أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الانتخابات البلديّة تنتظر مَن ينعاها

الخميس 04 آذار , 2010 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,109 زائر

الانتخابات البلديّة تنتظر مَن ينعاها

يصرّ رئيس الجمهورية ميشال سليمان على إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية ضمن مهلها القانونية، وتفادي سابقة تأجيل استحقاق تداول السلطة الشعبية. بيد أن إصراره ليس كافياً لإجرائها بالضرورة، ولا إدخال إصلاحات إلى قانون البلديات، ولا إبقاء القانون الحالي النافذ، كافٍ هو الآخر كي تحصل في المدة الجديدة التي سبق أن اقترحها مجلس الوزراء، وهي تأجيل الانتخابات شهراً واحداً لأسباب تقنية بحتة، من أيار إلى حزيران. ولا يعدو التأجيل شهراً كونه اقتراحاً ليس إلا في انتظار موافقة مجلس النواب عليه.
يقترن إجراء الانتخابات، وكذلك عدم إجرائها، بما يتخطى أحكام القانون الذي يرعاها إلى الموقف السياسي. لا يوازي التوافق على حصولها إلا التوافق على تأجيلها. ليست إذاً انتخابات بلدية بمَن حضر. ولأنها لا تحمل شعارات سياسية حادة، ولا تعبّر عن خيارات متضاربة، ولا تستهدف الاستقرار، وأخصّه الأمني، ولا تنبثق منها غالبية سياسية تفرض أمراً واقعاً في السلطة والحكم، يصبح التوافق عليها شرطاً لبتّ مصيرها.
يكاد الأفرقاء الرئيسيون في حكومة الوحدة الوطنية يكونون متفقين على تأجيلها، من غير أن يملك أي منهم آلية قانونية تجيز هذا التأجيل، بل يبدون متفقين في المقابل على أن لا ذريعة مقنعة لذلك. لا نظرية الظروف الاستثنائية تصلح لتبرير التأجيل، ولا تهديد خارجياً مباشراً يعرّض الاستقرار الداخلي لخطر وشيك يحول دون إجرائها. وما خلا هذين الاعتبارين، في وسع المجلس الدستوري إبطال أي قانون يدعو إلى تأجيل الانتخابات البلدية والاختيارية. بيد أن الأمر لا يقتصر على هذا الجانب فحسب:
ـــــ يتجنّب رئيس المجلس نبيه برّي، وإن جارى حزب الله في مطلب التأجيل، تحميل مجلس النواب مسؤولية هذا التأجيل بمبادرة يتخذها البرلمان. وهو يفضّل إلقاء وزر التأجيل على مجلس الوزراء بوضع مشروع قانون به يذهب إلى مجلس النواب، عندئذ تقرّر الغالبية النيابية الجديدة، عندما تتكوّن مجدّداً في معزل عن نتائج انتخابات 2009، إمرار تأجيل تطلبه الحكومة أو لا.

القراران 1/97 و2/97 يقدّمان مخرجاً سياسياً ملائماً إذا أُبطِل قانون تأجيل الانتخابات البلدية والاختيارية

والواقع أن برّي وحزب الله يعكسان رغبة في تأجيل الانتخابات البلدية بضعة أشهر، يلاقيهما فيه الرئيس ميشال عون والنائب سليمان فرنجية. بذلك يتفق أقطاب المعارضة على هذا الخيار ولا يفصحون عنه. بل يبدو عون أكثر استعداداً للمضي في رفض إجرائها من غير أن يكون وحده في واجهة الرفض، مع أنه كان سبّاقاً إلى إقران إجراء الانتخابات بالإصلاحات. ويكمن القاسم المشترك الذي يجتمع عليه أقطاب المعارضة في أنهم يعتقدون أنّ الناخبين خرجوا من الانتخابات النيابية في حزيران الماضي منهكين سياسياً واجتماعياً، ويشكون انقسامات في الخيارات في بعض المناطق تحملها الانتخابات البلدية إلى داخل العائلات.
وإذ لا يواجه رئيس المجلس وحزب الله مشكلة كهذه في البقاع والجنوب، فإن انطباعات متضاربة تمليها مشاركة عون في الانتخابات البلدية: بالقول تارة إنها المرة الأولى التي يخوض فيها هذه الانتخابات، وإن أي حصة يحوزها تمثّل مكسباً حقيقياً وجديداً له لكونه لا يملك منذ أول انتخابات بلدية عام 1998 أي مجلس بلدية، ولا نفوذ جدّياً له في بلديات أقضية جبل لبنان الشمالي. وبالقول طوراً إن عدم استعداده الكامل لها على الأرض، في معركة انتخابية لا تستنفرها الشعارات الجذّابة، في مواجهة الرئيس أمين الجميل والنائب ميشال المرّ من شأنها مضاعفة تراجع زعامته المسيحية في ضوء نتائج الانتخابات النيابية التي أعطته معظم المقاعد، وأفقدته شعبية مثالية غير مسبوقة حازها عام 2005.
الأصح أيضاً أن الجنرال عوّض جزءاً من الشعبية التي كان قد فقدها في انتخابات 7 حزيران 2009 بتعزيز موقعه التفاوضي في الاشتباك السياسي الداخلي، سواء بإرغامه رئيس الحكومة سعد الحريري على الاعتراف بزعامته المسيحية عندما خاض معه مشاورات تأليف الحكومة، أو عندما سلّم له بحصته البارزة في حكومة الوحدة الوطنية.
ـــــ ليس للحريري موقف نهائي من الانتخابات البلدية إلا في نطاق ما يصار إلى التوافق عليه حيال مصيرها. يؤيد إجراءها في ظلّ تفاهم أفرقاء حكومته على هذا الخيار، ولا يقف عقبة في طريق التأجيل إذا كان هذا الخيار ثمرة تفاهم مماثل. وتبعاً لمصادر وزارية، فإن الجلسات الست السابقة لمجلس الوزراء لدى مناقشة قانون البلديات وإدخال إصلاحات أدرجها فيه وزير الداخلية زياد بارود، لم توحِ صراحة بالتأجيل، لكنها عبّرت عن إرباك في صفوفه. بعض الوزراء يريدون إصلاحات لم يلحظها ما اتفق عليه في هذه الجلسات، والبعض الآخر يحبّذون انتخابات وفق القانون النافذ. إلا أن الجلسة السابعة والنهائية اليوم، وفق ما يريده رئيس الجمهورية، لن تعكس بالضرورة الموقف الجدّي من مصير الانتخابات البلدية. وزراء في الحكومة يدفعون في اتجاه تأجيل بمبادرة برلمانية، وآخرون في اتجاه غامض. يريدون تأجيل هذا الاستحقاق دونما التوقف عند طريقة إخراجه وشروطه.
بذلك يصبح السيناريو الأكثر ملاءمة اتفاق أقطاب الحكومة على تأجيل تبدأ ملامحه داخل الحكومة، وينتهي في مجلس النواب ما داموا هم أصحاب الحلّ والربط.
ـــــ رغم تهديد كتل نيابية باستعدادها للطعن في قانون يدعو إلى تأجيل الانتخابات البلدية والاختيارية عبر تمديد مجالسها الحالية، المنتخبة عام 2004، يقرّه مجلس النواب، وهي بذلك تستعيد سابقة إبطال قانوني عام 1997 اللذين قضيا بمثل هذا التمديد المزدوج، فإن المجلس الدستوري يصبح عندئذ صاحب المخرج الملائم للجميع بتأجيل الانتخابات بضعة أشهر في معرض إبطاله قانون تمديد مخالف للأحكام الدستورية، لكن من غير أن يكون معنياً بالدعوة إلى استعجال إجرائها، ولا حمل الحكومة على هذا الاستعجال.

لا مجلس النواب يريد حمل وزر التأجيل، ولا الحكومة كذلك

في 13 آب 1997 تقدّم 14 نائباً بمراجعتَي إبطال القانونين الرقم 654 و655 اللذين قضيا بتمديد ولاية المجالس البلدية والاختيارية حتى 30 نيسان 1999. نُشر القانونان في الجريدة الرسمية في 31 تموز 1997، ورفع النواب الطاعنون المراجعتين بعد أقل من أسبوعين، ثم أصدر المجلس الدستوري قراريه في مراجعتَي الإبطال بعد شهر، في 12 أيلول، وقضيا بإبطال القانونين. إلا أن الانتخابات البلدية والاختيارية لم تُجرَ فعلاً إلا بعد ثمانية أشهر على صدور قراري المجلس الدستوري. ظلّ القراران نافذين، ولم تستعجل حكومة الرئيس الراحل رفيق الحريري إجراء الانتخابات على نحو ما قضى به القراران عندما أبطل القانونان 654 و655. مررت الوقت إلى أيار 1998 عندما أجرت للمرة الأولى منذ عام 1963 أول انتخابات بلدية واختيارية. أهملت حكومة الحريري الأب القرارين اللذين كانا يفضيان حكماً، في ظلّ لادستورية التمديد ومن خلاله التأجيل، إلى إجراء الانتخابات المعطلة.
هكذا تصبح سابقة القرارين 1/97 و2/97 صالحة كمخرج سياسي لأزمة دستورية عندما تُعرض على المجلس الدستوري مراجعة إبطال قانون تأجيل الانتخابات البلدية والاختيارية المقبلة، من خلال تمديد ولاية مجالسها الحالية بضعة أشهر. ذلك أن إبطال القانون سيؤول حتماً إلى فرض أمر واقع هو التزام قرار المجلس الدستوري واحترامه، وفي الوقت نفسه تأجيل الانتخابات بذريعة إعداد الظروف الملائمة للتوافق على إجرائها.
ـــــ في قراريه الرقم 1/97 و2/97 استند المجلس الدستوري إلى بضعة مبادئ أوردتها بنود في مقدمة الدستور عدّها جزءاً لا يتجزأ منه، في معرض إبطاله التمديد غير المبرّر، فضلاً عن إخلال هذا التمديد بمواد دستورية أخرى لم يُراعِ احترامها. بيد أنه لم يرَ أسباباً استثنائية و«لا توجد على كل حال ظروف استثنائية تبرّر التمديد بدليل قيام الدولة بإجراء انتخابات نيابية عام 1992 وعام 1996 وانتخابات فرعية عام 1994 وعام 1997»، ووجد في التأجيل تعطيلاً «لمبدأ دستوري هو دورية الانتخاب وحرمان الناخب ممارسة حقّ الاقتراع، والحؤول دون حق الجماعات المحلية في إدارة شؤونها الذاتية بحرية، تطبيقاً للمفهوم الديموقراطي الذي نصّت عليه مقدمة الدستور».
وهي الحجج نفسها التي ستكون أمام المجلس الدستوري كقياس مستمر، عندما ينظر في مراجعة طعن في قانون يرمي إلى تأجيل الانتخابات البلدية عبر تمديد مجالسها الحالية.
وسواء عُدّ الطعن الذي تلوّح به كتل نيابية من باب المناورة أو محاولة انتزاع مكسب سياسي سيتوافر لها بسهولة من خلال المجلس الدستوري، واقع الأمر أن قراراً بتأجيل الانتخابات البلدية والاختيارية لن يصدر من دون إرادة الحريري وموافقته، وهو يتشبّث في الوقت نفسه بتماسك حكومته وتجنيبها خضات موجعة وانقساماً حاداً. لكن قراراً كهذا سيصدر حكماً رغم إرادة اثنين آخرين معنيين بهذا الاستحقاق:
الأول هو رئيس الجمهورية الذي بات يعزف منفرداً على وتر احترام المهل القانونية والإصرار على إجراء الانتخابات في موعدها، ويتأكد عندئذ مغزى وضع السلطة الإجرائية، بالممارسة، بين يدي توازن القوى المتعارضة في حكومة الوحدة الوطنية، لا بين يدي الرئيس التوافقي.
والآخر هو وزير الداخلية الذي سيخسر ـــــ وهو يتصرّف على أنه جاهز تماماً لإجراء هذه الانتخابات ـــــ رهان الفصل بين ما هو سياسي في هذا الاستحقاق وما هو انتخابي.

Script executed in 0.17712306976318