أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الحريـري ـ فرنجيـة: تقـارب في «دائرة الاختـبار» والطموحات المشـتركة

الثلاثاء 23 آذار , 2010 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,043 زائر

الحريـري ـ فرنجيـة: تقـارب في «دائرة الاختـبار» والطموحات المشـتركة

تؤشر مقارنة بسيطة بين الأمس القريب واليوم، إلى وجود خلل ما في علاقة لم ترتق بعد إلى مستوى «التنسيق الثنائي» الذي شهدته خلال اسابيع المفاوضات الصعبة لولادة حكومة سعد الحريري الأولى في نهاية العام 2009.
من يعرف سليمان فرنجية جيداً، يعلم أن «البيك» عندما يتحدث عن «مودّة» ولدت حديثاً مع «الشيخ» بعد سنوات من العداء «عن بعد»، فهو يعني ما يقوله. كان لمحطات تشكيل الحكومة دوراً مؤثراً في تفعيل «الكيمياء» المخبّأة بين الرجلين، ومحفّزاً لتحويلها من مجرد تقاطع مصالح لتسهيل ولادة الحكومة إلى «مشروع» علاقة ضمن محور «تنسيقي ثابت» يعكس حقيقة المتغيرات الإقليمية، وعمليات إعادة التموضع في الداخل.

إلا أن «الملاحظات المتبادلة» كانت تتطاير بين «بيت الوسط» وبنشعي، من دون أن تفسد في الود قضية، وخاصة أن العناصر الخارجية، وتحديدا التفاهم والتناغم السوري - السعودي، شكّل قوة دفع باتجاه دخول سعد الحريري إلى السرايا الحكومية من جهة وإعادة صياغة علاقاته الداخلية من جهة ثانية. هكذا وفي لحظة سياسية «خاطفة» نجح الرجلان في كسر جليد غذتّه «حروب الاصطفاف» منذ ما قبل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

دخل فرنجية في بداية مفاوضات تشكيل الحكومة مع الحريري رافعاً شعار «حقيبة لـتيار «المرده» من ضمن حصة المعارضة»، ليختصر الطريق بعدها أمام ولادة حكومة ابن رفيق الحريري معلناً قبوله «بوزارة دولة... حتى لا يدفع الثمن حلفاء لنا في «تكتل التغيير والإصلاح«، ذاهباً إلى حد القول «لا نقبل أن ينكسر الشيخ سعد لأنه يريد تأليف الحكومة».

هذا «التنازل غير المحسوب» أغضب ميشال عون، ما دفعه إلى انتقاد سليمان فرنجية علنا، لكنه، في المقابل، أراح كثيراً الخصم السابق... ولدت الحكومة، و»الشيخ سعد» يخصّص فرنجية بعبارات الشكر والامتنان على دوره التوفيقي و»المسهّل» لولادة الحكومة.

حتى الساعة لم «يهضم» العونيون مخطط حشرهم في الزاوية، عبر تقديم حليفهم الشمالي «بيعة على الحساب» لسعد الحريري . الدليل الحديث المتكرّر على لسان مسؤولين في «التيار الوطني الحر» عن «صفقة بيزنس» رتّبها الحريري مع فرنجية مقابل تنازل الأخير عن حقيبة وزارية، ويستفيد منها بشكل مباشر قبلان يمين رجل الأعمال في المجال النفطي الذي تربطه شبكة علاقات وثيقة مع النائب فرنجية.

يعلّق المسؤول الإعلامي في «تيار المرده» المحامي سليمان فرنجية متهكّماً ويقول «النائب فرنجية سهّل ولادة الحكومة، هذا هو الدور الأساسي الذي قام به، مع اعتقادنا ان هذا الكلام ليس صادراً عن دائرة القرار في الرابية. هذه ليست أساليبنا في العمل، على كل حال الأمر لا يستلزم «هذه البَرمة»، وكان من الأسهل علينا عندها أن نقبض «كاش» من سعد الحريري... في مطلق الأحوال، قبلان يمين ليس بحاجة الى تسهيلات حكومية في مجال أعماله لا من قريب ولا من بعيد».

لكن ما الذي خفّف من وتيرة التقارب بين الحريري وفرنجية الذي تحدّث بعد تدشين «ماراتون» التلاقي عن «كيمياء مشتركة وبداية علاقة وصداقة حقيقية؟

في المسار العام، تلقّف فرنجية بايجابية كبرى زيارة الحريري إلى دمشق واصفاً إياها «بالقرار الجريء»، وهو الذي كانت له «الأيادي البيضاء» في المساهمة في فتح «الأجواء السورية» أمام طائرة الحريري الخاصة، لتحطّ على مدرج مطار دمشق الدولي. فور عودته من العاصمة السورية اتصل به رئيس «تيار المرده» وفهم منه أن «الجو ايجابي». في قناعة «البيك» ان العلاقة الشخصية بين رئيس الحكومة والرئيس السوري لها تأثيرها الأساسي على تطوّر المسار السياسي لرجلين التقيا على أنقاض أحقاد سنوات الجفاء اللبناني - السوري.

قبل الزيارة «التاريخية» لنجل رفيق الحريري كان فرنجيه قد سلّف رئيس الحكومة موقفاً، «زَكزك» بعض حلفاء «البيك»، عندما رأى أن لا موانع تقف أمام رئيس الحكومة لتشكيل وفد يرافقه إلى دمشق يضمّ مستشاره الإعلامي هاني حمّود وشخصيات أخرى ورد اسمها في الاستنابات الصادرة عن القضاء السوري... عند هذا الحد، تفرملت اندفاعة بنشعي باتجاه السرايا، فبدا ان ما بعد الزيارة ليس كما قبلها، فبدأت المآخذ على أداء «دولة الرئيس» تتسرب من كواليس «البيك» الذي «كان ينتظر أفعالاً لا مجرد أقوال».

هي مآخذ يصنّفها النائب فرنجية في إطار «الملاحظات فقط»، والتي من شأنها أن تدفع بالعلاقة «الطرية العود» خطوات الى الأمام. والواضح أن التواصل «الايجابي» بين ممثل «تيار المرده» الوزير يوسف سعادة والرئيس الحريري على طاولة مجلس الوزراء، يعكس نية الطرفين في توسيع دائرة التنسيق الثنائي، ولو بحده الأدنى.

يعترف «الحريريون» بدخول «سعاة خير» في البداية على خط ترتيب زيارة الحريري الى دمشق، «أما اليوم فالتواصل مباشر بينه وبين القيادة السورية، والعلاقة تستقيم على أسس الشفافية والوضوح وتبادل وجهات النظر، وهي علاقة شخصية ومباشرة لم يعد للوسطاء دوراً فيها، والدليل أن الأعداد للزيارة المقبلة لرئيس الحكومة منتصف الشهر المقبل يحصل من دون وسطاء».

تضيف أوساط الحريري «إذا كان الانفتاح على سوريا قائم وعلى هذا المستوى، فلماذا لا يصح الأمر مع النائب فرنجية الذي تربطه علاقة استراتيجية وعميقة مع الرئيس السوري».

لا إشارة رسمية من جهة السرايا الكبيرة حول موعد اللقاء الشمالي الأول من نوعه بين الرجلين ربما لاعتبارات سياسية وأمنية... وفي بنشعي هناك من يقول أن احتمالات الزيارة قائمة في أية لحظة، وها هو سعد الحريري يحضّر، في الوقت نفسه، ملفاته الأساسية التي سيحملها الى دمشق على رأس وفد وزاري موسّع، حيث سيحاول من خلالها، وفق المطّلعين، إحداث خرق «ايجابي» يضعه على طاولة الحلفاء كتبرئة ذمة، بمفعول رجعي، عن «علاقة التسوية» التي اضطر الى نسجها مع الرئيس السوري قبل ان تتضح نوايا دمشق الفعلية حيال هذه الملفات. لكن أيضاً سيكون لأي اختراقات على صعيد المسائل العالقة بين لبنان وسوريا، أثرها في تطوير تعاطي الحريري مع خصومه السابقين وفي طليعتهم «سليمان بيك».

المفارقة ان فرنجية الذي يرى في العلاقة الشخصية بين الحريري والأسد مدخلاً لتمتين التنسيق السياسي بين الرجلين، يطبق هذه المعادلة معكوسة على خط بنشعي - بيت الوسط. تعترف أوساط فرنجية بـ»البرودة» التي سيطرت على علاقة الزعيمين في مرحلة معينة، ويقول المسؤول الاعلامي في «تيار المرده» «كلما اقتربت التوجهات السياسية من بعضها كلما شكّلت أرضاً خصبة لتطور العلاقة الشخصية». فك رموز هذه المعادلة لا يحتاج الى الكثير من التحليل.

«في مرحلة معينة، يضيف فرنجية، كانت المعارضة في مكان وسعد الحريري وفريقه السياسي في مكان آخر، ولم يكن هناك من مجال للتواصل المباشر بحكم الفرز السياسي الحاد. لكن منذ تسمية الحريري رئيساً للحكومة، نسجت بدايات علاقة شخصية أظهرت وداً متبادلاً بالرغم من مرحلة التوتر السابقة. لكن في السياسة لا نرى الأمور مستقيمة إلا وفق المعادلة التي كانت تحكم علاقة فرنجية بالرئيس الراحل رفيق الحريري الذي كان يمثل جزءاً من خطنا السياسي الوطني».

في معادلة الثقة التي دفعت الحريري الأب الى الاعتراف بأن أصدقاءه هم نبيه بري ووليد جنبلاط... وسليمان فرنجية. أيضاً هي معادلة «الاحترام المتبادل» للأحجام السياسية لكل من فرنجية و»الشيخ رفيق»، والتزام الأخير من دون «تحفظ» بـ»الخط الوطني» الذي ينتمي اليه تاريخياً «أبو طوني».

لكن بقدر ما رأى النائب فرنجية في زيارة الحريري الى سوريا ايجابيات قد تسرّع لغة التواصل بين الرجلين، بقدر ما رصد جملة مؤشرات «ما بعد الزيارة» أوحت وكأن سعد الحريري ما زال «ضائعاً» بين خيارين، متجاهلاً النصيحة التي أسداها اليه فرنجية بالعلن عندما دعاه الى «اختيار الأصدقاء والشرفاء الحقيقيين في الوطن بغض النظر عن الاقتناعات السياسية لكل منهم». وفي ميزان بنشعي، العلاقة الشخصية مرتبطة بتطور العلاقة السياسية... وهذا ما لم يلمسه «البيك» حتى الآن.

على سبيل المثال لا الحصر، لا يستوعب فرنجية إعلان الحريري وقوفه مع المقاومة فيما تقف خلفه جوقة معادية لسلاح المقاومة. ينادي «تيار المستقبل» بنزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، أما «سلاح الداخل» فيبقى الرافعة الأساسية للتوطين. يصوّر الحريري نفسه رئيساً لحكومة الوحدة الوطنية، ونراه مترئساً اجتماعاً لقوى 14 آذار يعلن فيه اتحاده مع هذه القوى «حتى الموت»... هي سياسة «إجر في البور وأخرى في الفلاحة» التي يرفضها زعيم «تيار المرده» وتمقتها سوريا، خصوصاً إذا كان النصف الحريري «الآخر» يتمسك بتحالف مع قوى تصنّفها دمشق، كما فرنجية، بـ»المعادية» وغير المنخرطة في النسيج اللبناني «المقاوم».

اللافت للانتباه ان فرنجية لا يقيس تطور المسار على خط بنشعي - بيت الوسط بالنظر فقط الى تطور العلاقة بين الحريري والرئيس الأسد. هي مؤشر حاسم لكن ليس الوحيد ضمن «سلّة شروط» وطنية يرفعها «البيك» بوجه «الشيخ».

وبينما هناك من يردد في الكواليس المعارضة أن ثمة «ايعازا» سوريا لفرنجية بفرملة اندفاعته تجاه رئيس الحكومة ريثما تتوضّح معالم «خارطة الطريق» للسرايا الحكومية. ينفي المحامي سليمان فرنجية هذا الأمر قائلاً «لا أحد يعطي ايعازاً للنائب فرنجية وهو الذي سلك المسار الانفتاحي تجاه العديد من القوى السياسية من دون تكليف من أحد، من ضمن العلاقة الاستراتيجية التي تربطه بدمشق...»

في المحصلة، ثمة معادلة ثابتة تحكم مسار العلاقة بين «الزعيمين» الشابين. سعد الحريري هو «رجل السعودية» الأول في لبنان، وسليمان فرنجية هو «رجل بشار الأسد» الأول في لبنان. الأول رئيس حكومة اليوم وعضو دائم في نادي رؤساء الحكومات والثاني من موقعه الماروني عضو في نادي أبرز المرشحين الدائمين لرئاسة الجمهورية... والتواصل على خط بنشعي - بيت الوسط سيكون في كافة مراحله، مرآة لمدى «تفاعل» العلاقة، سلباً أو ايجاباً، بين الرياض ودمشق.

Script executed in 0.20070195198059