لا تترك صور اللواء أشرف ريفي متنفّساً للجدران في عاصمة الشمال: الموقّعة باسم جوزف صوايا تنادي «يا جبل ما يهزك ريح». ما عنوانها «اللواء المقاوم» لا تحمل توقيعاً. أكثرها يُظهر ريفي إلى يمين الرئيس سعد الحريري، والنائب فؤاد السنيورة إلى يساره. فاروق وعزام الشيخ كتبا على الصورة أن «طرابلس لن تقبل المساس بحضرة اللواء».
تحتل هذه الصور جدران المؤسسات الرسمية من السرايا إلى المدارس (مدرسة مي الرسمية للبنات مثلاً) وتتجاوز الجدران لتلاحق الأملاك العامة، سواء كانت أكشاك تلفون أو إشارة سير أو لافتة، وقد تحوّل جامع المنصوري الكبير مثلاً إلى جامع «أشرف ريفي الكبير»، بعدما ألصق أنصار اللواء صورته فوق كلمة المنصوري على اللافتة التي تدل على طريقه قرب ساحة التل. أما صورة الموسم، فهي تلك المرفوعة على بعد أمتار من تقاطع شارع المئتين، التي اختار لها موقّعها «أبو عشير الأفيوني» شعار «بطل من بلادي».
أما اللافتات، فعددها يتجاوز المئتين في أقل تقدير. «ابن البلد» هو الأكثر فصاحةً وكرماً: «من يُريد تعلّم الأدب العربي فليلتحق بمدرسة أشرف الناس» و«إذا أتتني مذمتي من ناقص فهي شهادة بأنني كامل». وللـ«شرفاء أشرف»، أما لـ«من يطالبون بالتغيير والإصلاح، فعليهم تغيير أنفسهم وإصلاح ذاتهم». ويقتبس «ابن البلد»: «سيادة اللواء باق باق باق... شاء من شاء وأبى من أبى»، فيقلده «محمد عثمان»: «سندافع عن الشرفاء والسما زرقا». ويهدد «ابن البلد»: «الوطن نور لمن اهتدى وسيادة اللواء نار لمن اعتدى»، فيسير على دربه كثيرون: هنا «أبناء طرابلس» يقولون: «يا سيادة اللواء لا تعبس بدك عسكر فوراً نلبس»، وهنا «صفوان الحسن» يردّد «أشرف شعبك يناديك.. بيت الحسن بتحيِّيك.. ما تلعبوا بالنار رجالك يا ريفي ولعت نار»، وهنا «عز الدين شكر» عند مدخل شارع عزمي بيك يكتب «طرابلس ستقطع أيّ لسان يتطاول على أشرف الناس».
أما «هلال المير»، الذي يوقّع اللافتات باسمه وباسم «شباب التبانة»، فلا يستفيد من مدقّق لغوي قبل رفع اللافتات، فيرفع واحدة تقول إن «قوى الأمن الداخلي تعبت وقادرة «إسا» تتعب لأجل حماية كل الناس و«هدا» كلو الفضل إلك يا حضرة اللواء أشرف ريفي»، «لبنان كان شاعل بالقتل بسبب الخيانة الداخلية وأنت وحدك بمحبة رجالك «قدرة» توقف القوى الأمنية على رجلها». ويذهب المير، قبالة منزل ريفي في شارع «طريق المينا» إلى حدِّ التساؤل «وراء كل رجل عظيم إمرأة ونساء طرابلس كلها فداء أشرف الناس، فكيف رجالها»؟ أما «محمد يوسف وشركاه»، فيكشفون المستور، ويقولون عند مدخل شارع عزمي بيك ما يفكر فيه كثيرون: «يكفينا فخراً سنيتك وطرابلسيتك ولبنانيتك».
ومن «رفيق الرفيق» إلى «أشرف الشرفاء»، الزمن في طرابلس زمن أشرف ريفي. فـ«إذا كان للحرية طريق فأشرف هو السبيل»، «أشرف الناس أدرى بمصلحة أمن البلد»، و«في لبنان ما في أشرف من أشرف». ولا شيء ممنوعاً، إذ يحق لأنصار ريفي إحاطة «الله» عند ساحة النور بشعاراتهم رغم اللافتات التي تضعها بلدية طرابلس محذّرة من وضع اللافتات والصور على «الدوّار»، ويحق لهم رفعها على مدخل «الماشيّة» وهي الحديقة العامة في طرابلس، ويحق لهم فعل ما يشاؤون في المدينة دون إبلاغ البلدية. وإذا صدف أن حاول صحافي التصوير يسارعون إلى تدوين رقم السيارة، سائلين إيّاه خلال ثوانٍ قليلة عن الخلفية السياسية و«النوايا المبيّتة». علماً أن من يرفعون اللافتات ليسوا خفافيش، فللطرابلسيين معهم حكايات بدأت منذ مطلع التسعينات، حين عُيِّن العميد السوري محمد خلّوف (رئيس فرع فلسطين حالياً) مسؤولاً عن الاستخبارات السورية في طرابلس، وازدادت شهرة هؤلاء من ذكرى تصحيحية إلى أخرى تزامناً مع ازدياد خبرتهم في انتقاء العبارات واختيار المكان المناسب للافتة المناسبة.
الأشهر طرابلسياً وسط رافعي اللافتات هو «ابن البلد». الأخير (اسمه الحقيقي أبو رياض الأسمر) لا يجيب بنفسه على هاتفه، إذ بات لديه مسؤول مكتب، يتأكد من هوية الصحافي، ويقول إنه سيبلغ «ابن البلد» و«إن شاء الله يعاود هو الاتصال بك».
وبعد بضع ساعات، يشاء الله أن يتصل ابن البلد، ويؤكد أنه لا يسمح باستهداف طرابلس أو أن يهان أحد أبنائها. ويشير إلى أنه جرّب كل شيء، من الأحزاب القومية إلى الشيوعية إلى الإسلامية وتبيّن له أن جميعها «تجارة بتجارة» فـ«قررنا أن نجرّب بلدنا».
في منطقة باب الحديد، التي تنتخب فيها عائلة الريفي، يرفع الحاج عمر عثمان لافتات التأييد للمدير العام. وعثمان هذا ينوي الترشح إلى موقع المختار عن منطقة باب الحديد، وعينه على أصوات عائلة الريفي. علماً أن شقيق عثمان، الحاج قاسم، يؤيد الرئيس عمر كرامي، ويرفع صورته فوق متجره. أما هلال المير، غير الضليع باللغة العربية، فلديه «دشات» وحبه للواء جزء من حبه لمصلحته.
أما «جمعية النور للعمل الإنساني ـــــ رياضيون لأجل لبنان» التي ترفع عشرات اللافتات، فيديرها شاب يدعى هيثم مبيِّض ينسق كل خطواته مع أحمد الحريري، ويبدو واضحاً أن فعاليات طرابلسية أساسية في تيار «المستقبل» لا يعجبها مبيض، ولا ترضى عن حركته. علماً أن فعاليات التيار في الشمال لم تتحرك تأييداً لريفي، ولا توجد لافتات موقّعة باسمه.
أهل المدينة يقولون إن الزائر سيعتقد حتماً أن ثمة زعيماً طرابلسياً جديداً، لكن أهل العاصمة الثانية، الذين يعرفون بعضهم بعضاً جيداً يدركون أنْ لا شيء جديّاً، وأنّ معظم اللافتات تفتقد الأقدام التي يُفترض أن ترفعها. وفي رأي أحد وجهاء طرابلس فإن تواقيع اللافتات أضرّت بالريفي أكثر مما أفادته، لأن نظرة الطرابلسيين إلى معظم هذه الأسماء سلبية جداً. إضافةً إلى أن استغلال «العين الساهرة على الأمن» للمباني الرسمية والساحات العامة وعناصر الأمن وإطلاق الرصاص من أسلحة غير مرخصة، وتنظيم المسيرات الدرّاجة الصاخبة جميعها أضفت مناخاً سلبياً على التضامن المفترض.
ويشير المصدر، طبيب الأمراض المستعصية نفسه، إلى أن ريفي محبوب في طرابلس. فوالده، كان يملك طاحونة صغيرة على نهر أبو علي، وكان من مؤيدي عائلة كرامي. وحين تقدّم أشرف لدخول المدرسة الحربية ذهب والده إلى آل كرامي مهدّداً بأنه سيترشح بوجههم إذا لم يُقبَل أشرف في الحربية، فاستوعبه الرئيس الشهيد رشيد كرامي، وكان لابنه ما أراده. ولاحقاً، تتابع الرواية، تدرّج أشرف في الحربية، وتقرّب من الرئيس رفيق الحريري. علماً أن عنايته بطرابلس كانت دائماً كبيرة. فهو يكاد «لا يرد طالباً»، مستفيداً من شبكة خدمات. ويشير أبو عبد الله بائع القهوة في باب الحديد، حيث يعمل عمّا ريفي في النجارة إلى أنه اتصل مرةً به طالباً المساعدة في قضية ما فقال له الأخير: «أنت ما تحكي معي، من الآن فصاعداً أنت يا أبو عبد الله تحكي باسمي».
في النتيجة، يقول صيدلاني عتيق إن ريفي «شغّيل، أنشط من السياسيين الكسلانين»، لكنه اندفع بحماسة إلى معركة يكاد يكون غير معني بها لأنه «لا حزب الله ولا السوريون يريدون معاداته في وقت يزداد فيه تنسيقه معهما إيجابيةً». أما السؤال الأساسي على هامش الهمروجة الطرابلسية، فهو كيف يسمح وزير الداخلية لموظف بأن يحوّل نفسه زعيماً.
في كل الحالات، تعرف طرابلس كيف تخوض معاركها ليكون لها في كل عرس قرص.
ثقة الحريري
منذ تخرّج أشرف ريفي من المدرسة الحربية (1976)، غلبت السياسة على الأمن في عمله. فهو قضى السنوات الأبرز من خدمته إلى جانب سياسيين. العمل الأبرز الأول للضابط الشاب منحه صفتي الدبلوماسية وحسن التعامل مع وسائل الإعلام. فلمدة تزيد على 7 سنوات، عمل ريفي رئيساً لشعبة العلاقات العامة. أما ثاني أبرز محطات خدمته الأمنية، فكان في رئاسة سرية الحرس الحكومي، مع الرئيس سليم الحص، نهاية ثمانينيات القرن الماضي. ومع خروج الحص من الحكم، «نُفي» ريفي إلى الإدارة المالية لقوى الأمن الداخلي. أما المحطة البارزة الثالثة في مسيرته، فكانت (1995)، عندما تعرّف إلى الرئيس رفيق الحريري. وثق به الأخير، وطلب تعيينه رئيساً لفرع المعلومات الحديث الولادة، على أمل أن يمدّه الجهاز الجديد بمعلومات توازي ما يحصل عليه رئيس الجمهورية من استخبارات الجيش والأمن العام. ومع خروج الحريري من الحكم (1998)، عايش ريفي «النفي» الثاني، إلى معهد قوى الأمن الداخلي في طرابلس، من دون أن تنقطع صلته بالحريري الذي حاول مع عودته إلى الحكم في عام 2000 إعادته إلى فرع المعلومات، إلا أنه قوبل برفض سوري. فكانت التسوية بتسليمه رئاسة المباحث الجنائية الخاصة في الشرطة القضائية. بقي ريفي في ذلك المركز إلى أن خرج الحريري من الحكم، فـ«نُفي» ريفي إلى المفتشية العامة. وبعد استشهاد الحريري، أراد وزير الداخلية سليمان فرنجية تعيين ضابط قريب من آل الحريري من أجل تولّي التنسيق بين الأمن اللبناني ولجنة تقصّي الحقائق، فاختار ريفي الذي رقّي إلى رتبة لواء ليتسلم منصب المدير العام (2005). فركز جهده على فرع المعلومات والقوى السيارة. وفي ظل الدعم السياسي الكبير، الذي لقيه من قوى 14 آذار، تمكن من توسيع فرع المعلومات، وتحويله إلى شعبة (من خارج القانون).