منذ حوالى الأسبوع، أو أكثر بقليل، كان وجدي، وهو أحد أقرباء باسم خزعل وهيفاء وزني، جالساً أمام مدخل المستشفى الحكومي، بالقرب من والدة هيفاء. كانا ينتظران نتيجة الفحوص المخبرية لكل من هيفاء وابنتها روان، وزوج الأخيرة باسم خزعل، الذين قضوا نحبهم على متن الطائرة الأثيوبية.
أمس، على باب المستشفى الحكومي، وقف وجدي أمام سيارة الإسعاف التي ستقل جثامين أقربائه إلى «روضة الشهيدين». تتحرك شفتاه تزامناً مع تأمله الصورة الملصقة على السيارة. تكرّ دموعه ببطء على وجنتيه. تمر لحظات قبل أن تنضم إليه فتاة في مقتبل العمر، ربما هي ابنته. تطلب منه التوقف عن البكاء. هو لا يسمعها. فبكت الفتاة، بهدوء طغى ظهر أمس على محيط المستشفى الحكومي.
بالمنديل الأبيض نفسه، خرجت جدة روان من قاعة «الطب الجنائي»، فشخصت عيون المتجمهرين إليها. كانت هادئة. سيارتان تابعتان لقوى الأمن الداخلي تتهيآن لمواكبة سيارات الإسعاف إلى «الروضة»، حيث ستوارى النعوش الثلاثة في الثرى. وعلى المدخل، وقف رجل لا يمت إلى العائلة بصلة، وراح يبكي. اسمه محمود ساعي. هو شقيق الرجل السوري محمد ساعي الذي توفي أيضاً على متن «طائرة الموت».
يقول ساعي إنه سيستلم جثمان شقيقه غداً (اليوم) عند الثامنة والنصف صباحاً، ليقله مباشرة إلى مسقط رأسه في حلب. ومع ذلك، لم يغادر باحة المستشفى. يقول: «أشعر أننا، أي أهالي الضحايا، بتنا عائلة واحدة». عائلة آل وزني وخزعل تنتظر خروج الجثامين بهدوء.
خيم، أمس، صمت حذر على أرجاء المستشفى الحكومي. صمت كسرته والدة هيفاء، عندما خرج التابوت الخشبي ملفوفاً بالعلم اللبناني الى سيارة الاسعاف. شقت والدة هيفاء طريقها بين الحشود بعزم، ورمت بنفسها على التابوت مرددة بصوت حزين: «مع السلامة يا هيفاء.. حرقتي لي قلبي يا هيفاء». ثم، كررت بالصوت نفسه: «قوم يا عريس».
«العريس»، غادر، مع زوجته وأمها، باحة المستشفى وسط الزغاريد الممزوجة بالبكاء والتكبير، الى «روضة الشهيدين» ترافقهم مواكبة أمنية.
عندما غادرت الجثامين الثلاثة محيط المستشفى، بدأت حبات المطر الخفيفة تنهمر على جدرانه، لترافق بكاء الناس الذين أطلوا من شرفة مدخل «الطب الجنائي». رفع أحد أقرباء العائلة صورة «شهداء الطائرة المنكوبة» وثبتها إلى جانب 15 صورة علّقت على البوابة الحديدية. فيصبح عدد الصور 16 صورة. ولكل صورة قصة.
ساعتان احتاجهما وصول الجثامين، ظهر أمس، الى الروضة، حيث صلّي عليهم. وقفت والدة هيفاء على السلم الاسمنتي، مسندة إحدى يديها الى الدرابزين الأسود. تلقي السيدة، ومن حولها اجتمع نساء كثر، نظرات متقاطعة على سيارات الاسعاف. وفي باحة «الروضة»، احتشدت الوفود الغفيرة لتشارك في دفن الأقرباء. من بين هؤلاء، كان كمال ابراهيم يمشي جيئة وذهاباً. ابراهيم، سيشيع اليوم جثمان نجله حسن في عيناتا. ومع ذلك، ولأن أهالي الضحايا باتوا عائلة واحدة، توجه أمس للمشاركة في مواساة آل وزني وخزعل في مصابهم.
تصل سيارات الاسعاف محاطة برجال متشحين بالسواد: «وحدوا الله يا عباد الله.. وحدوه»، رددوا تحت زخات المطر، الذي عاد ليهطل. ووقفت النساء على شرفات منازلهن ينثرن الورود على النعوش الثلاثة. نظرات النساء تشابهت مع تلك التي شخصت من شرفة «الطب الجنائي» في المستشفى لحظة مغادرة الجثامين. هي نظرات الوداع.
أما وداع الأقرباء فكان مغايراً: بكاء، نحيب، وتكبير. ثم زغاريد تلت صيحة والدة هيفاء: «زغردوا للعرسان»، فتداخلت أصوات الزغاريد مع تكبيرات الرجال، التي انقطعت لهنيهات، عندما عزف شبان قوى الأمن الداخلي لحن الموتى. أما عدسات كاميرات التصوير فتم توجيهها إلى الشخصيات السياسية والحزبية والبلدية التي حضرت الدفن.
دفنت، ظهر أمس، ثلاثة جثامين لأبناء عائلة واحدة، في روضة «الشهيدين»، حيث دفنت «أم علي» جثمان زوجها العراقي جاسم أكرم محمد. لكن «أم علي»، حينها، كانت وحيدة. وتشييع جثمان زوجها لم يشبه تشييع جثامين هيفاء وروان وزني وباسم خزعل. فمحمد توفي، ودفن في الغربة، حيث لا أحد له سوى زوجته. واليوم، تسلّم جثامين 12 من ضحايا الطائرة المنكوبة إلى ذويهم. ولكل منهم.. قصة.