أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مَن يستمع إلى عون ومَن يستمع إلى جعجع؟

الخميس 18 آذار , 2010 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,782 زائر

مَن يستمع إلى عون ومَن يستمع إلى جعجع؟

كان السياسي المستغرب يثير ملاحظته بدوافع عدة، أوّلها الحرص على مؤسسة الجيش. وثانيها معرفة الشخصية الخَفِرة لقائدها الحالي. وثالثها التمسك بأصول النظام الديموقراطي المدني... إلى سواها من دوافع طيّبة الخلفيات وحسنة النيّات. غير أن زميله بادره بالإجابة: لهذه الظاهرة تفسير جدي واحد، ألا وهو أن قائد الجيش هو المسيحي الوحيد في هذه الدولة وهذا النظام، الذي يملك حق الإمرة على شيء... الباقون كلّهم ـــــ بموجب النظام ـــــ بين الشهود والمستشارين.
طبعاً، ثمّة جوانب أخرى لتلك الظاهرة، من ذيول الموروثات الموهومة في الوجدان المسيحي. فهناك مَن لا يزال يتمسك في لاوعيه بوهم الجمهورية الأولى، إذ كان الجيش فعلياً في موقع «الجيش الإمبريالي» ـــــ بالمعنى الحرفي والتاريخي للعبارة، الذي يجمع «رعايا» الجماعات الأخرى المنضوية في «الدولة الإمبريالية»، ويُخضعها في الوقت نفسه لإرادة «روما». وهناك مَن لا يزال يتوهّم تلك اللافتة المعبّرة عن «القومية اللبنانية» الأسطورية، من قرطاجة إلى اليرزة، مروراً طبعاً بفخر الدين. ومنهم مَن يقتصر «تقديره» على حدود مفهوم «فيبر» للدولة، باحتكار حق استعمال القوة. ومنهم مَن يهرب ربما من «الذميّات» المفروضة في السياسة والخيارات الاستراتيجية الخارجية، فيلوذ بمنطق «ذميّة» عسكريتارية ربما، تؤمّن له السلامة الجسدية، فلا يطمح بعدها إلى أكثر...
لكن الظاهر أن المشكلة في كل تلك التفسيرات، هي في السلوك الفردي والجماعي للمسيحيين، لا في مؤسسة تطورت وتكيّفت وكانت دوماً تعبيراً عن سياق الدولة اللبنانية وتوازناتها الداخلية والخارجية. و«المشكلة المسيحية» تلك ناتجة في عمقها من «انهيار» منظومة المشاريع المسيحية التاريخية والتقليدية، في ظل عدم التكيّف الطوعي والإرادي والاقتناعي الكامل، مع المشاريع الوازنة الجديدة. كما في ظل استمرار وجود عوامل كثيرة لا تساعد على طبيعية هذا الانتقال المطلوب للمسيحيين.
أحد أبرز المنظّرين المسيحيين في سياستهم وسياسييهم وسلوكياتهم، يلخّص هذا الوضع بالقول إن المسيحيين في لبنان يحبون بغالبيتهم أن يستمعوا إلى ميشال عون. غير أنهم وبغالبية ما منهم، يجدون بعض الصعوبة في فهم ما يقوله لهم، وفي قبوله، وفي اعتناقه نهجاً لهم. وفي المقابل ـــــ يتابع الحزبي العتيق ـــــ هناك غالبية مسيحية لا تحب الاستماع إلى سمير جعجع، غير أنها تستسهل ما يقوله لها هذه الأيام. إذ تجد فيه صدى محبّباً ومستطرباً لمقولتين بديهيتين بالنسبة إلى وجدانهم السابق: سوريا عدوّة، وحزب الله خطر، انتهت القضية. الباقي في انطباعات المسيحيين، غير موجود، وخصوصاً بعد تطورات الأشهر الأخيرة التي تلت تأليف الحكومة الائتلافية. رئيس الجمهورية منكفئ في تركيزهم على تصميم خلفي. يشعرون كأن ثمّة مَن يحاول إغراقه بين بلدية عمشيت وكازينو لبنان. بكركي يرونها صامتة هذه الأيام. ويتوقعون صمتها لفترة طويلة مقبلة. يكفيها أن تكسره بين مدة وأخرى، لتعلن على طريقة «بيضة الديك»، موقفاً مبدئياً من دمشق وحارة حريك. التشكيلات السياسية الأخرى فقدت مشروعيتها بنسب مختلفة: دوري شمعون لم يسأل أحد عمّا إذا كان قد حضر أو غاب عن اجتماع البريستول الأخير. كارلوس إده دفن عمّه منذ عشرة أعوام على الأقل. سامي الجميّل صادق، غير أن خياراته لم تتبلور كلياً بعد، وعلائقه في السياسة والأشخاص لم تتركز نهائياً حتى اللحظة. يرعبه شبح معراب في ابتلاعه قواعدياً وتنظيمياً، ويقضّه صوت الرابية بمشروع سياسي لم يجد «شبابه» فيه... سليمان فرنجية مسألة ملتبسة لدى كثيرين. فهو ثابتة شمال المدفون، علامة استفهام جنوبه. يُركن إلى شفافيته في «الشخصي»، يثير التساؤلات في «السياسي»، ويصنّف في الحصيلة في خانة مَن يمكن انتظار كيفية التعاطي معه، إلى مرحلة لاحقة، فيما هو كأنه موافق على هذا التصنيف، فلا يزعجه، ولا يزعج هو أحداً...
«خبيصة» جدية، هي حال الوجدان المسيحي هذه الأيام. لا يريحها إلا آخر بقايا «الوطنجيات»، علّها تهدّئ قلقاً وجودياً من النفخ الأونتولوجي.

Script executed in 0.1768798828125