وبهذه الصفة، منحت شخصين حق استغلال جزء من مياهه المهدورة وتحقيق أرباح خيالية من بيع المياه
لم تعد جرود جبيل إلى هدوئها بعد. فبلدة العاقورة والقرى المحيطة بها لا تزال مشغولة بتداعيات المرسوم 3293 الصادر يوم 13 شباط 2010، الذي يمنح عماد وعباس أديب الهاشم حق استخدام كمية 146 مليون ليتر من مياه نبع الرويس (أحد منبعَي نهر إبراهيم)، لقاء 60 قرشاً لليتر الواحد.
يوم أمس، استقبل رئيس الجمهورية ميشال سليمان وفداً من أهالي القرى المستفيدة من النبع (العاقورة والمجدل وهديمة وتحت القلعة)، للوقوف على ملابسات اعتراضهم على المرسوم. وتحدّث أعضاء الوفد عن الحقوق التاريخية لهم في هذا النبع، وعن الملكية العامة له، وعن خطر فتح باب الاستفادة الخاصة منه. وردّ رئيس الجمهورية بالقول إن اللجنة القانونية التي تنظر في الملف في وزارة الطاقة والمياه ستحدد الوجهة التي سيتعامل من خلالها مع القضية، لافتاً إلى أنه سيتخذ أي قرار مناسب لتأكيد الالتزام بالقانون وحفظ حق المواطنين.
ويؤكد معنيون أن الخلاف على استثمار نبع الرويس وعدد من الينابيع القريبة منه تعود إلى القرن التاسع عشر، عندما رفعت دعاوى قضائية أمام المحاكم العثمانية بين أجداد عماد وعباس الهاشم، وعدد من أهالي المنطقة.
وبحسب عماد الهاشم، فإن أحد أجداده حصل على حكم من محكمة البداية في بعبدا ومن محكمة الاستئناف في إسطنبول (في القرن التاسع عشر) يؤكد وجود حق له في استغلال مياه نبع الرويس. لكنّ الدولة اللبنانية لم تعترف لاحقاً بهذه الحقوق. ولفت الهاشم، في اتصال مع «الأخبار»، إلى أن وثائق المساحة الصادرة في خمسينيات القرن الفائت، والخاصة بأرض يملكها والده في العاقورة، تثبت أن له حقوقاً للري من نبع الرويس. وقال إن ثمة عقوداً تثبت أن جده باع أحد ينابيع المنطقة لآل جرمانوس في بلدة المجدل. وأكّد الهاشم أنه ينوي بيع المياه التي رخّص المرسوم له استغلالها، لافتاً إلى أنه بمجرد تقدمه بطلب الاستحصال على المرسوم يكون قد اعترف بملكية الدولة للنبع.
وأكد رئيس بلدية المجدل، منير يعقوب، لـ«الأخبار» أن ثمة قرارات قضائية صادرة عن المحاكم العثمانية وفي عهود الرؤساء بشارة الخوري وفؤاد شهاب وإلياس سركيس تثبت أن نبع الرويس هو ملك عام، وأنه لا وجود لحقوق خاصة عليه. أضاف يعقوب أن مرسومين سابقين مماثلين للمرسوم الذي صدر في شباط الفائت، كانا قد فُسِخا في ستينيات القرن الفائت. وفيما رأى قانونيون معنيون بالملف أنّ من الصعب على مجلس الوزراء أن يتراجع عن المرسوم الأخير، أكد يعقوب أن أهالي بلدة المجدل سيلجأون إلى مجلس شورى الدولة من أجل الاعتراض على المرسوم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى عدد من أهالي البلدات المجاورة. وذكر أحد المقرّبين من النائب نبيل نقولا أن الأخير كلّف أحد القانونيين بدراسة الملف تمهيداً للتقدم بطعن أمام مجلس الشورى، نيابة عن عدد من أهالي بلدة «تحت القلعة».
وكان القيادي في التيار الوطني الحر بسام الهاشم قد ذكر، خلال اللقاء الذي جمع وفداً من أهالي المجدل والنائب ميشال عون، يوم السبت الفائت، أن ثمة تداخلاً في حقوق استغلال مياه النبع بين الحقوق الخاصة والعامة. ورأى الهاشم أن الحل الوحيد لإنهاء هذا النزاع هو بتحديد مرجعية قضائية وفنية تتمكن من تحديد الحقوق نهائياً، لوضع حدّ للنزاعات التي ما زالت مستمرة منذ أكثر من قرنين.
في المحصلة، فإن الدولة اللبنانية لا تزال تصنّف النبع المذكور ضمن الأملاك العامة، إلا أنها أجّرت جزءاً من هذه الحقوق لاثنين من المطالبين بحق خاص فيه، لقاء 60 قرشاً لليتر الواحد. واللذان حصلا على الرخصة بالمرسوم يتلقّيان عروضاً من شركات خاصة من أجل تعبئة المياه وبيعها. وبحسب أحد المطّلعين على الملف، فإن السعر الذي سيعرض على حاملَي الرخصة يراوح بين 150 ليرة و300 ليرة لليتر الواحد، وهو ما لم ينفه عماد الهاشم في حديثه مع «الأخبار»، مشيراً إلى أن مفاوضاته مع إحدى الشركات لم تصل بعد إلى حد عرض الأسعار. إلا أن السعر الذي يجري تداوله يعني أن الدولة اللبنانية أعطت، بالمرسوم المذكور، جزءاً مما تراه ملكاً عاماً لشخصين سيتمكنان من تحصيل ربح صافٍ يتجاوز، بالحد الأدنى، نسبة 20 ألفاً في المئة!
وتعقيباً على ما أوردته «الأخبار» في عددها الصادر أمس عن المرسوم 3293/2010، نفى المحامي جوزف ياغي، وكيل المجلس البلدي المنحل في بلدة العاقورة، أن يكون قد طلب إذناً من قائمقام جبيل حبيب كيروز، بهدف التقدم باعتراض على المرسوم المذكور. أما عماد الهاشم، فقد أرسل رداً على ما نشر في «الأخبار» أورد فيه أن «تدفق المياه المستعملة في الري والشرب لا تتجاوز 1500 متر مكعب من مياه نبع الرويس، ما يعني أن كمية المياه (400 متر مكعب يومياً) التي سمح المرسوم باستثمارها لا تمثّل إلا 3 في المئة من قدرة الضخ اليومي للنبع، والباقي يذهب هدراً إلى البحر».
أضاف الهاشم أن «المرسوم لا يتعارض مع أحكام الدستور والقوانين، وما جاء في متنه حفظ لأصحاب الحقوق الثابتة على مياه النبع المرخص عليه، حقوق المراجعة القضائية أمام القضاء الإداري صاحب الاختصاص.
ـــــ إن مَن لهم حق الري من مياه نبع الرويس العاقورة موضوع الترخيص هم بدرجة أولى مالكو المياه والعقارات حيث منبع النبع ومجراه ضمن منطقة العاقورة العقارية فقط، أما سائر النافخين في الأبواق، فإن أملاكهم المروية لها حق الري من ينابيع أخرى مثل نبع الغيضة ونبع المجدل في منطقة المجدل العقارية.
ـــــ ما ذكرته «الأخبار» عن أن لشركة توليد الطاقة على نهر إبراهيم امتيازاً على مياه نبع الرويس هو مخالف للوثائق وللحقائق، إذ إن دفتر الشروط للحصول على امتياز «شركة نهر إبراهيم» عام 1919 لم يلحظ أي حق من أي نوع كان على مياه نبع الرويس العاقورة الذي كان يملكه جدودنا بموجب وثائق وأحكام سابقة لصدور القرار 144 س الصادر سنة 1925. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن امتياز شركة نهر إبراهيم مبني «على المضبطة 703 المؤرخة في 12/6/1919 التي حددت أن موضوع امتياز الشركة هو على مياه نبع أفقا حتى المنسوب 80، ولا يمكن هذا الامتياز أن يوسّع أو يضيق إلا بقانون. وإن شركة نهر إبراهيم هي الأعلم بهذه الوقائع».