يوم 14 آذار 2005، كانت صور اللواء رستم غزالي مرفوعة في وسط بيروت، كأحد الذين «قتلوا الرئيس الشهيد رفيق الحريري». وكان بمثابة المخاطرة أن يبادر أحد إلى مناقشة أيّ من المتجمهرين دفاعاً عن «حرية لبنان وسيادته واستقلاله» في مسؤولية غزالي عن الاغتيال كرئيس لما سمّي يومها «النظام الأمني السوري ـــــ اللبناني المشترك»... كان الجميع مقتنعين بذلك. ولم تُترَك موبقة من دون أن تُلصَق بالرجل الذي حُمِّل مسؤولية أخطاء الأعوام الثلاثين، التي كان لسوريا خلالها وجود عسكري وأمني مباشر في لبنان.
14 آذار 2010. كان قادة قوى 14 آذار مجتمعين في فندق البريستول عندما عبر موكب أمني لبناني الحدود اللبنانية السورية عند نقطة المصنع. وفي إحدى السيارات، كان رئيس فرع المعلومات العقيد وسام الحسن ـــــ أحد أقرب رجال الأمن من سعد الحريري ووالده الرئيس رفيق الحريري ـــــ جالساً يتأمل الطريق التي لطالما قطعها ذهاباً وإياباً قبل 14 شباط 2005، برفقة الحريري الأب، أو مبعوثاً من قبله. عبَر الحسن الحدود قاصداً دمشق، حيث يعمل «صديقه» رستم غزالي مديراً لفرع دمشق وريفها في الاستخبارات العسكرية السورية.
كان وسام الحسن «ظل» رفيق الحريري. عمل مديراً لمكتبه منذ عام 1995، قبل أن يتسلم قيادة سرية حرس رئاسة الحكومة لاحقاً. وعندما خرج الحريري من الحكم في المرة الأولى (عام 1998)، نُقِل الحسن إلى الخدمة في معهد قوى الأمن الداخلي، كإجراء يعدّ، في الحالات المماثلة، عقابياً. لكن اتصالاً من الحريري باللواء غازي كنعان كان كفيلاً بإعادة الحسن للخدمة إلى جانب الرئيس السابق للحكومة. وعندما عاد الحريري إلى الحكم، بقي الحسن بقربه.
وزاد من نفوذه في الدائرة المحيطة برفيق الحريري خروج «غريمه» العقيد (اللواء) علي الحاج من هذه الدائرة. وعندما تسلّم الأخير المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي نهاية عام 2004، استقال الحسن من السلك الأمني، ليبقى إلى جانب الرئيس السابق للحكومة، علماً بأن الحسن كان قناة التواصل المباشر بين الحريري واللواء رستم غزالي. لكن انفجار 14 شباط 2005 الذي أودى بحياة الحريري قطع تلك الصلة.
بعد اغتيال الحريري الأب، بقي الحسن واحداً من أقرب مساعدي سعد الحريري. وعندما تسلم اللواء أشرف ريفي منصب المدير العام لقوى الأمن الداخلي، عاد الحسن عن استقالته، فعيّنه ريفي منسّقاً مع لجنة التحقيق الدولية التي كان يرأسها القاضي الألماني ديتليف ميليس، الذي وضع رستم غزالي كأحد المشتبه فيهم باغتيال الحريري. المنصب الجديد للحسن زاد من القطيعة بينه وبين غزالي، قبل أن تتوسع المسافات الفاصلة بينهما، مع تسلم الأول رئاسة فرع المعلومات، الذراع اللبنانية المواكِبة لعمل لجنة التحقيق الدولية.
لاحقاً، عادت العلاقة غير المباشرة بينهما عبر أحد رجال الأعمال الطرابلسيين رائد فخر الدين، الذي سبق أن كان من المقربين من آل كرامي. لكن اعتقال ولده في ملف الهواتف النقالة، التي قيل إن قتلة الحريري اشتروها من محله في طرابلس، جعله يقترب من آل الحريري عبر اللواء أشرف ريفي والحسن قبل أن يطلق ولده. وفي هذه الفترة، عمل فخر الدين على نقل رسائل مباشرة أو غير مباشرة مع غزالي الذي احتفظ بعلاقته به وبمسؤولين سوريين آخرين.
جدّدت مهمة فخر الدين وحدّثت، وتولى هو نقل الرسائل الحديثة بين الحسن وغزالة على أثر تسلّم سعد الحريري رئاسة الحكومة. لكن التواصل لم يكسر الجليد. وبعد زيارة اللواء أشرف ريفي العاصمة السورية، من ضمن الوفد المرافق لوزير الداخلية زياد بارود تغيرت الأحوال.
قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، أوقف فرع المعلومات عدداً من المتهمين بالتجسس لحساب الإسرائيليين في لبنان. وفي سياق ذلك، جُمِعَت معلومات كثيرة (تقنية بالدرجة الأولى) عن نشاط استخباري إسرائيلي داخل الأراضي السورية. سريعاً، نظّم فرع المعلومات تقريراً بما في حوزته، وأرسله إلى الأجهزة الأمنية السورية. وللتنسيق في هذا الأمر، فتحت قناة اتصال مباشر بين غزالي والحسن. المقرّبون من الأخير رفضوا في المرحلة الأولى إعطاء أي طابع سياسي للتواصل مع «أبو عبدو»، لكن هذا الطابع ظهر جلياً عند تنفيذ الاتفاق السعودي ـــــ السوري القاضي بزيارة الحريري إلى دمشق. فقد ارتفعت وتيرة التواصل بين الضابطين. ورغم تأكيد المقربين من غزالي أنه التقى الحسن أكثر من مرتين (في العاصمة السورية) قبل أن تحطّ طائرة الحريري في دمشق، فإن المقربين من الحسن لم «يعترفوا» بذلك، مصرّين على أن التواصل مع أبو عبدو لم يتجاوز المكالمات الهاتفية التي تهدف إلى ترتيب الإجراءات التمهيدية لزيارة رئيس الحكومة.
زيارة الحريري إلى الشام أضفت حرارة إضافية على هاتفي رئيس فرع دمشق ورئيس فرع المعلومات في لبنان، حتى باتا يتحادثان مرات عدة أسبوعياً. وبينهما، ملفاتٌ سياسية وأمنية تبدأ من محاولة نقل الرسائل المرتبطة بالعلاقة المستجدة بين الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس الحكومة اللبنانية، ولا تنتهي عند شبكات التجسس الإسرائيلي وملفات المجموعات المصنفة إرهابية في لبنان وسوريا. أما التبليغات القضائية السورية الصادرة على خلفية الدعوى التي تقدم بها اللواء جميل السيد بحق الشهود الزور، والتي تضع الحسن بين المطلوب تبليغهم المثول أمام قاضي التحقيق الأول في دمشق، فلم تؤثر على العلاقة بين الرجلين، علماً بأن التواصل الدائم جعل الحسن يشعر بأنه في مأمن من تداعياتها.
وبعد زيارة ريفي إلى دمشق يوم 30 كانون الثاني 2010 ولقائه المسؤول الأمني ـــــ السياسي اللواء علي مملوك، جرى الاتفاق على التنسيق الأمني، طبقاً لما اتفق عليه الأسد والحريري. وبناءً على ذلك، زار الحسن العاصمة السورية دمشق، براً، يوم الأحد الفائت، أي يوم 14 آذار 2010. وبحسب مسؤول رفيع في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، فإن اللقاء كان إيجابياً جداً بين الضابطين. وقد بحثا الملفات الأمنية ذات الاهتمام المشترك، «من دون التطرق إلى التبليغات السورية المتروكة للقضاء». وإضافة إلى ذلك، طُرِحَت «عرضاً» القضية المثارة في بيروت بشأن الاتفاقية المعقودة بين حكومتي الولايات المتحدة الأميركية ولبنان. وقد حرص غزالي على عدم إبداء رأي يوحي بالتدخل في هذا الأمر. أوساط الحسن رأت في زيارته إلى دمشق ولقائه رستم غزالي «تقبلاً للمتغيرات السياسية».
في الخلاصة، وإذا ما اُخِذَ بعين الاعتبار أن التنسيق بين مديرية استخبارات الجيش والأمن السوري يوضع في خانة «الممتاز»، فهل يمكن القول إن دخول فرع المعلومات على هذا الخط أعاد إحياء النظام الأمني اللبناني ـــــ السوري؟، وإن بشكل مختلف عن السابق. المعنيّون في دمشق رفضوا تأكيد حصول زيارة الحسن أو نفيه.
«الشر المطلق»
حتى مساء أمس، كان أحد النصوص المنشورة على منتدى الموقع الاكتروني لتيّار المستقبل يحمل عنوان «المجرم رستم غزالي». وغزالي، الرئيس الأخير لفرع الأمن والاستطلاع السوري في لبنان، كان يمثل «الشر المطلق» في نظر قوى 14 آذار ووسائلها الإعلامية، على مدى السنوات الخمس السابقة. فـ«حكومة رستم غزالي (هي) التي مهدت الطريق لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري»، (صحيفة المستقبل، 5 حزيران 2006). وتزخر صحيفة المستقبل بمقالات وتحقيقات عن سوء رستم غزالي ودوره في الجريمة وما سبقها. وفي أحد التحقيقات المنشورة في الصحيفة ذاتها في الذكرى الأولى لانسحاب الجيش السوري من لبنان، كان مجرد ذكر كلمة البوريفاج أمام سائق سيارة أجرة كافياً ليبدأ سائقها بصب «اللعنات على رستم غزالي وأزلامه».