تتناهى إلى مسامع المارة، على كورنيش «الروشة»، مقاطع من الموسيقى والكلمات غير المفهومة، ذات لحن صاخب، يعلو ولا ينخفض. تتلاشى الكلمات المبهمة في الفضاء، فتشد ـ عندما تعود ـ المستمع، كالمغناطيس، إلى مركز البث الرئيسي.
تحجب الأشجار المرصوفة جنباً إلى جنب، ذاك المشهد، الذي استـدعى زحفاً فضــولياً، من المارة، فيما لاحت في الأفــق أولى معــالمه من رواد الكورنيش الأكثر عدداً: أعلام تتــشابه مع علم إيطاليا لولا الشمس المثبتة في المنتصف، ترفرف في الهواء الطلق. عند السؤال، ستعرف أنه علم كردستان.
الناس، حاملو الأعلام الكردية، يتوافدون إلى أسفل المنحدر، والفضولي يتبع الخطوات، فيكتشف منفذاً ضيقاً. لأنه يوم أحد، أي نهار عطلة، فيخال إلى المرء أن الوافدين يأتون في رحلة ترفيهية.
يتبدل المشهد، الذي رسم في المخيلة للحظات، فجأة: حشود غفيرة تفترش «الجبل» الصغير في كل الجهات. أجساد صغيرة، تترنح يمنة ويسرة على إيقاع الموسيقى الصاخبة. اكتظاظ مهيب أمام منصة واسعة، وانتشار متباعد لمجموعات تترقب. علامات فرح. رقص. ما زلنا على الكورنيش.
من المنفذ الضيق المواجه لصخرة الروشة، يدلف الزائر إلى مكان الاحتفال، حيث تعرف تلك البقعة بـ»الدالية». يحاذر فتى عشريني المشي بخطوات سريعة، إلى الاحتفال الذي أقيم أمس بمناسبة عيد «النوروز» الذي يحتفل به الأكراد. وهو، على عكس أقرانه، كان يخطو إلى أسفل المنحدر، صامتاً من دون الالتفات إلى أحد.
قبل ألفين وسبعمئة وعشـرة أعوام من يومنا هذا، أمر خامس ملوك البيشراديين، واسمه «الضحّاك»، بقتل شخصين اثنين في كل يوم، كقربان لمرض فتك في جسمه. غير أن الوزير الذي كلف بالمهمة، اكتفى حينها بقتل رجل واحد، ما أدى إلى هروب أولئك الذين عتقوا من سيف الضحاك إلى الجبال.
تكاثرت أعداد هؤلاء، حتى صاروا مجموعات كبيرة تضم ناساً من مختلف الطوائف، وكانوا يتحدثون بلهجات مختلفة. مع مرور الأيام، تزاوجوا وتناسلوا في الجبل، حتى سموا بـ»الأكراد». أيام، وسنون أخرى مرت، فظهر رجل اسمه «كاوه» الحداد.
قرر الأخير أن ينتقم لشعبه من الضحاك، فأخبر الناس بخطته: «الهجوم على قصر الضحاك عند اشتعال رأس الجبل». قتل الضحاك على يد «كاوه» في الواحد والعشرين من شهر آذار، التاريخ الذي صار عيد الأكراد: «النوروز»، أي اليوم الجديد، ورأس السنة الكردية. تبقى هذه القصة أسطورة، من بين تلك الأساطير التي تناقلتها أجيال كثيرة، بيد أنها الأسطورة الأكثر انتشاراً بينهم.
يصل الفتى العشريني، منهكاً، إلى مسرح الاحتفال. هو، ربما، كان يفكر بتلك الأسطورة، لا سيما أن أجداده تناسلوا وعاشوا، حزنوا وفرحوا، في مكان يشبه إلى حد ما، هذا «الجبل» الصغير. تبدأ لحظات العزلة، للزائر وليس الكردي طبعاً، عند الرقعة الأولى لسفح «الجبل» المربع الأضلاع.
سحنات مختلفة، لكنها متشابهة مع أترابها. أغان بكلمات كردية، ذات لحن يطرب الأذن بسرعة، تصدح في الفضاء. أحاديث تنتقل من لسان إلى آخر. ثياب مزركشة قديمة الطراز. أنواع طعام غريبة. صور لرجل بالأبيض والأسود محمولة على الأكف: «انه أوجالان». إذاً، هناك من يجيد تحدث العربية.
بعدما قتل الضحاك، خاض الأكراد حروباً مريرة، وظلوا قروناً يبحثون عن دولة مفقودة لوطن موجود. ثم نزل الأمراء الأكراد، والمحاربون والعشائر، إلى ثغور المسلمين البحرية من اللاذقية، وحتى مصر ليعيشوا فيها. استمرت هجرة الأكراد، حتى القرن السادس عشر، إلى لبنان، في فترات متلاحقة. إنها قصة طويلة، شأن قصص الترحال لأي شعب آخر. الأكراد في لبنان، يتحدثون اللغة العربية.
الصور المرفوعة ليست لـ «كاوه الحداد» اذاً، بل لزعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجالان. تستمر الموسيقى الصاخبة بتوزيع نغماتها على الموجودين، فيما يراقب عناصر من قوى الأمن الداخلي مجريات الاحتفال بفرح علا محياهم. الأجساد الصغيرة تبدو أكبر هنا، أي على طبيعتها. والرقص لا ينضب. الأشخاص انفسهم يرقصون بلا كلل.
عندما تسأل أحد المجتمعين في عيدهم هنا، عن يوم «النوروز»، فان الإجابات، ستتشابه مع رأي فاميران: «انه يوم انتصار المظلوم على الظالم، ففي مثل هذا اليوم منذ أكثر من ألفي عام، ثار أجدادنا على الظلم وانتصروا». يبدي فاميران، وهو نجار قدم من سوريا منذ عامين، سعادته للعيش في لبنان، قائلاً: «بلد ديموقراطي وحر. أنا سعيد هنا».
في المقابل، هناك من يجيب، بصريح العبارة، بأنه لا يعرف شيئاً عن «النوروز»، سوى أنه رأس السنة الكردية. لكن، لماذا؟ لا يعرف. يقول مسعود، الرجل الخمسيني، بخجل: «عليك أن تسأل شخصاً مثقفاً. عذراً».
وأمثال هذا الرجل، ممن توافدوا أمس إلى «الدالية»، ليسوا بقلة، وهذا ليس مذمة بأحد منهم، فشأنهم شأن الكثير من اللبنانيين الذين لا يعرفون تفاصيل نشأة، أو نزوح الفينيقيين، وغيرها من الروايات التاريخية.
ينخفض إيقاع الموسيقى بغتة، وتستقر الساعة عند الواحدة والنصف ظهراً. تأخذ فرقة العرض الفلكلورية قسطاً من الراحة، بينما يتلو عريف الحفل لمحة مقتضبة عن تاريخ الأكراد، وهو سيردد أسطورة «كاوه» الحداد والضحاك.
بعد سردها، رحب العريف بالحضور: السفير العراقي في لبنان عمر البرزنجي، النائب هاني قبيسي، عضو المكتب السياسي في «حركة أمل» محمد خواجة، أعيان المجلس الكردي، الى ممثلين عن أحزاب وجمعيات، وغيرهم.
في حين اعتلت بعض الشخصيات المنصة لإلقاء كلمة في المناسبة، كانت أعداد الحشود التي انتهت لتوها من الرقص، تتسلل إلى التجمعات العائلية التي راحت تفرش الطعام على الحاجيات القطنية. وحولها، فاحت الروائح الشهية، فيما ثلة من الأطفال راحوا يركضون جيئة وذهاباً. أما شعور العزلة فسرعان ما يندثر، عندما يتوغل المرء في حيواتهم، فينسجم مع تصرفاتهم، ويفهم بعضاً من قصتهم الأسطورية.
ولأنه عيد، وليس نزهة عادية، كانت علامات الفرح مرسومة على وجوه الجميع، من أولئك الذين يعرفون قصة الضحاك، إلى الذين لا يعرفون سوى أنهم أكراد، يعيشون في بلد لا يسمح لهم بالتمثيل برلمانياً، كما صاح أحد المتحدثين من المنصة حانقاً. وفي موازاة هذا المهرجان الذي دعت إليه «الجمعية الكردية اللبنانية»، أقيم مهرجان آخر للمناسبة نفسها، في قصر «الأونيسكو» بدعوة من «حزب رزكاري الكردي اللبناني».
هناك، قبل بدء الاحتــفال الكلاســيكي، وقــف محمد عتريس ينتظر وصول المدعوين بخــفر. هو أيضاً مؤمن بقصة «كاوه». يذكر الرجل تماماً تلك الشعلة التي أشعلها الحداد على رأس الجبل. يقول عتريس انها «كانت الشعلة الأولى للحرية. حريتنا نحن». الرجل الخمسيني حانق أيضاً على الظلم السياسي، الذي لحق بالأكراد في لبنان. لا نائب لهم في البرلمان.
لا ينسى عتريس يوم قتل والده، في سوريا، على يد الجيش التركي، ثم «نزحنا إلى لبنان، حيث قضيت حياتي يتيماً». الذاكرة نفسها، تتذكر أمراً آخر: «عندما رفع ابن عمه، عبد الكريم عتريس، أول علم لبناني على سطح البرلمان، أيام الانتداب الفرنسي للبنان». يختم الرجل: «لكل منا، نحن الأكراد، قصة».
أمس، رغم اختلاف القصص التي تسبح في حياة الأكراد، وعلى الرغم من تنوع الأساطير حول نشأة الأكراد وحروبهم، وما آلت إليه، فإن القاسم المشترك الذي ساد بين الحشود كان واضحاً: الفرح بعيد يقتضي الرقص، والتمرد فرحاً، لليوم الأول من عام جديد.. بعد 2709 اعوام.
كل «نوروز» وأنتم بخير.