أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«السفير» تنشر وقائع من محادثات سليمان وميدفيديف: سياسة وغاز وذهب وسياحة

الإثنين 01 آذار , 2010 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,215 زائر

«السفير» تنشر وقائع من محادثات سليمان وميدفيديف: سياسة وغاز وذهب وسياحة
موسكو:
يعود رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان من موسكو، ومعه سلّة من النتائج الواعدة التي تتطلّب متابعة على مستوى المسؤولين بين البلدين لوضعها موضع التنفيذ.
وكان البرنامج الرسمي قد لحظ للرئيسين سليمان وديمتري ميدفيديف ساعة من الوقت، إلاّ أن الخلوة شطحت لتبلغ ساعة وعشرين دقيقة، قبل أن تتحوّل إلى اجتماع موسّع بانضمام أعضاء الوفدين اللبناني والروسي، لساعة كاملة.
واستهلّ رئيس الجمهوريّة الخلوة بعرض مسهب تناول العلاقات الثنائيّة بين البلدين، ثم التحديات التي يواجهها لبنان إن على مستوى الداخل او الخارج بعد الانتخابات النيابيّة وتشكيل حكومة الوفاق الوطني.
وانطلق الحديث من استعراض سريع للخلفيّة التاريخيّة، مع التذكير بأبرز المحطات ولو بصورة عابرة انطلاقا من أن الاتحاد السوفياتي كان السبّاق في الاعتراف باستقلال لبنان، وبادر الى فتح سفارة في بيروت، واعتماد سفراء كان لهم شأن كبير، وأسهموا في تفعيل العلاقات الثنائيّة في مختلف المجالات، وكان للبعد الثقافي ـ الاجتماعي ـ الإنساني دوره البارز حيث تخرّجت أفواج من العلماء والمهندسين والأطباء وأصحاب الاختصاصات العالية من كبريات الجامعات الروسيّة، فضلا عن الزواج والمصاهرات والانصهار العائلي، الذي أغنى ويغني العلاقات.
ومن الماضي إلى الحاضر، حيث جرت قراءة رئاسية هادئة لواقع العلاقات انطلاقا من الهديّة الروسيّة بمنح لبنان سربا من طائرات «الميغ 29» المتطوّرة، وإذ ثمّن الرئيس سليمان عاليّا هذه المبادرة الروسيّة الاستثنائيّة، توقف عند ملاحظتين، الأولى: يعود الفضل لروسيا كونها الدولة العظمى الوحيدة التي قررت تسليح الجيش اللبناني من دون قيود او شروط او فيتويات. والثانيّة: أن الهبة جاءت أكثر مما يطمح ويتصوّر لبنان، ومن دون وجود اتفاقية تعاون عسكري يمكن الاعتماد عليها، والاستفادة من مجالاتها المتعددة، وكان لا بدّ من أن يبرم الجانب اللبناني مثل هذه الاتفاقيّة التي تؤسس لتعاون مستمر في مجالات التجهيز والعتاد والتدريب بين الجيشين اللبناني والروسي.
أما في موضوع «الميغ»، فقدم الرئيس سليمان مطالعة انطلاقا من خبرته العسكريّة، وكقائد للجيش اللبناني مفادها ان التسليح والتجهيز يعتمد على تدرّج في الأولويات من الأدنى إلى الأعلى، ومن البندقيّة الى الطائرة الحربيّة، وليس من قمة الهرم دون القاعدة. وهناك حاجيات للجيش اللبناني في هذه المرحلة تأخذ بعين الاعتبار السلاح الذي يفترض أن يكون بحوزته، مع التأكيد والتشديد على أهميّة الهبة التي لا تتوافق وحجم الأعباء الماديّة التي قد تترتّب على المالية العامة للدولة، والنفقات التي قد ترتّبها النواحي التقنيّة لهذا النوع من الطائرات لجهة الصيانة وقطع الغيار والنواحي اللوجستيّة الأخرى.
وطرح رئيس الجمهورية إمكان استبدال هذا السرب من الطائرات بما يلائم حاجات الجيش اللبناني كتزويده بطوافات عسكريّة مقاتلة من نوع ام ـ آي ـ 24 الهجومية المتطورة المنافسة لطائرات «أباتشي» الأميركيّة الصنع. وقد سجل الجانب الروسي هذا الطلب ووعد بدراسته تمهيدا لاتخاذ القرار النهائي.
وأثار الرئيس سليمان أزمة الطاقة التي يعاني منها لبنان، وطرح جملة اقتراحات حول إمكان الاستفادة من الغاز الروسي مع وصول خط الإمدادات الى تركيا، ورحّب الرئيس ميدفيديف، وطلب من الجانب اللبناني قائمة باحتياجاته، والدراسات الملائمة، كما أوعز الى الجهات الروسيّة المختصة بالتقدم بالعروض المؤاتيّة.
وتطرق البحث الى القطاع المالي ـ المصرفي، وخبرات لبنان الواسعة في هذا المجال، وتم التفاهم على عقد سلسلة من الاجتماعات الثنائيّة تارة في بيروت وتارة أخرى في موسكو، لتفعيل مجالات التعاون، خصوصا ان لهذا القطاع مستقبلا واعدا في ظل التحولات الاقتصاديّة المهمة التي تشهدها روسيا.
وشمل الحديث قطاع الذهب، والدور المتقدّم الذي تلعبه موسكو تصنيعا وتجارة، وإمكان التعاون في هذا المجال، خصوصا أن للبنان تراثا عريقا في صناعة المجوهرات، ويملك مهارات واسعة في هذا القطاع.
وأثيرت المواضيع الصناعيّة والتجاريّة من زاويتي التعاون كالاستفادة من التقديمات والخبرات الروسيّة لتحديث العديد من المصانع خصوصا في قطاع الورقيات والحديد الصلب والمعادن، وأيضا في القطاعات التجاريّة بعد التحول في المجال التجاري ـ النقدي ـ الاقتصادي الذي تشهده روسيا، وتأطير مجالات التعاون هذه باتفاقيات تحمي الاستثمار والمصالح المشتركة.
وكان للتبادل التجاري مكان في البحث، وتفاهم على إيلاء هذا الجانب أهميّة لجهة تفعيل حركة الاستيراد والتصدير بأفضل السبل، وبما يتوافق وحاجة السوق في كلا البلدين، وضمن أطر الأسعار التنافسيّة للسلع والمنتوجات.
ولم يغفل الرئيس سليمان الجانب السياحي، وما فهمه أن المواطن الروسي العادي يدخّر من راتبه لكي ينفقه في العطل السنويّة خارج روسيا، وكان تشديد على ضرورة تفعيل التعاون السياحي، وطرحت اقتراحات عدّة تتناول التأطير القانوني الذي يتوافق مع متطلبات هذا القطاع، فضلا عن اقتراح المزيد من الدراسات المنشّطة للدورة السياحيّة، وهل يفترض ان تتمّ مباشرة بين البلدين، أم وفق دورة سياحيّة تشمل دولا أخرى بحيث تكون دورات منتظمة تفيد السائح ويستفيد منها لبنان.
أما في ما يتصل بالتحديات الخارجيّة فقد أكدّ الرئيس سليمان على ان زيارته الى روسيا تصبّ في إطار تحصين لبنان في وجه التهديدات الإسرائيليّة، وأن لبنان من خلال استعادته لدوره على الساحة الدوليّة، ومن خلال الحركة التي يجريها على مستوى رأس الدولة جعل إسرائيل تعيد حساباتها قبل تنفيذ تهديداتها ضدّ لبنان.
وفهم من الجانب الروسي، أن الرئيس ميدفيديف قد بحث موضوع التهديدات بعمق مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو عندما زار موسكو مؤخرا، وكانت مصارحة شاملة أفضت الى مجموعة من الخلاصات، أولها أن هذه التهديدات التي طاولت سوريا أيضا، غير قابلة للتنفيذ أقلّه في المستقبل المنظور، وأنها سلاح يستخدم وفق متطلبات المرحلة التي تمرّ بها المنطقة، والجمود المسيطر على مختلف ملفاتها الساخنة، فيما الهدف منها تحسين دفاتر الشروط، وتوجيه رسائل باتجاهات عدّة خصوصا الى الأطراف المعنيّة بهذه الملفات.
ويقرّ الجانب الروسي بوجود ترابط ما بين التهديدات، والجمود المسيطر على عملية السلام في الشرق الأوسط، وصلة الوصل ما بين الملف النووي الإيراني، وسلاح «حزب الله»، وقد أكد لرئيس الوزراء الإسرائيلي أن سياسة التهديد والتصعيد التي ينتهجها لا تبدع حلولا، ولا تشكل مخرجا للأزمات المتفاقمة، وإن أي تصعيد قد يحصل ربما يؤدي إلى نتائج عكسيّة غير محسوبة أو متوقعة تكون مردوداتها أدهى من الواقع المشكو منه اليوم.
وإذ أكدت موسكو موقفها من السلام العادل والشامل وفق القرارات الدوليّة ذات الصلة والمبادرة العربيّة للسلام، جددت دعوتها للحكومة الإسرائيليّة وإلى كل الأطراف المعنيّة للعودة إلى الحوار وطاولة المفاوضات بهدف الوصول إلى مخارج وتسويات وتفاهمات لكل المواضيع الخلافيّة.
وأكدّ ميدفيديف للرئيس سليمان استعداد موسكو للتعاون مع لبنان العضو في مجلس الأمن الدولي في كل الملفات المتصلة بالوضع في الشرق الأوسط بما يتفق والمصلحة اللبنانية، ومصالح والدول العربيّة المعنيّة.
وتطرّق سليمان إلى المؤتمر الدولي للسلام الذي دعت موسكو الى استضافته، وسمع من الرئيس الروسي شرحا مسهبا حول الظروف والمستجدات، وكانت الخلاصة في حدود الآتي: هناك تنافس محموم على استضافة هذا المؤتمر ما بين موسكو وباريس والأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركيّة. وإن الأخيرة لم تعط إشارات واضحة تبدي حماسا واستعدادا كي تستضيف روسيا المؤتمر، وإن إسرائيل غير مبالية، ولا تريده، وبدلا من ان تعطي إشارات واعدة بالتجاوب في المشاركة في أعماله وتوفير ظروف نجاحه، تهرب الى الأمام من خلال التهديد والوعيد الذي تجيده بشكل نافر، فضلا عن ذلك فإن المناخات الإقليميّة والدوليّة السائدة غير مشجّعة على انعقاده.
ويقابل ذلك تحرك مستجد للرباعية الدوليّة التي تضم روسيا، والولايات المتحدة، والأمم المتحدة، والاتحاد الاوروبي منتصف هذا الشهر حيث ستعقد اجتماعا يمكن أن تحدد فيه أولوياتها تجاه ما يجري على الساحة الفلسطينيّة ـ العربيّة ـ الإسرائيليّة.
زيارة مقر «الدوما» ومعهد «مغيمو»
وكان رئيس الجمهورية استهل يومه الأخير في موسكو بزيارة الى مقر مجلس الدوما والتقى رئيسه بوريس غريزلوف الذي شدد على أهمية الزيارة التي يقوم بها سليمان الى موسكو خصوصا انها الاولى لرئيس لبناني منذ إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، علما ان الاتحاد السوفياتي كان من اولى الدول التي اعترفت باستقلال لبنان عام 1943. ورد سليمان بكلمة مجاملة وشكر.
ثم انتقل سليمان والوفد المرافق الى مقر معهد «مغيمو» الدولي الروسي للدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية والسياسية التابع للخارجية الروسية، في إحدى ضواحي موسكو وكان في استقباله عند المدخل رئيس الجامعة اناتولي توركونوف الذي عرض لتاريخ المعهد وضيوفه ومن بينهم جورج بوش الأب وبيل كلينتون والمستشارة الالمانية أنجيلا ميركيل والامين العام للأمم المتحدة السابق كوفي أنان، كما استعرض وإياه صور كبار قادة العالم أثناء منحهم الدكتوراه الفخرية من المعهد وأبرزهم ملك الاردن، ولي العهد السعودي، سلطان بروناي، الرئيس المصري، الرئيس القبرصي والرئيس رفيق الحريري.
وأقيم احتفال في المعهد تخللته كلمة لتوركونوف أعلن فيها أن «المجلس الأكاديمي لجامعة موسكو الوطنية ومعهد «مغيمو» للعلاقات الدولية التابع لها قرر منح الدكتوراه الفخرية لفخامة الرئيس العماد ميشال سليمان، لمساهمته الفاعلة في تدعيم أسس السلام وتوطيد أوجه التعاون الدولي وعلاقات الصداقة بين الامم»، فيما منح سليمان رئيس الجامعة درع الرئاسة.
وتسلم الرئيس سليمان من رئيس الجامعة الدكتوراه وألبسه الثوب والقبعة الخاصة بالمناسبة، ثم توجه رئيس الجمهورية الى منبر وضع للغاية الى جانب المنصة الرسمية حيث ألقى محاضرة تناول فيها دور لبنان التاريخي والحضاري وعلاقاته الدولية.
وأكد سليمان ان لبنان أثبت مقدرته بنجاح على رفع تحدي العيش على قاعدة الوفاق والحوار الذي يواجهه العديد من المجتمعات القائمة على التعددية، مشيرا الى ان مفاهيم التعدد والتنوع والتفاعل والانصهار هي من الثوابت التاريخية للشعوب ويجب تحصينها لانها وحدها الكفيلة بالحفاظ على القيم الحقيقية للسلام والعدل والمساواة بين مختلف المجموعات والحضارات.
وشدد سليمان على ضرورة وضع ضوابط أخلاقية للنظام الرأسمالي العالمي بحيث يصبح أقل تفلتا وأكثر رحمة، وجاءت الأزمة المالية العالمية لتؤكد ضرورة التعاضد والتعمق في مفهوم إدارتنا العامة للمشاكل العالمية بما يكفل تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي المناسب لشعوبنا.
وأشاد سليمان بالعلاقات التي تجمع لبنان بروسيا منذ القدم، كونها وريثة الاتحاد السوفياتي من الناحية السياسية، داعيا الى إرساء علاقات مستقرة ومستدامة بين الجانبين نظرا الى الدور الذي يمكن ان تلعبه روسيا في التوصل إلى حل سلمي لأزمة الشرق الأوسط.
وشدد سليمان على أن لبنان يسعى اليوم لفرض تنفيذ القرار 1701 بجميع مندرجاته، واسترجاع ما تبقى له من أراض محتلة في الجزء الشمالي من قرية الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا، بكافة الطرق المتاحة والمشروعة، وذلك بالتزامن مع سعيه للتوافق على استراتيجية وطنية دفاعية شاملة.
وكان الرئيس سليمان قد زار، والوفد المرافق، بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الروسية البطريرك كيريل. كما جال سليمان، سيراً على الأقدام، في الساحة الحمراء وفي محيط قصر الكرملين التاريخي، مطلعاً على المعالم التاريخية. ثم انتقل إلى فندق «الريتز» حيث أقام سفير لبنان في موسكو عاصم جابر، حفل استقبال للرئيس الذي ألقى كلمة أمام حشد من الجالية اللبنانية. واختتم سليمان لقاءاته باستقباله السفراء العرب المعتمدين في موسكو.
في الخلاصة، عاد رئيس الجمهورية من موسكو وبين يديه وديعتان من الرئيس الروسي: باب عريض مفتوح أمام مطالب لبنان في شتى المجالات، ولجنة عليا مشتركة لبنانية ـ روسيّة لوضع المطالب موضع التنفيذ وفق آلية محددة ورزنامة زمنية محددة أيضا.

Script executed in 0.19460415840149