أحاط الغموض ولا يزال بما سيقوله الزعيم الدرزي السبت عبر الفضائية العربية، واكتنف الغموض أيضاً إطار إخراج «الكلام الذي أختم به جرحاً كبيراً، وسيكون آخر الكلام»، الذي أفصح عنه لـ«الأخبار» في 23 شباط. قبل هذا الكلام تحدّث بإسهاب، في حوار طويل، بناءً على طلبه مع الزميلة «السفير» في 9 شباط، عن سوريا. لم يكن كافياً، وبدا أن ثمّة كثيراً ينقصه بعد في الشكل. لاحظت دمشق أن مواقف جنبلاط تلك، على أهميتها، لم تصل إلى كل مكان بالطريقة والمضمون اللذين يرضيها. وعندما التقى الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله بالزعيم الدرزي في 14 شباط، أبلغه بالحاجة إلى مواقف أكثر تقدّماً بإزاء دمشق. بات المطلوب، إذاً، أن تصل آخر المواقف المنتظرة من جنبلاط، قبل استقباله في سوريا، من أوسع وسيلة انتشار تسمع بها أوسع فئة من المجتمعات اللبنانية والسورية والعربية. بدا المطلوب كذلك أن يكون توقيت الإدلاء بهذه المواقف في مناسبة تعني جنبلاط وزعامة بيته على نحو وثيق. في 16 آذار اغتيل والده. وهكذا بالشيء يُذكر الشيء.
إحدى المرات الأولى التي قرّر فيها دخول المواجهة المكشوفة مع سوريا، قبل ستة أيام من اغتيال النائب جبران تويني ـــــ وهو تاريخ بدء المعركة الضارية بين الطرفين ـــــ قال الزعيم الدرزي في 6 كانون الأول 2005، في ذكرى ميلاد والده، وهو يضع زهرة على ضريحه: «بعد 28 عاماً وللمرة الأولى اليوم أضع هذه الزهرة وضميري مرتاح». قبل سنة، في 6 كانون الأول 2004، في الذكرى نفسها، رفع العلم الفرنسي في المختارة لأول مرة منذ الانتداب الفرنسي الذي جارته جدّته الست نظيرة وتحالفت وإياه، وتذمّر منه والده ولم يكن حينذاك يمسك تماماً بقرار زعامة البيت والطائفة. كانت تلك أول إشارة إلى افتراق يوشك أن يكون حاداً وجدّياً بينه وبين سوريا. كان قد انقطع عن زيارة الرئيس السوري منذ آخر لقاء بينهما في 11 شباط 2004. وغداة ذكرى ميلاد والده أيضاً في 8 كانون الأول 2008، في الجمعية العمومية للحزب التقدّمي الاشتراكي، بعد سبعة أشهر على اتفاق الدوحة، لم يقل سوى الكلام نفسه في العداء نفسه: «الابن سرّ أبيه».
بين 6 كانون الأول و16 آذار تركزت الأعوام الأخيرة في علاقة جنبلاط بسوريا والرئيس بشّار الأسد. التاريخ الأول يتذكره مخضرمو الحزب وعارفو مؤسسه والمتعلقون بصورته، والتاريخ الثاني صنع زعامة جنبلاط الابن بعد اغتيال والده. وهكذا، عندما قرّر الذهاب إلى دمشق للمرة الأولى، بعد أربعين الأب، في 19 أيار 1977، كان قد قرّر طيّ صفحة الخلاف مع النظام السوري، والتقى يومذاك الرئيس الراحل حافظ الأسد. على امتداد 28 عاماً أرسى تحالفاً غير مسبوق بينه وبين الأسد الأب، لم يسبقه إليه والده الراحل، تداخل فيه السياسي بالعسكري، وكاد يتداخل فيه مصيرا الرجلين في حدثين كبيرين فصلت بينهما سنتان فقط: الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وقد هزمهما معاً، وحرب الجبل عام 1983 وقد انتصرا فيها معاً.
بيد أن ذكرى جنبلاط الأب لم تدخل في نزاع جنبلاط الابن مع الأسد الابن لأسباب، أبرزها:
1 ـــــ أن الزعيم الدرزي مذ تيقّن أن الخلاف السياسي بين والده وسوريا لم يكتفِ بمحاولتها عزله سياسياً، بل استكمل بتصفيته جسدياً، قال في السرّ أولاً ثم في العلن، وأعاد قول ذلك مراراً في سنوات الغليان بين الطرفين: «سامحت ولكنني لن أنسى». لم يعنِ ذلك إلا تأكيده أنه يعرف قتلة والده، ويعرف صاحب خطة الاغتيال بالاسم، ولكن حجم التهديدات والأخطار المهدّدة للبنان وسوريا جعلته يطوي هذه الصفحة. وحينما ذهب إلى الأسد الأب لأول مرة راح يتحدّث معه عن مستقبل العلاقة بينهما.
أفضى الاجتماع الأخير بالأسد الأب في 27 آذار 1976 إلى الخلاصة الآتية: رفض الرئيس السوري طلب كمال جنبلاط، ورفض كمال جنبلاط طلباً مقابلاً للرئيس السوري. كان طلب جنبلاط الأب بعدما أخرج من جيبه لائحة تزويده سلاحاً وذخائر وإتاحة الفرصة أمامه أسبوعين لا يتدخّل فيهما الجيش السوري كي يحسم حرب السنتين عسكرياً بالانتصار على «الجبهة اللبنانية» وإرغامها على تسوية تؤدي إلى إصلاح جذري في النظام. لم يوافق الرئيس الذي أخرج بدوره، في سياق الحديث، من جاروره ورقة أعطاها لمحدّثه كي يقرأها وتحتوي على إعلان أقطاب «الجبهة اللبنانية» الاستعداد لاتحاد كونفدرالي بين لبنان وسوريا. وحينما سأله الأسد الأب هل يتحمّس لموقف مشابه، ردّ كمال جنبلاط: لا أريد إدخال لبنان في السجن السوري الكبير.
عام 2005 أعاد جنبلاط الابن العبارة نفسها برفضه السجن السوري الكبير، وراح يستعيد عبارات أخرى أيضاً كقوله إن لبنان الديموقراطي لن يعرف السلام وبجانبه نظام ديكتاتوري. وكأبيه خاض مغامرة خطرة ضد النظام. وكأبيه الذي صدّق مراراً مراسلات وتقارير خطية كان يوجهها إليه مسؤولون فلسطينيون وأخصّهم أبو جهاد، تلمح إلى قرب انهيار النظام السوري، صدّق جنبلاط الابن ما سمعه من الرئيس الأميركي جورج بوش في إحدى زياراته واشنطن، إبان اجتماعه بالوزيرة كوندوليزا رايس: نظام الأسد على وشك الانهيار.
2 ـــــ وُضِع ملف اغتيال كمال جنبلاط في الأدراج وعلاه الغبار. لم يُطلب ماضياً فتح تحقيق دولي فيه ولا إنشاء محكمة دولية، ولا كذلك في السنوات الأخيرة. ولم يُثر الزعيم الدرزي الموضوع قضائياً. تالياً لم يكن اغتيال جنبلاط الأب في صلب النزاع الضاري بين جنبلاط الابن والأسد الابن.
3 ـــــ ليس اغتيال كمال جنبلاط ما تطالب دمشق بالتسوية عليه، بل اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن خلاله المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، مع تأكيدها مراراً أنها غير معنية بهذا الاغتيال ولا بالمحكمة الدولية، وليست طرفاً في السجال المحلي والدولي الذي أحاط في الأعوام الأخيرة باغتيال الرئيس السابق للحكومة، ومهّد للتحقيق الدولي ثم للمحكمة الدولية التي تجد فيها سوريا أسباباً إضافية للتسييس. وفي كل حال تتجاهل دمشق كل الاتهامات التي سيقت إليها حيال اغتيال الحريري وسلسلة الاغتيالات التي تلته، ولا ترى فيها إلا تنسيقاً في عداء مزدوج لها من أفرقاء لبنانيين وإقليميين ودوليين بهدف التعرّض لاستقرارها. ولعلّ الكلام الأخير لرئيس الحكومة سعد الحريري عن علاقة وطيدة كانت قد جمعت والده الراحل بالرئيس السوري مبرّراً جديداً للحجج السورية.
من اللاعودة إلى العودة
ولأن ذكرى كمال جنبلاط مستمرة، فهي لا تبدو جزءاً من النزاع، ولا المواقف التي تنتظرها دمشق من جنبلاط الابن تشترط مناسبة اغتيال والده كي توحي أنها تتعمّد وضع السكين في الجرح. على مرّ السنوات الماضية احتفل الزعيم الدرزي بميلاد والده في 6 كانون الأول، ووضع وردة بيضاء على ضريحه في 16 آذار. وهو ما سيفعل الثلاثاء المقبل. لا مهرجان سياسياً أو شعبياً، ولا خطباً، بل مسيرة إلى ضريح الراحل في المختارة لوضع أكاليل ورد في ذكرى دائمة.
في 13 آذار سيعلن جنبلاط تشبّثه بخيار المقاومة وسلاح حزب الله
لا أحد في محيطه يعرف ما سيقوله الزعيم الدرزي السبت عبر الفضائية العربية. لكن الثابت في الخيارات الجديدة التي اتخذها، أو في أحسن الأحوال أعاد دوره وموقعه وطائفته إليها، أنها تتركز على معطيات منها:
1 ـــــ أن اقتناعه بالمسار الذي يسلكه في منحى خياري المقاومة والعودة إلى التحالف مع سوريا، بات أكبر من جرح التنازلات المؤلمة التي تتطلبها هذه العودة. وليست تلك التنازلات ما يُثقل عليه، وقد خبِرها لأول مرة عام 1977، بل رغبته في إعادة بناء الثقة بينه ودمشق من جهة، وترسيخ خيار المقاومة كمسار سياسي يتقدّم الأولويات الأخرى بلا منازع من جهة أخرى. بذلك فإن ما سيدلي به السبت هو الإيغال بعيداً في التشبّث بهذا الخيار والتمسّك بسلاح حزب الله أكثر من أي وقت مضى، وتأكيد موقع لبنان في المواجهة مع إسرائيل. في هذا اليوم لن يكون في وسع جنبلاط إلا القول إنه بات على طرف نقيض كامل ونهائي من حلفائه السابقين.
2 ـــــ رغم معرفة الزعيم الدرزي بأنه قاد طائفته بين 2005 و2008 إلى أبعد ممّا تحتمله قدراتها وموقعها في العلاقة مع سوريا خصوصاً، بل إلى أبعد ممّا كانت تريد، فإن عودته بها إلى خياراتها الأصلية، تحتّم في المقابل ـــــ وقد قال للرئيس السوري كل ما ينبغي أن يقوله أخيراً ـــــ استقباله على نحو لا يكتفي باحترام موقعه على رأس طائفته فحسب، بل كذلك احترام مكانة الطائفة. ولا يعني الاستقبال غير اللائق إلا سبباً جديداً لافتعال عداء من طراز آخر مع الطائفة الدرزية. ولأنه في حاجة إلى موقع التحالف مع سوريا، فإن هذه بدورها في حاجة إلى موقع التحالف معه. وإلى إشعار آخر، لا أحد في الطائفة الدرزية يخلف زعامة البيت الجنبلاطي على رأسها، ولا أحد يخلف جنبلاط نفسه على رأس بيته خارج سياق التقليد التاريخي المتبع فيه، ولا أحد يصدّق أن مصالحة جنبلاط مع النظام السوري ستفضي إلى انقسام طائفته أو تذمّر حزبه.
كلاهما، جنبلاط وسوريا، أهان الآخر، وكلاهما يحتاج إلى صفحة جديدة مع الآخر أيضاً من أجل استعادة التحالف نفسه.