لن تكون التغذية بالتيار الكهربائي هذا الصيف أفضل من تلك المسجلة في الصيف الماضي، لا بل أسوأ، وذلك بصرف النظر عما إذا كان المسعى الحكومي المتعثر لإقرار الموازنة العامة في القريب العاجل سيسلك طريقه أخيراً إلى النفاذ بعد طول انتظار.
كما أن شيئاً لن يتغير لناحية التغذية هذا الصيف حتى لو ترافق الإقرار المنشود إياه مع رصد الاعتمادات الإضافية الواردة في موازنة وزارة الطاقة والكهرباء واللازمة لإنشاء معامل إنتاج أو مجموعات جديدة ضرورية لزيادة الطاقة الإنتاجية للمعامل الموجودة والعاجزة وحدها عن تلبية الطلب المتزايد في مختلف المناطق، وتالياً، المساهمة ولو في الحد الأدنى في تخفيف ساعات التقنين المرهقة للمواطنين اللبنانيين أينما حلّوا..
بيد أن الواقع المرير والمزمن في قطاع الكهرباء والمتعلق بخدمات أكثر من مليون و200 ألف مشترك، نابع في الدرجة الأولى عن غياب القرار السياسي فضلاً عن المالي والإداري الهادف إلى المعالجة منذ سنوات طوال، وتحديداً منذ العام 1998 إلى اليوم.
لكن هذا الواقع يتجلى بصورة فاقعة وأكثر وضوحاً في الأرقام الواردة في تقديرات وزارة المالية والمستندة إلى ما تضمنته مقدمة موازنة العام الفائت والتي تشير إلى أن حجم الإنفاق، (أو تحويلات الخزينة)، على مؤسسة كهرباء لبنان منذ العام 1982 وحتى نهاية العام 2008 بلغ حوالى 25431 مليار ليرة. وإذا ما أضيفت نفقات العام 2009 فإن إجمالي التمويل للكهرباء يصل إلى حوالى 27500 مليار ليرة، أي ما يوازي 18,3 مليار دولار، وهو ما يعادل حوالى 35,3 في المئة من إجمالي الدين العام الحالي المقدر بحوالى 51,7 مليار دولار.
وعلمت «السفير» من مصادر فنية في مؤسستي كهرباء لبنان وكهرباء فرنسا، باعتبار الأخيرة الجهة الاستشارية المعتمدة لدى مؤسسة كهرباء لبنان، أن العجز الناتج عن ازدياد الطلب على الكهرباء والبالغ أكثر من 2500 ميغاوات في فترات الذروة، قياساً بالقدرة الإنتاجية الحالية، والبالغة بدورها حوالى 1600 ميغاوات، سيؤدي حتماً إلى زيادة ساعات التقنين من جهة أولى، والمياه من جهة ثانية، لا سيما
إذا حققت الحركة السياحية في العام الجاري النتيجة ذاتها من حيث النمو القياسي المحقق في العام الفائت.
ما يعني أن مزيداً من المعاناة ينتظر المواطن اللبناني هذا الصيف. وتتراوح أسباب هذه المعاناة المزمنة ما بين تأخر التوافق حول بنود الموازنة العامة ونفقاتها الإضافية بين مختلف الأفرقاء، علاوة على عدم جهوزية ونقصان الخطوات التمهيدية الضرورية لتطوير قطاع الكهرباء وإصلاح أوضاعه المزرية والمنهكة للخزينة وللمواطن على السواء. ويصير موضوع الإصلاح قطاع الكهرباء أكثر إلحاحاً في ضوء تعليق استجرار الطاقة المشتراة من مصر ومن سوريا منذ أشهر لاعتبارات لا تزال غير معروفة، الأمر الذي من المتوقع أن يستمر خلال الصيف نتيجة الحاجة الداخلية المتزايدة للبلدين المذكورين أعلاه خلال موسم الاصطياف.
باسيل
ويعلق وزير الطاقة والمياه جبران باسيل ردا على سؤال لـ«السفير» حول تأخير الموازنة، قائلاً ان التأخير سيؤدي بلا شك الى أطالة أمد الأزمة في مؤسسة كهرباء لبنان، خصوصا أن هناك توافقا بين الافرقاء على تمويل إنشاء معامل جديدة للكهرباء بمبلغ حُدد (وهو ليس كبيراً)، وذلك في مدى زمني يقارب الثلاث سنوات، وسيجري تنسيبه ضمن الموازنة، ما يعفينا سلفاً من مشكلة خلق إيرادات إضافية لهذا المبلغ.
وتوقع باسيل أن يؤدي انجاز هذه الخطوة إلى توفير بعض العجز على مؤسسة الكهرباء من جهة، والخزينة من جهة ثانية. وأضاف: كان يفترض أن يسير هذا المشروع بسرعة، لان أي تأخير لن يساهم في حل أزمة التقنين وخصوصاً على المدى القريب.
تحضيرات كهرباء فرنسا
وعلمت «السفير» في الإطار ذاته أيضاً أن خبراء كهرباء فرنسا سيقدمون هذا الأسبوع العروض والتصاميم اللازمة والمتصلة بمناطق إنشاء المجموعات الجديدة والمعامل ومواصفاتها، علاوة على المحطات الإضافية للتحويل والتوزيع، وذلك تمهيداً لإعداد دفاتر الشروط اللازمة لإجراء المناقصة من قبل وزارة الطاقة وكهرباء لبنان، وهو أمر يحتاج قبل أي شيء إلى توافر عناصر التمويل، بدءا بإقرار الموازنة العامة وصولاً إلى فتح الاعتمادات المطلوبة.
وتحتاج هذه الخطوات إلى عدة أشهر، بين إقرار الموازنة من قبل الحكومة وإحالتها على المجلس النيابي، ثم الانطلاق بعملية تلزيم المعامل الجديدة لتأمين طاقة إضافية بـ 700 ميغاوات في الحد الأدنى، كفيلة بسد جزء من النقص المقدر بحوالى 900 ميغاوات في أحسن حال.
وتقول المصادر الفنية ذاتها ان الفترة الفاصلة ما بين تلزيم إنشاء المعامل، والإفادة من الطاقة الإضافية المنتجة تحتاج إلى ما بين 9 أشهر أو سنة من تاريخ التلزيم وفتح الاعتمادات، وهو أمر من المتوقع أن يتأخر إلى العام 2011، إذا ما سارت الأمور وفق ما هو حاصل اليوم.
من جهة ثانية، علمت «السفير» من مصادر مطلعة في مؤسسة كهرباء لبنان، أن التوجه لسد جزء من النقص خلال العام الحالي، والجاري بحثه، يتركز حول إمكان استئجار بواخر لتوليد الكهرباء، يتم توقيفها بالقرب من المعامل الموجودة، وذلك تسهيلاً لاستخدام الشبكات. كما علم أيضاً أن الدولة اللبنانية تلقت عروضاً لاستئجار هذه البواخر من تركيا وقطر. ويعتبر بعض الفنيين أن هذه البواخر يمكن أن تؤمن 200 ميغاوات تقريباً، وبكلفة تعتبر مرتفعة جزئياً مقارنة مع كلفة الإنتاج المحلية، لكنها تساهم في حل جزء بسيط من حجم النقص المتزايد.
أما على الصعيد المالي، فيظهر أن مشروع الموازنة العامة للعام 2010 يلحظ عجزاً في مؤسسة كهرباء لبنان بحوالى 2300 مليار ليرة، والعجز المذكور معرض للارتفاع في حال تدبير استئجار البواخر خلال الصيف. وتلفت مصادر مالية الى أن عجز المؤسسة يرتبط إلى حد كبير بتطور أسعار النفط، مشيرة إلى أن الموازنة الموضوعة للعام الحالي لحظت سعراً لبرميل النفط بحدود 70 دولاراً.
أما البند الاستثماري الملحوظ لإنشاء معامل جديدة في كهرباء لبنان فيقدر بحوالى 700 مليون دولار تقريباً لمدة سنتين على اعتبار إن إنتاج كل ميغاوات جديد يكلف الخزينة حوالى المليون دولار تقريباً، هذا بالإضافة إلى كلفة الخطوط والمحطات الجديدة في التوزيع والتحويل المتوقع قيامها في العديد من المناطق في الضاحية الجنوبية مروراً بوسط بيروت والأسواق الجديدة وصولاً إلى المناطق الساحلية التي تغذي مختلف المناطق.