديرية العامة لأمن الدولة، فاختار لها لحود صديقه القريب اللواء إدوار منصور. قال لحود لصديقه في اليوم التالي لانتخابه: أريد تعزيز مديرية أمن الدولة وتحويلها إلى جهاز حقيقي. وافق منصور، وأخذ معه من الجيش ضباطاً يصفهم بأنهم من صنف «القادة لا الموظفين» (كماهر الطفيلي وأنطوان بانو وخضر الطويل وفيصل رشيد...). كانت لمنصور طموحات واسعة، عززها بالاستعانة بطاقم يملك خبرة أمنية واسعة (كان أبرزهم من خارج الجيش العميد شارل عطا من المديرية العامة للأمن الداخلي).
لكن المديرية بقيت نسياً منسيّاً على المستوى السياسي، إذ لم يتمكن منصور من تطويع أفراد جدد في عهد الرئيس سليم الحص، ولا بعد عودة الرئيس الحريري إلى الحكومة. يلخّص منصور ما جرى في تلك الفترة بالقول: «بعناء شديد كنا نحصل على حصة ضئيلة من متخرجي المدرسة الحربية».
بعد عودة رفيق الحريري إلى الحكم في عام 2000، حصل «صدام» بينه وبين منصور، يتعلق بطلب رئيس الحكومة استبدال رئيس مديرية بيروت الإقليمية العميد فيصل الرشيد، بحجة أنه عمل لمصلحة خصومه في الانتخابات النيابية. لكن منصور لم يلبّ طلب الحريري، طالباً منه مراجعة رئيس الجمهورية إميل لحود، بعدما تبنى كل ما قام به رشيد.
هذا الاصطدام بين الرجلين كان الأول والأخير. فطلبات رئيس الحكومة اللاحقة كان يلبيها منصور، وهي لم تتخطّ طلب إخلاء مبنى وإنشاء بديل منه. فعودة الحريري القوية إلى الحكم لم تسمح له بالدخول جدياً إلى الأجهزة الأمنية في لبنان، باستثناء إرضاء السوريين له بتعيين اللواء مروان زين مديراً عاماً للأمن الداخلي، وإعادة تسوية أوضاع بعض الضباط المحسوبين عليه، الذين كانوا من المغضوب عليهم في السنتين السابقتين.
وفي الفترة ذاتها، بقيت مديرية أمن الدولة في موقع هامشي، رغم قيامها ببعض المهمات كتوقيف بضع شبكات تجسس ومكافحة عصابات سرقة واتجار بالمخدرات.
لكن محور عملها كان حماية الشخصيات، أو ما سماه اللواء إدوار منصور «جهازَ الخدم»، وذلك في أحد التقارير التي رفعها إلى مجلس الوزراء، وطالب فيه بتعديل النصوص المنظمة لعمل جهاز الحماية، لكي يصبح فعّالاً.
وبحسب أكثر من ضابط خدموا في المديرية (بعضهم لا يزال في الخدمة)، فإن إلغاء جهاز الحماية الشخصية في مديرية أمن الدولة سيؤدي إلى فناء المديرية، إذ لن يحسب أي سياسي حساباً لها.
ومع الانقلاب الذي عاشته البلاد بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005، وضعت قوى 14 آذار اللواء إدوار منصور في خانة الضباط المسؤولين عن الاغتيال، أو على الأقل، المقصّرين في حماية الحريري.
تناست تلك القوى حينذاك أن الحريري نفسه هو من كان قد اعترض على اقتراح منصور تفعيل جهاز الحماية في المديرية. وبعد أقل من 3 أشهر على وقوع الجريمة، أقيل منصور من منصبه، ليخلفه العميد حسن فواز بالوكالة، مدة 5 أشهر. خلال هذه المدة، بقيت مديرية الأمن العام «من نصيب» الطائفة الشيعية، فتقرر أن يكون المدير العام لأمن الدولة كاثوليكياً، عملاً بالمبادلة التي أجريت في عام 1998 (إدوار منصور الكاثوليكي وجميل السيد الشيعي).
ويوم 6 تشرين الأول 2005، عين مجلس الوزراء العميد في قوى الأمن الداخلي، الياس كعيكاتي، مديراً عاماً بالوكالة لأمن الدولة. وفي الجلسة ذاتها، أبدى مجلس الوزراء موافقة «مبدئية» على حلّ جهاز أمن الدولة. لم تكن لكعيكاتي سيرة ذاتية فيها شيء من التميّز طوال خدمته في الأمن الداخلي.
وإذا عطف ذلك على قرار الحكومة تفكيك الجهاز، وسطوع نجم فرع المعلومات، ومحافظة استخبارات الجيش على واقعها، يصبح من الطبيعي أن تكون نتائج عمل المديرية هزيلة إلى حد الطلب إليها الاستغناء عن 300 من أفرادها لمصلحة شرطة السير خلال فترة الأعياد في بيروت وضواحيها.
في النهاية، بقي جهاز أمن الدولة على ما هو عليه. وبحسب أحد العاملين فيه والمطّلعين على خباياه، يمكن أن تكون المديرية مصداقاً للمثل اللبناني: الاسم كبير والمزرعة خربانة.
فطوال الأعوام الماضية، لم يكن للجهاز إنجاز يذكر، إلا ما قامت به مديرية البقاع الإقليمية في بداية أحداث مخيم نهر البارد (2007)، عندما تمكنت، بالتنسيق مع استخبارات الجيش، من توقيف خلية تابعة لتنظيم القاعدة، على رأسها السعودي فهد المغامس، أحد أبرز المطلوبين في لبنان منذ عام 2004. وعدا ذلك، يقول مرجع أمني رفيع، لم تتعدّ إنجازات المديرية ما يمكن فصيلةً في الدرك أن تقوم به.
وعندما تزودك المديرية بملخص عن إنجازاتها خلال السنوات الثلاث الماضية، تجد أن معظمها لا يدخل في إطار «أمن الدولة»، بقدر ما هو من صلب مهمات الشرطة التقليدية.
فالقسم الأكبر منها يتعلق بتوقيف مطلوبين في جرائم سرقة وسلب وتوزير واحتيال وغش واغتصاب ودعارة! وبحسب أحد المطلعين على عمل المديرية، أجري فيها إحصاء للأفراد الذين أنجزوا ما يسمّى «ملخصات أخبار» (أي المعلومات التي تقوّم وتعد صالحة للمتابعة) طوال عام كامل، فتبين أن عددهم لا يزيد على عشرين فرداً.
أضف إلى ذلك أن ثمة الكثير مما يحكى عنه. خذ مثلاً قضية المصاريف السرية (التي ينصح أكثر من مسؤول أمني بعدم التطرق إلى كيفية تصرف بعض الأجهزة الأمنية بها). فحصة هذا الجهاز تبلغ 684 مليون ليرة سنوياً (مقابل 6 مليارات للجيش و4 مليارات للأمن الداخلي وأكثر من مليار ليرة للأمن العام). ولا تخضع هذه المصاريف لأي تدقيق سابق أو لاحق. حتى وزراء الوصاية لا يسائلون الأجهزة الأمنية عن سبل صرف هذه النفقات. وفي العادة، تُستخدم هذه المصاريف لتمويل شبكات المخبرين، ولشراء بعض المعدات التي لا يرغب الجهاز في مرورها عبر المناقصات العمومية، «لأسباب تتعلق بالسرية أو السرعة»، بحسب الذريعة التي قدمها مسؤولون أمنيون إلى وزير معني.
وفي أمن الدولة، يؤكد عدد ممن خدموا في المديرية أن اللواء نبيه فرحات كان يضع هذه الأموال في مكانها الصحيح، أي تمويل شبكات المخبرين عبر الضباط الذين يديرونها.
بدوره، كان اللواء إدوار منصور يوزع هذه المصاريف على مديري الشبكات وفقاً لجداول (لا تزال محفوظة) تتضمن تواقيع الضباط الذين تسلموا الأموال. وعندما حاولت «الأخبار» التوجه إلى العميد الياس كعيكاتي لسؤاله عن رأيه في أحوال المديرية، وبينها سبل إنفاق المصاريف السرية، لم تتمكن من ذلك لأن «العميد لا يحبّذ إجراء لقاءات صحافية في هذه المرحلة»، على حد قول المعنيين بالعلاقة مع الإعلام فيها. واللافت أن النفقات السرية التي ترصدها الموازنة العامة للمديرية لم تنخفض بعد، رغم وجود شبه إجماع على عجز المديرية عن جمع معلومات ذات قيمة.
في المحصّلة، يصعب العثور على من يُبدي رضاه عن واقع المديرية العامة لأمن الدولة. فالإمكانات التي أعطيت لها على الدوام كانت ضئيلة، إضافةً إلى أنها لم تتمتع بحاضنة إدارية أو سياسية أو طائفية تسمح لها بالنمو، علماً بأن مرجعاً أمنياً رفيعاً يجزم بأن أي جهاز أمني، في ظل الانقسام السياسي والطائفي السائد في البلاد، لن يتمكن من تقديم نتائج جدية إلا إذا حظي بدعم سياسي أو طائفي (أو بكليهما) من إحدى الجهات النافذة! واليوم، ليس ثمة من يطرح جدياً تعزيزها. بل إن كل ما يقال يبقى في إطار إبداء الرأي «عن بُعد».
ولا يبدو طرح النائب وليد جنبلاط (نقل فرع المعلومات إلى أمن الدولة) قابلاً للحياة. ففي رأي مرجع سياسي بارز، إن الظروف الحالية في البلاد، والتوازن الهشّ بين الكتل السياسية والطائفية، لن يسمحا بإجراء تعديل جدي على الميزان الأمني.
أما إلغاؤها، فيجزم أحد أبرز المقربين من رئيس الحكومة سعد الحريري، بأنه بات شبه مستحيل، لأن الطائفة الكاثوليكية ستعترض، ولا أحد يريد استفزاز أي كتلة مسيحية. وبناءً على ذلك، ليس متوقعاً أن يتغير واقع المديرية في القريب العاجل، بل إن وضعها الحالي سيستمر، لتبقى، كما يصفها اللواء نبيه فرحات، «مخلوقاً حديثَ الولادة في حالة موت سريري».
وجود لا معنى له
مع اقتراب موعد التعيينات الإدارية في كل عهد، تعود إلى الأضواء فكرة إلغاء المديرية العامة لأمن الدولة. واللافت في النقاشات التي تدور بين الحين والآخر بشأن مستقبل هذا الجهاز، أن معظمها لا يطرح الأمر من زاوية الرؤية الشاملة للواقع الأمني في البلاد. مرجع أمني رفيع، من المؤيدين لفكرة إلغاء أمن الدولة «لأن وجودها لا معنى له»، يؤكد أن المديرية تملك النص القانوني الأمتن بين الأجهزة الأمنية الأخرى. فبحسب المرجع ذاته، منعت وثيقة الطائف الجيش من العمل الأمني خارج نطاق الأمن العسكري. أما المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، فصدرت النصوص المنظمة لعملها، بداية تسعينيات القرن الماضي، خالية من الدقة وشديدة الإبهام، ومبنية على نظرة تقليدية إلى عمل الشرطة.
لكن القدرات التي وُضعت في تصرف أمن الدولة، منذ إنشائها، جعلتها قاصرة عن القيام بالدور الذي منحتها إياه القوانين والمراسيم. فعلى سبيل المثال، لم يتجاوز الملاك الوظيفي للمديرية حتى اليوم ثلث ما هو منصوص عليه في المراسيم التنظيمية.
والحل؟ يطرح مرجع أمني (لا يزال في الخدمة) ضرورة قيام طاولة الحوار الوطني بدرس الاستراتيجية الأمنية في البلاد، بموازاة بحثها الاستراتيجية الدفاعية. والرجل يملك تصوراً أولياً يرتكز على الأجهزة الثلاثة الكبرى: استخبارات الجيش والأمن العام والأمن الداخلي. وتتضمن رؤيته فصل الأمن عن البلديات والإدارة في وزارة الداخلية، على أن يبقى التنسيق الأمني اليومي في عهدة مجلس الأمن المركزي، وأن يتولى المجلس الأعلى للدفاع رسم الخطوط العريضة للسياسة الأمنية.
في المقابل، ثمة من يؤكد ضرورة الحفاظ على أمن الدولة، وتعزيز قدراتها، وتمكينها من تنفيذ المهمات التي يوكلها إليها القانون. لكن إبقاءها تابعة لرئاسة الحكومة لن يؤدي إلى هذا الهدف. اللواءان نبيه فرحات وإدوار منصور كانا قد طرحا في السابق، كلّ على حدة، فكرة إعادة هيكلة القطاع الأمني في لبنان، على قاعدة عدم جواز حصر العمل الأمني في يد جهاز واحد. وطرح المديران العامان السابقان أن يكون جهاز أمن الدولة تابعاً لوزير الداخلية، على أن يقتصر دور الأمن الداخلي على عمل الشرطة، ودور الأمن العام على الأجانب والمعابر، ليتولى جهاز أمن الدولة جمع المعلومات المتعلقة بالأمن القومي. وكان فرحات قد طرح فكرته رسمياً على وزير الداخلية السابق حسن السبع الذي استشاره في ذلك. في الخلاصة، ينقسم المعنيون إلى رأيين: ثمة من يؤيد إلغاء الجهاز إلغاءً تاماً، بسبب عدم قدرته على «التقليع» في ظل الانقسام المذهبي والسياسي، في مقابل من يؤيد تعزيزه وتفعيله وتقديم الإمكانات اللازمة إليه.
لكنّ أياً من الطرحين لا يجد آذاناً صاغية اليوم. فبحسب أحد السياسيين الواسعي الاطلاع، إن الحكومة الحالية «عاجزة عن إصدار قرار يتعلق بإضاءة طريق عام، فهل ستتمكن من إعادة خلط الأوراق الأمنية في البلاد؟».