أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

اللعب فوق الطاولة وأسفلها

الأربعاء 24 آذار , 2010 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,030 زائر

اللعب فوق الطاولة وأسفلها

الناس المتروكون في الشارع يشاهدون كل مرة صوراً مختلفة، مرة لرفيق الحريري وأخرى لابنه، ثالثة لمحمد الصفدي ورابعة لنجيب ميقاتي، ودائماً ثمة صورة لشخص من آل كرامي، ثم تكر السبحة مع من هبّ ودبّ وطمح وطمع ليدخل البرلمان أو الحكومة أو البلدية، أو يترأس نقابة أو حتى أن يكون مختاراً في الغرباء أو أحد مسالك باب التبانة.

وفي كل أزمة تمرّ بالبلاد يكون لطرابلس منها نصيب. وفي المدينة هناك من يلعب على الطاولة وأمام أعين الجميع، وثمة من يلعب تحت الطاولة متستّراً بما يكفل عدم تشويه صورته أو يقيه المعارك الخاسرة والمباشرة. والكل تقريباً يجاري الشارع، الذي لم يعد معروفاً هل راكم كراهية لسوريا وانفجر في لحظة من يوم شباطي كئيب، أم أن هناك من راكم فوق امتعاض الشارع من ممارسات سورية، وفجّره في ذلك النهار وفقد السيطرة عليه (جزئياً)؟

في كل الأحوال، إن كلام محمد الصفدي في واشنطن، إلى الحراك غير الظاهر على السطح لنجيب ميقاتي، إلى حركة التضامن مع المدير العام لقوى الأمن الداخلي أشرف ريفي، وصولاً إلى حفلة التضامن مع القدس التي أقامها المفتي مالك الشعار ومن بعده الاحتفال الذي أقامه عمر كرامي للغرض نفسه، ثمة صراع دائم على القيادة هناك، بفكرة مسبقة هاجسية بأن من يحكم طرابلس من السنّة يتأهّل لاحتلال الكرسي الثالث في لبنان.

حين ألقى الصفدي مداخلته، كان يكرر موقفه المعلن من موضوع المقاومة. لم يأت بجديد، ولكن هناك من سرّب الخبر بطريقة خاطئة إلى إحدى الصحف الخليجية، التي أصرّت على أنها تمتلك تسجيلاً للمداخلة، ولكن كل من حضر يومها سمع من الرجل كلاماً يعيد فيه شرح الموقف نفسه: «لو كان حزب الله يريد أخذ لبنان لفعل في السابع من أيار، فلا هو يريد أخذ لبنان ولن نعطيه نحن هذا الأمر»، هذا ما قاله. ومن سرّب الخبر بالطريقة الخاطئة ليس إلا حليف الرجل، فهو يكرر أنه متحالف مع رئيس تيار المستقبل، ولكنّ التيار يعمل ضده.

متاعب الصفدي قليلة، وقد تقتصر على مناوشات من بعض من في تيار المستقبل في الشمال، ولكن الرجل في السلطة، وفي الحكومة، على عكس الكثير من رموز المستقبل في طرابلس، وطموحاته المعلنة حالياً لا تبتعد عمّا يحققه.

اللواء أشرف ريفي كان يمكن أن يستفيد من حلقة التضامن معه في طرابلس في اليوم الأول، وربما في اليوم التالي، ولكن أن تتحول هذه الحملة إلى احتفال يومي يحييه ابن البلد، فما الذي يحقّقه الريفي وخلفه تيار المستقبل منه؟ عدا عن بعض البيانات المزلزلة التي يصدرها بلال دقماق ولا يجد من ينشرها له، فما الذي يمكن أن يتحقق، وخصوصاً أن من يعلّق اللافتات اليوم سيزيلها غداً ويعلّق غيرها لأطراف مختلفة. أضف إلى أن حملة التضامن الفوقية وبين أبناء فريقه من السياسيين أتت بمفاعيلها، إذ لم تحصر الرجل في النطاق الوظيفي، بل في نطاق جزء من قوى 14 آذار يتبع لطائفته لا أكثر، وما بقي يصدر في طرابلس لم يعد أكثر من تكرار لموّال ليس هناك من يصفّق له.

أما مفتي طرابلس مالك الشعار، فهو لم يجد من يقف بينه وبين الرئيس كرامي إلا ميقاتي، وتخلّى عنه الأقربون ممن كان يفترض أنه يخدمهم في دعوة القوات اللبنانية بشخص نائبها إلى الاحتفالات. ويعود هذا المفتي إلى دار الإفتاء بصفتها الملجأ الوحيد الباقي. ربما لم تنته طموحاته الأبعد مدى، إلا أنه حين يطلّ، أصبح يتحدث عن فلسطين والقدس، ويستقبل في اليوم نفسه السفيرة البريطانية.

ومن يتابع مجريات الأمور يعرف أن المفتي سيبقى مرحلياً في داره في الإفتاء، شاكراً حامداً، ولن يطلّ على الناس شاهراً سيف السياسة. فالمسألة سواء أكانت في حركة ريفي أم الشعار، فإنّ هذه المدينة فقدت حراكها السياسي بعد الانتخابات الأخيرة، فأتى من حاول تعبئة هذا الفراغ وفشل.

الرئيس كرامي يطلّ مجدداً، وبعكس المفتي، فهو يتحدث في لبنان بينما تكون المناسبة عن فلسطين. وهو إن كان حشد قليلاً بعنوان جذّاب لأهل السنّة، إلا أنه لن يراكم خارج سياقه، ليس الآن على الأقل، وطموحات فيصل كرامي لم تظهر بعد إلى العلن مترجمة في اختراقات، لا على المستوى السياسي ولا على مستوى الشارع، ويبدأ الأمر بالتحقق حين يبدأ كرامي الشاب بالأخذ من حصص منافسيه في المدينة.

في هذه الأثناء، إن الأطراف الرئيسية تُعدّ للانتخابات النقابية والمهنية القريبة، وهذه القوى تعلم أن استقرار الأمور على ما هي عليه يؤدي إلى إعادة إنتاج توافق عام 2009، وإذا ما جرى أي حراك بين ميقاتي والصفدي، فإنه سيُعيد إنتاج توافق انتخابات 2009، ولكن بظروف أفضل للطرفين الأخيرين.

Script executed in 0.20256400108337