يكاد فوجا الحرس والإطفاء اللذان خرّجتهما بلدية بيروت أخيراً يمثّلان الإنجاز الجدّي الوحيد للبلدية، في الولاية الثانية لرئيس مجلسها عبد المنعم العريس، الذي يغادر قريباً مع انتهاء ولايته، تاركاً المقال مفتوحاً للتساؤل عن إمكانات الخروج من مستنقع الجمود، أم أن العريس الذاهب سيخلفه عريس آخر
غسان سعود - الاخبار
مرّ المجلس البلدي لمدينة بيروت، خلال الأعوام الخمسة الماضية، بمجموعة اهتزازات، وكادت قضية إصدار رئيس المجلس عبد المنعم العريس قرارين بلديين بشأن إنشاء مواقف للسيارات أن تفجّر المجلس من الداخل (جرى الحديث عن أن القرارين غير شرعيين). كما توترت العلاقة مراراً بين المحافظ ورئيس المجلس، ولم يمرّ اجتماع للبلدية بدون نشوب اختلاف في الرأي بين الأعضاء، ما اضطرّ الرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة إلى التدخل أكثر من مرة لتبريد النفور بين أبناء البيت الواحد، وخصوصاً أن معظم أعضاء المجلس البلدي ينتمون إلى تيار المستقبل. نتيجةً لما سبق، إضافةً إلى قلة إنتاجية المجلس البلدي، حصل اتفاق بين المعنيين الأساسيين بملف البلدية على إبدال العريس، بعريس آخر لبيروت في الانتخابات المقبلة.
لكن التدقيق في عمل بلدية بيروت يظهر أن المشكلة أكبر من العريس، يتداخل فيها ما هو ضروري بالنسبة إلى النظام الطائفي: الإصرار على استراتيجيا «العمل من دون استراتيجيا».
الطائفية تعطّل المؤسسات
رغم العلاقة الوطيدة بين الرئيس سعد الحريري ومحافظ بيروت بالوكالة ناصيف قالوش، لم يفتح نقاش جدي بشأن التضارب في الصلاحيات بين المحافظ، الذي يمثّل السلطة التنفيذية في بلدية بيروت، والمجلس البلدي الذي يمثّل السلطة التقريرية. واستمرّت اللعبة على حالها: كلما اتُّهم المجلس البلدي (الذي يمثّل الطائفة السنية وفق الحسابات اللبنانية) بتقصير، يغسل يديه مؤكّداً أن المشكلة عند السلطة التنفيذية ممثلةً بالمحافظ (الذي يمثّل الطوائف المسيحية وفق الحسابات عينها) التي لا تنفّذ القرارات. بدوره يبرّئ المحافظ نفسه من أيّ اتهام بالتقصير، واضعاً المشكلة عند المجلس البلدي الذي لا يقررّ. وهكذا غالباً ما تضيع المسؤولية بين الطرفين، علماً بأن الحل يتمثّل بإعادة تحديد واضح وعملي لصلاحيات المحافظ والمجلس البلدي، إذا توافرت لدى المعنيين جرأة المسّ بالمحنّطات الطائفية التي تعطّل العمل المفترض للمؤسسات.
إلا أنّ التجربة أثبتت أن احترام المحنّطات، في ما يتعلق ببلدية بيروت، واجب بالنسبة إلى تيار المستقبل في مكان، وأمر يجوز تجاوزه في مكان آخر. فقد شجع الرئيس رفيق الحريري على إبقاء المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في عدد أعضاء المجلس البلدي، وأضاف إلى قرار مجلس الوزراء في منتصف تسعينيات القرن الماضي منع البلديات من التوظيف إلا بناءً على موافقة مجلس الخدمة المدنية. شرط ثان في بيروت يتمثّل بالحفاظ على المناصفة في الوظائف على مختلف المستويات. ونتيجةً لهذا الشرط جُمّد التوظيف في بلدية بيروت بناءً على نتائج الناجحين في مباريات مجلس الخدمة المدنية، لأن عدد الناجحين المسلمين كان دائماً يفوق عدد الناجحين المسيحيين. لكنّ التدقيق في لوائح الموظفين اليوم يظهر حصول التفاف كبير على القانون، فكان احترام «التوازن الطائفي» أشبه بشمّاعة تخبّئ تفلّت تيار المستقبل من رقابة مجلس الخدمة المدنية ليعتمد مبدأ «التكليف بالوظيفة» فيكلّف على هواه، من دون حسيب أو رقيب، أنصاره في بلدية بيروت، خلافاً للقانون:
■أساساً يمثّل مبدأ «التكليف»، بحسب مجلس شورى الدولة، مخالفة صريحة للقانون.
■من كُلّف رئاسة مصلحة الهندسة يشغل أساساً موقع رئيس دائرة المراقبة التابعة لمصلحة الهندسة، وهو بالتالي يراقب نفسه.
■من كُلّف رئاسة مصلحة المالية يشغل أساساً موقع رئيس دائرة الخزينة، وهنا أيضاً يراقب الموظف نفسه.
■المديرة العامة لدائرة «المصنّفة» (التي تمنح الرخص للفنادق والمطاعم) مجازة في الهندسة المعمارية، فيما يفرض القانون أن يكون شاغل هذا الموقع مجازاً في الهندسة المدنية أو الكهربائية.
■في دائرتي السير والقضايا وُقّع عقد استشاري مع الرئيس السابق للدائرة، أن الأخير بلغ سن التقاعد ويفترض أن ينقطع عن وظيفته، بحسب القانون، خمس سنوات.
■أصدر المحافظ قراراً بإقالة رئيس دائرة المباني القريب عائلياً من مفتي الجمهورية محمد رشيد قباني، لكن التدخلات أبقته في موقعه رغم توصية المحافظ.
■من أصل 53 وظيفة محقّق في الرسوم والضرائب، هناك اليوم 3 موظفين فقط. وفي دائرة الاستملاك التي تعدّ الملفات لتخطيط أي استملاك وتنفيذه، هناك رئيس دائرة يفترض أن يبلغ سن التقاعد بعد نحو 7 أشهر ومهندس واحد.
■في اجتماعه قبل أسبوعين مع الرئيس سعد الحريري، وافق مجلس بلدية بيروت مرةً أخرى على تسوية «ترقيعية» تتمثّل بتعهد الحريري إصدار مجلس الوزراء قراراً يسمح للبلدية بالتعاقد مع نحو 50 موظفاً، في ظلّ تأكيد أحد أعضاء المجلس البلدي أن التعاقد يمثّل التفافاً على مجلس الخدمة المدنية ويفتح المجال أمام المحسوبيات والعلاقات الشخصية والسياسية على حساب الكفاءة، علماً بأن تقاعد بعض الموظفين واستقالة بعضهم الآخر أوصلا نسبة الشغور في الوظائف في بلدية بيروت إلى نحو 90%، وبالتالي تعمل بلدية بيروت بواسطة 10% فقط من جسمها الإداري المفترض.
وليس في البلدية أجهزة مراقبة جدية. فقد عُيّن مدير تفتيش قبل سنتين، ووعد بخطوات عظيمة، لكنه حتى اليوم لم يكشف أي سرقة. وهناك نماذج كثيرة يمكن ذكرها في هذا السياق، أهمها احتراق الطبقة الأولى للمكننة التي كلّفت أكثر من 200 ألف دولار قبل نحو عام، وتكليف لجنة لتحديد المسؤولية. لكن حتى اليوم، لم تحدّد هذه اللجنة ماذا حصل ومن يتحمل المسؤولية.
تحديد المسؤوليات في كل ظواهر «الزعبرة» هذه، يفترض أن يشمل وزير الداخلية والبلديات زياد بارود، الوصيّ على بلدية بيروت أيضاً. فقد طعن أحد موظفي البلدية أمام مجلس شورى الدولة بقرارين لوزير الداخلية والبلديات السابق حسن السبع. فأصدر المجلس، في تاريخ 4/7/2006، قراراً بوقف مذكرتي السبع رقم 125/إ م/ 2005 و126/ إ م/ 2005، والقرار رقم 605/ب الصادر عن محافظ بيروت بالتكليف في تاريخ 3/ 4/2006. لكن المحافظ اعتذر عن عدم تحقيق توصية شورى الدولة بحجة الحرص على استمرار عمل المرافق العامة في ظل تعذّر تعيين موظفين في المراكز الشاغرة. وبعد وصول بارود إلى الداخلية عاد الموظف نفسه ولجأ إلى مجلس شورى الدولة، الذي كرّر طلبه من وزير الداخلية، فما كان من بارود إلّا أن أحال القرار على المحافظ للاطّلاع وإبداء الرأي، فسارع الأخير إلى وضع القرار في الحفظ. وهكذا تستمر المخالفات، بعلم بارود والمحافظ رغم توصيات شورى الدولة، علماً بأن البلدية شهدت تدخلاً سافراً في شؤونها في عهد السبع وصل إلى حدّ تعيين وزير الداخلية الأقلام (الكتبة) في البلدية.
إنجاز اللاإنجاز
حين يبدأ رئيس المجلس البلدي عبد المنعم العريس تعداد ما أنجزته بلدية بيروت تتغير نبرة صوته، وتخرج كلماته جدية جداً، فيظن السامع أنها حقاً تستحق وصف الإنجاز. فهو غالباً ما يتحدث عن «زرع نحو 18 ألف شجرة في أرصفة المدينة وساحاتها، صيانة نحو مليون كلم مربع من المجاري وقرابة 700 كلم مربع من الأرصفة، إضافةً إلى 1200 شارع ركّب فيها نحو 18 ألف لمبة». وفي معرض جوابه إحدى النشرات البيروتية عمّا حققه المجلس البلدي، يقول العريس إنّ المجلس «أصيب بصدمة نتيجة استشهاد الرئيس رفيق الحريري. وأهم إنجازاته كانت حفاظه على وحدة صفه واتزان أداء أعضائه».
في المقابل، لم يقدم مجلس بلدية بيروت خطة عمل تحدّد بوضوح ما ينوي القيام به. ورغم الفراغ في الجهاز الإداري حافظ على رفاهيته: اجتماع كل أسبوعين، نقاش معظمه عمومي، قرارات لا تلاحق وبيانات تصدر بحكم الضرورة. ويذكر على هذا الصعيد أن ثمة بديهيات في العمل (كالحسم في ما يتعلق بنيّة البلدية إدارة المشاريع بنفسها مباشرةً أو تلزيمها) لم تحدَّد بعد، وقد فشلت المحاولات لعقد خلوات تقريرية.
ولم يستكمل مجلس بلدية بيروت الحالي مكننة الإدارة عموماً، ومصلحة الهندسة خصوصاً، رغم وجود اتفاقات موقّعة في هذا الشأن. يشار إلى أن مكننة دائرة المالية جرت بنجاح وضبطت ضبطاً جيّداً معظم العمليات المالية في البلدية. لكن في مصلحة الهندسة، والكلام لأحد أعضاء المجلس البلدي، لم يتّسع المكان لأجهزة الكومبيوتر وتوابعها لمكننتها، فبدأ تجهيز المبنى الجديد لمصلحة الهندسة قرب حرج بيروت بأحدث الأجهزة على هذا الصعيد، علماً بأن بعض أعضاء المجلس البلدي يرون أن مكننة مصلحة الهندسة غير ضرورية لأن عملية إعادة إعمار بيروت قد أنجزت! ويرى آخرون أن الحديث عن المكننة في ظل فريق العمل الحالي في البلدية يعدّ مزحة كبيرة لأن معظمهم لا يتقنون التعامل إلا مع الورق.
وإدارياً أيضاً، يلاحَظ أن السلطة التنفيذية في بلدية بيروت بادرت خلال الأعوام القليلة الماضية إلى تعزيز مالية البلدية من خلال فرض رسوم على رخص البناء، توسيع قاعدة المكلّفين واستعادة أملاك للبلدية كمحطة شارل حلو. واليوم هناك نحو 500 مليون دولار في صندوق البلدية، لكنّ المشكلة الرئيسية هنا أن هذا المبلغ ينام في المصرف المركزي، حيث لا قرار أو خطة لاستثمار هذه الأموال في مشاريع جديّة بدلاً من ذهابها بالمفرق كمصاريف متفرقة. ويشير أحد أعضاء المجلس البلدي إلى وجود مشكلة كبيرة في ما يتعلق بالأموال التي تتحوّل من صندوق البلدية إلى مجلس الإنماء والإعمار، وأن نحو 8 مليارات ليرة حُوّلت قبل نحو 5 أعوام إلى الإنماء والإعمار لإنشاء مبنى لفوج الإطفاء، ولكن لم تظهر بعد أي ملامح لهذا المبنى، فضلاً عن أن مجلس تنفيذ المشاريع في بيروت الكبرى أُلغي قبل أعوام، لكن حتى الآن لم تجرِ تصفية حساباته بين البلدية ومجلس الإنماء والإعمار. وتتذرع البلدية بالشغور الإداري لتلجأ دائماً إلى تلزيم، سواء مجلس الإنماء والإعمار أو المؤسسات الخاصة، القيام بمشاريع يمكن المجلس البلدي أن ينفّذها بموظفيه فيوفر على نفسه في مكان ويربح أكثر في مكان آخر.
من جهة أخرى، يضيع المتنقل بين مكتب وآخر في بلدية بيروت للسؤال عن مصير المخالفات، سواء المتعلقة باللوحات الإعلانية غير المرخصة أو بالبناء المخالف أو بالعوائق الحديدية في الطرقات أو بالمخالفات البحرية. فمرةً تحمّل القوى الأمنية المسؤولية، ومرةً وزارة الأشغال العامة والنقل، ومرةً بكل بساطة «التدخلات السياسية». يذكر هنا مثلاً أن الرئيس سعد الحريري أبلغ أعضاء وفد المجلس البلدي الذين التقاهم قبل أسبوعين، أنّ اعتراضاتهم على إقامة وزارة الأشغال العامة والنقل مرفأً في منطقة جلّ البحر دون الحصول على ترخيص من البلدية «منطقية ومحقة، لكن لا مبرّر للاستمرار فيها»، علماً بأن هناك أكثر من 30 مخالفة بناء على طول الشاطئ البيروتي، أخذ المجلس البلدي أكثر من 10 قرارات لقمعها، لكنها بقيت جميعها حبراً على ورق.
وتتحمل بلدية بيروت المسؤولية عن معظم المخالفات، ففي منطقة الجميزة مثلاً، كان بشير عيتاني (الذي أُوقف في قضية الزيت قبيل اغتيال الرئيس رفيق الحريري ببضعة أيام) أول من حصل على ترخيص فتح بموجبه ملهىً ليلياً. كيف؟ طلب عيتاني الحصول على رخصة ترميم مستودع، فتوجه موظف من البلدية ليكشف على المستودع المزعوم فتبين له وجود 6 حمامات ونحو 10 مغاسل، فرفض توقيع طلب الترخيص غير المنطقي. قدّم عيتاني طلبات أخرى، رفض
تتحمّل البلدية المسؤولية عمّا يلحق بالمباني التراثية وعن أعمال الحفر
الموظف توقيعها، إلى أن صدر قرار من رئيس المجلس البلدي بنقل هذا الموظف إلى منطقة أخرى، وحصل عيتاني على الترخيص لمستودعه لتكرّ بعدها سبحة المستودعات. وبالتالي فإن بلدية بيروت تتحمل المسؤولية الأولى في الإشغال غير القانوني الحاصل في منطقة الجميزة وغيرها من الأحياء. كذلك فإن بلدية بيروت تتحمل المسؤولية عمّا يلحق بالمباني التراثية وعن أعمال الحفر، وعن استحداث طرق وإغلاق أخرى بحسب مصالح بعض النافذين، من منطلق أنه لا يحق لأحد القيام بأية أعمال في بيروت دون الحصول على موافقة من البلدية. يشار هنا إلى أن رئيس المجلس البلدي يترأس أيضاً لجنة التخمينات، وبالتالي فإن تخمين سعر العقارات يحدّده العريس الذي يراقب نفسه بهذا الشأن. ولم تنجز البلدية إعادة تكوين التخطيطات والمراسيم التي أُتلفت حين احترقت بلدية بيروت (متى؟). إضافةً إلى ذلك، فإن المجلس عجز عن تنفيذ قراراته بالاستملاك في مناطق مختلفة في بيروت.
الفشل العلني الأكبر لمجلس بلدية بيروت يتعلق بأزمة السير وإيجاد مواقف للسيارات. فمنذ أن انتُخب المجلس الحالي وضع نفسه، رئيساً وأعضاءً، أمام تحدّ رئيسي واحد هو حلّ أزمة السير في العاصمة عبر خطة أهم ما فيها توفير مواقف للسيارات. بعد نحو خمسة أعوام ونصف عام، يتبيّن أن المسافة، عملياً، بين المجلس وهدفه لا تزال هي إياها. وتُسجَّل على هذا الصعيد ست ملاحظات أساسية:
■لم يتغير شيء لناحية سوء التنسيق بين القوى الأمنية وبلدية بيروت ومجلس الإنماء والإعمار.
■لم تُعدّ دراسة جدية للتعرّف إلى حاجات كلّ منطقة في بيروت لتحديد مكامن المشكلة. فما يسبب زحمة السير قرب ساحة ساسين هو غير ما يسبّبها قرب مدرسة الحكمة أو في الطريق الجديدة أو في شارع الحمرا.
■أعفت البلدية المباني الجديدة من تأمين مواقف للسيارات لقاء غرامة قدرها 25 مليون ليرة للموقف الواحد. ثم أخذ أعضاؤها يشتكون من إحجام المالكين عن إنشاء مواقف.
■بنت البلدية حلها لأزمة المواقف التي تمثّل جزءاً أساسياً من أزمة السير بطرح إنشاء مواقف للسيارات تحت الحدائق النادرة في بيروت التي تحتضن أشجاراً معمّرة مثل حديقتي الصنائع والسيوفي.
■شُغلت البلدية في البحث عن أراض لاستملاكها وإنشاء مرائب فيها ولم تكترث لتأهيل المواقف التي تملكها أصلاً، سواء في محطة شارل حلو أو تحت مدرستي شكيب ارسلان في فردان وعمر فروخ في الطريق الجديدة، علماً بأن استحداث البلدية موقفاً تحت الملعب البلدي كان سيوفّر مأوى لأكثر من 400 سيارة.
■سبّب اتفاق تركيب العدّادات الذي وقّعته البلدية مع شركة خاصة مشاكل جمّة بالنسبة إلى أهالي بيروت، فقد بات هؤلاء يتسابقون إلى الاستيقاظ الباكر صباحاً لنقل سياراتهم من الشارع العام إلى الشوارع الفرعية، تجنّباً لدفع بدل إيقافها أمام منازلهم. وهناك حالات كثيرة لأشخاص يدفعون يومياً أكثر من 10 آلاف ليرة لمجرد ركنهم سياراتهم أمام منازلهم.
ويسجل على المجلس الحالي الفشل في حماية الأبنية التراثية، وعدم وضع خطة جدية لتوسيع المساحات الخضراء عملاً لا قولاً. إضافةً إلى عدم أداء البلدية أيّ دور ثقافي أو اجتماعي رغم مرور العاصمة بمناسبات كان يمكن البلدية أن تؤدّي فيها أدواراً كهذه.
في النتيجة، لا حاجة للبيارتة والساكنين في بيروت إلى رفع الصوت، فقد «تنبّه» تيار المستقبل إلى سوء أداء العريس، وقرر أن يحلّ محل المواطنين في «محاسبة المقصّرين».
وداعاً «مناصفة»
حصول التكليف بدون ضوابط أو معايير واضحة يفتح أبواب البلدية وتيار المستقبل من خلفها أمام الانتقادات الطائفية. ويؤكد بعض الموظفين في البلدية أن حرص تيار المستقبل على المناصفة الطائفية ليس على المستوى المزعوم، فالمقرّبون من تيار المستقبل يحتكرون الوظائف الرئيسية في البلدية. ويشرح أحد الموظفين أن في هذه البلدية تسع مصالح، إضافةً إلى فوجَي الإطفاء والحرس. ويمكن تصنيف هذه المصالح وفق ثلاثة مستويات:
■مهمة جداً ـــــ 4 مصالح: هندسة، مالية، شؤون إدارية ومصنّفة. في رئاسة مصلحة الهندسة شغر الموقع الذي يشغله عادةً أرثوذكسي، فكُلّف أرثوذكسي آخر قريب جداً من تيار المستقبل. أمّا رئاسة مصلحة المالية، فكانت للطائفة الشيعية، لكن، بعد شغور الموقع، كُلّف موظف من الطائفة السنية رئاسة المصلحة. وفي مصلحة الشؤون الإدارية (القضايا) لا يزال الموقع الذي تشغله الطائفة السنية في الأساس شاغراً منذ نحو عام. وبعد شغور رئاسة مصلحة «المصنّفة»، التي كانت للطائفة المارونية، عُيّن موظف من الطائفة السنية. وهكذا تكون رئاسة ثلاث مصالح من أصل أربع مهمة جداً في البلدية قد أصبحت للطائفة السنية والرابعة لأرثوذكسي قريب من تيار المستقبل.
■مهمة ـــــ مصلحتان: الصحة والتفتيش. الصحة كان يترأسها ماروني، فكُلّف أرثوذكسي الحلول محله. وفي التفتيش حصل العكس، فحل أرثوذكسي محل الماروني.
■قليلة الأهمية ـــــ 3 مصالح: أمانة المجلس البلدي، المسالخ والنظافة. في الأمانة لا تزال الرئاسة عند الطائفة الشيعية، في المسالخ كان الرئيس سنياً فكُلّف ماروني الحلول محله، وفي النظافة بقيت الرئاسة للطائفة الدرزية. واستعيض عن رئيسي فوج الإطفاء الأرثوذكسي، وفوج الحرس السني بعميد، مكلّف من قيادة الجيش، ومن الطائفة السنية.
وبالانتقال إلى الدوائر التي تتفرع عن المصالح، يبرز جيداً تفريغ البلدية من الموظفين المسيحيين. وتمثّل مصلحة الهندسة في هذا السياق نموذجاً بارزاً، حيث كُلّف موظفون من الطائفة السنية ليحلوا مكان الأرثوذكسي في رئاسة دائرة المباني (أهم دائرة في مصلحة الهندسة) والماروني في رئاسة دائرة الأعمال الملزمة، والكاثوليكي في دائرتي التخطيط والتموين. ولم يبقَ للمسيحيين في مصلحة الهندسة إلّا رئاسات دوائر الاستملاك، المراقبة، المرأب والحدائق.
عون: سنفتح الجامعات لنثقّف طلابنا
أكد العماد ميشال عون، أنّ الخلاف على ملف التعيينات الإدارية «هو على أعلى المستويات، يريدونها محاصصة ونحن نريدها حسب الكفاءة. إذا لم ننزع هذه السياسة من الإدارة، لا يمكن أن يشعر المواطن بأن حقوقه تصله إلا من خلال زعيم يبني كل حقوقه على شيء يسمّونه خدمات».
وانتقد عون، خلال لقاء مع لجنتي المعلمين في القطاعين الرسمي والخاص، «ثقافة الإحباط»، قائلاً: «يعمّمون على الناس أن كل السياسيين بعضهم مثل بعض، فلا تتعاطى بالسياسة أريحلك، ويقولون للطالب إنه ممنوع عليه التحدث في السياسة، فهي تخلق المشاكل. ويقولون للمجتمع ألا يتعاطى في السياسة بل «روحو شمو الهوا». وأضاف أن كل هذه الدعوات لتجنّب العمل السياسي تأتي ليظلّ أصحاب الدعوات «متمسكين بالمجتمع لأنهم يخافون من أنه إذا استيقظ الإنسان فسيتمرد، وعندما يتمرد تسقط أدوار كثيرة فتأتي أدوار أخرى».
وشدّد عون «على الإنسان أن يرفض هذه الامتثالية الدائمة للنظام القائم، فهذا النظام إذا لم يتطوّر يعتق». وتطرق عون إلى موضوع خفض سن الاقتراع الى 18 سنة، فقال: «كنا في طليعة المطالبين بإقرار خفض سن الاقتراع، نحن أخذنا هذا القرار من هنا وأُقفلت علينا الجامعات من هناك. تصوّروا أن شاباً في 17 أو 18 من عمره ينهي سنته الأخيرة في المدرسة، ممنوع عليه أن يتكلم في السياسة في المدرسة، وفي الجامعات يتعلم الطلاب السياسة بالهمس، المجتمع الهمسي لا يمرّر إلا التحريض واللعنة والكراهية». وقال عون إنه إذا رفضت الجامعات فتح الأبواب أمام العمل مع الطلاب فسنلجأ الى أعمال احتجاجية ولو سلبية لتحقيق مطالبنا. وقال إن إلغاء الطائفية السياسية يحتاج الى تهيئة جدية.