أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ما بعد 16 آذار: جنبلاط يداوي قاعدته

الثلاثاء 09 آذار , 2010 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,585 زائر

ما بعد 16 آذار: جنبلاط يداوي قاعدته

ثائر غندور - الاخبار


بعد إعلان النائب وليد جنبلاط تحوّله السياسي، في 2 آب من العام الماضي، نشأت حالة اعتراضيّة داخل الحزب التقدمي الاشتراكي وقاعدته الشعبيّة، كان لولبها مجموعات شبابيّة، استخدمت شبكة الإنترنت وسيلة للتعبير عن نفسها. حاول هؤلاء الشبّان إعادة تفعيل الشحن السياسي، لكن جرى ضبطهم على الشبكة العنكبوتيّة.
أمّا القواعد الشعبيّة في القرى، فتلقّت صدمةً قاسيةً. بالنسبة إلى هؤلاء هذه هي المرّة الأولى التي يُهزم فيها وليد جنبلاط. لطالما كرّر جمهور جنبلاط في اللحظات السياسيّة الحرجة عبارة «البيك أعلم»، لكن هذه المرّة «لم يكن أعلم»، تقول سارة، (اسم مستعار بطلب منها)، وهي ممن لا يزالون يُصرّون على موقفهم حتى اليوم. رأى الجمهور الجنبلاطي، زعيمه مضطراً إلى المهادنة... والاعتذار. عاش هؤلاء حلم تغيير النظام في سوريا، وحلم تحوّل البلد بأكمله إلى سيطرتهم. ثم أصّروا على أنهم انتصروا في المعارك العسكريّة في السابع من أيّار (روايات المقاتلين أشبه بروايات الخيال غير العلمي، إذ يتحدثون عن مقتل المئات من مقاتلي حزب الله)، وأصرّوا على أنهم حقّقوا انتصاراً سياسياً في الانتخابات النيابيّة. لكن، فجأةً كلّ شيء انهار فوق رؤوسهم. الصدمة صعبة، بلا شكّ. انتصارات متتالية من زمن، من دون دفع ثمن غالٍ، إذ كان الاعتماد على مقاتلي المنظمّات الفلسطينيّة وأحزاب الحركة الوطنيّة.
هذا على مستوى القاعدة، أمّا على مستوى الكادر الحزبي، فقد «أخطأ الإعلام عندما قال بعد الثاني من آب إن كوادر الحزب التقدمي الاشتراكي صُدموا»، هكذا يقول أحد المسؤولين في التقدمي الاشتراكي. يروي الشاب أن هؤلاء الكوادر كانوا على عِلم بخطوة «الريس وليد جنبلاط».
إذ قبل الانتخابات النيابيّة بأشهر، جمع رئيس التقدمي الاشتراكي، نواب الحزب ووزراءه والمسؤولين الوسطيين فيه ومجلس القيادة، في لقاءات عدّة في المختارة، ليُناقشهم في خطوته السياسيّة. حصل نقاش طويل وتكرّر ذلك لمرات عدّة. لم يكن هناك اعتراضات جديّة على ضرورة إعادة التموضع السياسي، لكنّ الاعتراض الأساسي كان على الشكل وعلى طريقة الإخراج.
أقّر الجميع في تلك الاجتماعات بأن الخيار السياسي لجنبلاط سيؤثّر سلبياً في القاعدة الشعبيّة، لذلك، تقرّر القيام بسلسلة من الندوات واللقاءات لشرح وجهة النظر السياسيّة الجديدة. حاول البعض مناقشة وليد جنبلاط في الطريقة، طالبين منه ألا تكون صادمةً للجمهور، فأتاهم جوابه واضحاً: هذه هي طريقتي. فيما يؤكد بعض الذين حضروا تلك الاجتماعات أنّ جنبلاط كان حريصاً على سماع رأي القاعدة.
قال وليد جنبلاط ما عنده في 2 آب. بدأت ورشة تظهير الموقف السياسي للجمهور. وترافق الأمر مع الورشة التنظيميّة، «التي كانت مقرّرة سلفاً لكنها أفادتنا في شرح وجهة النظر السياسيّة الجديدة». عانى الكادر الوسطي كثيراً. كان من الصعب «دعوة الناس إلى تجاوز عواطفهم»، يقول أحد هؤلاء المسؤولين، ويُضيف: «عواطفنا جميعاً كانت في موقع مختلف عن المنطق السياسي».

حالة الاعتراض التي ينفي مسؤولو الاشتراكي وجودها تتركّز في منطقة الشويفات والساحل

قال هؤلاء لجمهورهم إن الظروف السياسيّة تتغيّر. سوريا فكّت عُزلتها الدوليّة عبر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. الملك السعودي يُطبّع العلاقة مع سوريا. المعطيات الدوليّة تغيّرت. 14 آذار حقّقت أهدافها الأساسيّة: خروج الجيش السوري، والمحكمة الدوليّة. الوضع الأمني والسياسي تدهور في السابع من أيّار وكاد يؤدّي إلى حرب أهليّة، وهي ليست في مصلحة الدروز، فكان على وليد جنبلاط أن يُبادر ليُعيد تثبيت السلم الأهلي. ثم لعب هؤلاء على وترٍ مؤثّر عند الدروز: قبل 14 آذار كان في اللقاء الديموقراطي 17 نائباً، وبعد 14 آذار أصبحوا 11 نائباً. وحلفاء وليد جنبلاط لم يكونوا متفهّمين له، بل سعوا إلى «تناتشه». هنا، تحضر مجدداً في البال العلاقة السيئة مع القوات اللبنانيّة، والتاريخ الدموي بين الطرفين.
إذاً، اشتركت هيئات الحزب ومنظمة الشباب التقدمي في ورشة ندوات ومحاضرات في سبيل تغيير المزاج العام في الشارع الدرزي. وسيقوم النائب وليد جنبلاط بعد 16 آذار بجولة في المناطق في سبيل تثبيت هذا الجو الجديد، وتجاوز حالات الاعتراض التي لا تزال موجودة على الأرض.
وأدّى رجال الدين دوراً بارزاً في هذا الإطار، وأبرزهم كان رئيس مؤسسة العرفان الشيخ علي زين الدين، الذي يجول على البلدات، وبين رجال الدين قائلاً لهم إن سوريا هي العمق العروبي للدروز، ومن واجب هؤلاء إعادة العلاقة معها. والتبرير الذي يُقال في الأوساط الدرزيّة هو أن الأقليّة الدرزيّة في لبنان عليها ألا تعزل نفسها عن دروز سوريا، وأن تُعيد شبك علاقة اجتماعيّة متينة معهم.
اليوم، يُمكن القول إن حالة الاعتراض التي ينفي مسؤولو الاشتراكي وجودها تتركّز في منطقة الشويفات والساحل، حيث التماس المباشر مع الضاحية الجنوبية وتجمّعات سكنيّة شيعية. ولتذليل هذه المشكلة، يستمر التواصل بين جنبلاط واستخبارات الجيش وحزب الله، لبلورة عدد من النشاطات الاجتماعيّة والشعبيّة المشتركة.
أمّا في المناطق الأخرى، فإن البعد الجغرافي، أو عدم وجود تماس مع الشيعة، أدّى إلى أن تكون الحدّة في الموقف أقلّ، لكن نقاط الاعتراض هناك يُمكن تلخيصها بالآتي:
ــ الاعتراض على أسلوب وليد جنبلاط وطريقته في تسوية الخلاف مع سوريا وحزب الله. ويأخذون عليه كثيراً زيارته إلى دارة الوزير السابق وئام وهّاب.
ــ الاستياء من الموقف السوري، وطريقة إدارته ملف العلاقة مع جنبلاط، ويُكرّر كثيرون عبارة «كرامتنا من كرامة البيك». لذلك، يرفض هؤلاء أي تعرّض لكرامة جنبلاط، ويُردّدون أنهم مستعدون للقتال، «ومن باع سلاحه في التسعينات، عاد وباع مصاغ زوجته ليشتري بارودة».
ــ الشعور مجدداً بالخطر كأقليّة، وهذا الشعور يُعمّق البُعد الانعزالي، والرغبة في الابتعاد عن الآخرين، لكنّ الصورة التي تجمع جنبلاط ونجله تيمور إلى الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله أدّت دوراً إيجابياً في التخفيف من حدّة هذه النقطة.
لكن هذه الاعتراضات، تفتقد البعد الجدّي، أو القدرة على الاستمرار، وخصوصاً أن حجم الاعتراض عند رجال الدين انخفض إلى حدود دنيا، بسبب مواقف رجال الدين الأساسيين، وأبرزهم الشيخ محمد جواد ولي الدين. ويُشير مسؤولو الاشتراكي إلى أن تظاهرة 14 شباط برهنت أن جمهور جنبلاط معه بالكامل، «وأنه مستعد لتجاوز عواطفه، إذ المشاركة الدرزيّة كانت لا تُذكر».
أمّا مسؤولو الاشتراكي، فإنهم يتحدّثون عن ظلم الإعلام معهم، «وهو الذي نسي أن سعد الحريري زار سوريا، وحوّله إلى بطل بسبب الزيارة، أمّا نحن، فاعتبرنا هُزمنا، بينما ما قام به جنبلاط خفّف من احتمال نشوب حرب أهليّة».



الهجوم على القوّات

 

يتحدّث عارفون بالوضع الدرزي وبعلاقة وليد جنبلاط مع جمهوره، أن هذا الجمهور تعوّد وجود عدو أو خصم، «والمشكلة الأساسيّة اليوم هي أن لا عدو واضحاً». لذلك، يتوقف هؤلاء عند إشارات إلى عودة القوّات اللبنانيّة إلى هذا الدور، وخصوصاً «أن جسمها لبيس». ويلفت هؤلاء إلى أن كلاماً ينتشر في أوساط أبناء الجبل عما قامت به القوّات إبّان الحرب.
ويضع هؤلاء الصدام مع الرئيس سعد الحريري، تحديداً في ما يتعلّق بتوسيع مرفأ الصيّادين في منطقة جلّ البحر في بيروت، ضمن ما يُسهم إسهاماً كبيراً في شد العصب الجنبلاطي. إذ إن أثر هذا الصدام كان عبارة واضحة: حتى حلفاؤنا لا يريدون لنا أن نتقدّم اجتماعياً. يُضاف إلى هذه النقطة إعلان جنبلاط رفضه الخيار الاقتصادي المعتمَد، وعدم قدرته على التأثير فيه، ما يجعل جمهوره يلتفّ حوله، «لأن قوّتنا من قوّة البيك».

Script executed in 0.18512797355652