تخطو زينب فياض صوب كرسيها بخطوات متباطئة، فيما تقف إحدى الأمهات توزع نظراتها على «زميلاتها» بدلاً من المصافحة. فالتكريم الذي دعا إليه أمس «مركز الخيام لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب» لمناسبة عيد الأم، قد بدأ. والكراسي امتلأت. فياض تنتظر زوجها الذي اختطف منذ العام 1976.
تكريم صامت، حمل معه ابتسامات لأمهات لا ينكرن الجميل، ولا سيما أنهن يعتبرن أنفسهن مهمشات من الدولة، وعليه، فإن التكريم من المجتمع المدني يحلو له الابتسام وحفظ الجميل. كان تكريمهن أمس، في الخيمة التي يزيد عمرها عن خمس سنوات قرب «الاسكوا»، أشبه بتجديد روح الأمومة التي لم تنفك من العيش في دواخلهن.
تتلو سمر جمعة أسماء الأمهات، ليتقدمن ويأخذن القلادات. جمالهن، في هذه الأمتار القليلة، لا يدانيه جمال. مبادرة صغيرة، تعبر عن بعض رحلة الانتظار الطويلة، تجسدها الآن بضع خطوات. القلادة لا تنفع. لكن، برغم ذلك، تعود ابتسامة حفظ الجميل.
تكر سبحة الأسماء: جانيت عيد، فاطمة مطر، فدوى شعراوي، هيام غربال، ناديا أديب، حليمة جمال، حياة ياسين، وأسماء أخرى. أوديت سالم ليست هنا. لكن روحها تحلق بخفة بين الجميع. هكذا عبّرن.
بين النسوة، جلس رجال من أصحاب القضية. بينهم رجل يبحث، منذ أكثر من عقدين من الزمن، عن شقيقه. يبدأ رحلته معوّلاً على آمال كبيرة، ثم ينتهي به المطاف متعلقاً بقبس من نور خفيف، يستضيء به في عتمة السنين تلك، فتختصر حياته على هذا الكوكب بالعثور على شقيقه. لكل قصة أبطال كثر، وأسماء كثيرة.
لكن قساوة قصص الرجال تختلف بطبيعة الحال عن مرارة الأمهات في سبر أغوار مصائر أولادهن الذين اختُطفوا، أو فُقدوا، منذ عشرات السنين إبان الحرب الأهلية. تراهن، كأمهات في عيدهن، يعانقن بعضهن البعض أعضاء لعائلة واحدة في المصيبة وفي التحدي الذي لا سقف له.
عيد الأم، عندهن، يشبه أي يوم آخر. هكذا عبّرن جميعهن. والابتسامة، التي علت وجوههن قبل لحظات، تتلاشى الآن عند هذا السؤال: «كيف يمر عليك عيد الأم؟». ترتخي عضلات وجه «ست الحبايب»، وتذرف العينان دموعاً لا مفر منها. فالسؤال، بعد كل هذه السنين، يُخرج آلاماً دفينة من قعر الأحزان. قصص متشابهة، كتلك الآلام التي تشبههن.
«مش حرام عليهن؟» تسأل حليمة جمال. تقصد «أولئك الذين خطفوا ابنها أو.. قتلوه». إذاً، أنت لا تعلمين عنه شيئاً؟ تهز برأسها. تقول ان ابنها رشيد اللداوي فقد منذ العام 1976، عندما توجه من منزله إلى دكان، في طرابلس. كان عمره خمسة عشر عاماً. والأم، منذ ذلك الحين، لا تعرف عنه أي معلومة: هل هو على قيد الحياة أم وافته المنية؟ اختطف أم قتل؟ من فعل ذلك؟ كلها أسئلة يتيمة من دون أي جواب.
لكن عزيمة هذه السيدة تحاكي عزائم كل الأمهات. أمهات «الخيمة الصغيرة». هي، ببساطة، تأمل من «رب العالمين أن يعيده (ابنها) إلينا. وإن لم يفعل، فهذه مشيئته»، تقول بحزن. تضيف: «عيد الأم يوم عادي. هو عيد عندما تجتمع العائلة كلها. أنا أم يا ابني، والابن غال، من دونه، لا شيء اسمه عيد».
عندما تسأل أياً منهم، رجالاً ونساء، عن فقيده، فان كتاباً من المعلومات الموثقة سيفتح:
«ماذا تريد أن تعرف؟ متى اختطف أو فقد؟ كيف أو لماذا؟ من رآه آخر مرة؟ الشخص الذي حدثه في السجن ماذا قال لنا؟ في أي زنزانة يقبع؟ من زرنا من المسؤولين المحليين والإقليميين حتى الآن؟.. «.
حليمة جمال لا تملك فهرساً لكتابها.
يتعين على أصحاب هذه القضية المداومة يومياً هنا. وعلى الرغم من سخطهن على جميع أركان الدولتين اللبنانية والسورية، على حد سواء، فإن الخيمة الصغيرة، تبقى ملاذهن الذي لا مفر منه. كأنهن يفرغن حزنهن يومياً فيها. يتأملن بعضهن البعض، ثم يرمقن الصور المعلقة، التي رفعنها أمس في التكريم، بنظرات تضاهي نظرة الأم لابنها في عيدها. تحن عليه، وتدعو له.
نظرن أمس إلى الصور، واعتبرن يومهن كأي يوم عادي. فالحبيب ليس هنا، و»ست الحبايب» ستنتظر أن تسمع هذا اللقب، ولو بعد حين.
تكريم صامت، حمل معه ابتسامات لأمهات لا ينكرن الجميل، ولا سيما أنهن يعتبرن أنفسهن مهمشات من الدولة، وعليه، فإن التكريم من المجتمع المدني يحلو له الابتسام وحفظ الجميل. كان تكريمهن أمس، في الخيمة التي يزيد عمرها عن خمس سنوات قرب «الاسكوا»، أشبه بتجديد روح الأمومة التي لم تنفك من العيش في دواخلهن.
تتلو سمر جمعة أسماء الأمهات، ليتقدمن ويأخذن القلادات. جمالهن، في هذه الأمتار القليلة، لا يدانيه جمال. مبادرة صغيرة، تعبر عن بعض رحلة الانتظار الطويلة، تجسدها الآن بضع خطوات. القلادة لا تنفع. لكن، برغم ذلك، تعود ابتسامة حفظ الجميل.
تكر سبحة الأسماء: جانيت عيد، فاطمة مطر، فدوى شعراوي، هيام غربال، ناديا أديب، حليمة جمال، حياة ياسين، وأسماء أخرى. أوديت سالم ليست هنا. لكن روحها تحلق بخفة بين الجميع. هكذا عبّرن.
بين النسوة، جلس رجال من أصحاب القضية. بينهم رجل يبحث، منذ أكثر من عقدين من الزمن، عن شقيقه. يبدأ رحلته معوّلاً على آمال كبيرة، ثم ينتهي به المطاف متعلقاً بقبس من نور خفيف، يستضيء به في عتمة السنين تلك، فتختصر حياته على هذا الكوكب بالعثور على شقيقه. لكل قصة أبطال كثر، وأسماء كثيرة.
لكن قساوة قصص الرجال تختلف بطبيعة الحال عن مرارة الأمهات في سبر أغوار مصائر أولادهن الذين اختُطفوا، أو فُقدوا، منذ عشرات السنين إبان الحرب الأهلية. تراهن، كأمهات في عيدهن، يعانقن بعضهن البعض أعضاء لعائلة واحدة في المصيبة وفي التحدي الذي لا سقف له.
عيد الأم، عندهن، يشبه أي يوم آخر. هكذا عبّرن جميعهن. والابتسامة، التي علت وجوههن قبل لحظات، تتلاشى الآن عند هذا السؤال: «كيف يمر عليك عيد الأم؟». ترتخي عضلات وجه «ست الحبايب»، وتذرف العينان دموعاً لا مفر منها. فالسؤال، بعد كل هذه السنين، يُخرج آلاماً دفينة من قعر الأحزان. قصص متشابهة، كتلك الآلام التي تشبههن.
«مش حرام عليهن؟» تسأل حليمة جمال. تقصد «أولئك الذين خطفوا ابنها أو.. قتلوه». إذاً، أنت لا تعلمين عنه شيئاً؟ تهز برأسها. تقول ان ابنها رشيد اللداوي فقد منذ العام 1976، عندما توجه من منزله إلى دكان، في طرابلس. كان عمره خمسة عشر عاماً. والأم، منذ ذلك الحين، لا تعرف عنه أي معلومة: هل هو على قيد الحياة أم وافته المنية؟ اختطف أم قتل؟ من فعل ذلك؟ كلها أسئلة يتيمة من دون أي جواب.
لكن عزيمة هذه السيدة تحاكي عزائم كل الأمهات. أمهات «الخيمة الصغيرة». هي، ببساطة، تأمل من «رب العالمين أن يعيده (ابنها) إلينا. وإن لم يفعل، فهذه مشيئته»، تقول بحزن. تضيف: «عيد الأم يوم عادي. هو عيد عندما تجتمع العائلة كلها. أنا أم يا ابني، والابن غال، من دونه، لا شيء اسمه عيد».
عندما تسأل أياً منهم، رجالاً ونساء، عن فقيده، فان كتاباً من المعلومات الموثقة سيفتح:
«ماذا تريد أن تعرف؟ متى اختطف أو فقد؟ كيف أو لماذا؟ من رآه آخر مرة؟ الشخص الذي حدثه في السجن ماذا قال لنا؟ في أي زنزانة يقبع؟ من زرنا من المسؤولين المحليين والإقليميين حتى الآن؟.. «.
حليمة جمال لا تملك فهرساً لكتابها.
يتعين على أصحاب هذه القضية المداومة يومياً هنا. وعلى الرغم من سخطهن على جميع أركان الدولتين اللبنانية والسورية، على حد سواء، فإن الخيمة الصغيرة، تبقى ملاذهن الذي لا مفر منه. كأنهن يفرغن حزنهن يومياً فيها. يتأملن بعضهن البعض، ثم يرمقن الصور المعلقة، التي رفعنها أمس في التكريم، بنظرات تضاهي نظرة الأم لابنها في عيدها. تحن عليه، وتدعو له.
نظرن أمس إلى الصور، واعتبرن يومهن كأي يوم عادي. فالحبيب ليس هنا، و»ست الحبايب» ستنتظر أن تسمع هذا اللقب، ولو بعد حين.