ينطلق غريب في الإعلان عن استمرار الانتفاضة التربوية لاستعادة موقع أستاذ التعليم الثانوي، من الاعتصام المركزي في الرابع والعشرين من شباط الماضي أمام وزارة التربية والتعليم العالي، والذي أعلنت فيه هذه الانتفاضة لاسترجاع ما تبقى لهم من الستين في المئة التي أعطيت لهم منذ نصف قرن من الزمن، لقاء الزيادة في ساعات العمل والتي تساوي 35 في المئة، أي سبع درجات كحق مكتسب مكرس بالقانون 66/53.
وتعتبر تظاهرة أمس ثاني أكبر تظاهرة حاشدة ضمت الآلاف نفذتها روابط الأساتذة والمعلمين في آذار من العام الماضي، احتجاجا على رفض بعض المستشفيات استقبال المعلمين.
من كل الألوان والاتجاهات السياسية، حضروا إلى نقطة التجمع في ساحة بشارة الخوري، بواسطة الحافلات والسيارات، خصوصا من الشمال والبقاع والجنوب، مع ثقل لثانويات بيروت، رافعين شعارا واحدا: «إعادة الاعتبار لأستاذ التعليم الثانوي». مئات اللافتات التي رفعت تدل لأي ثانوية ينتمي أصحابها، جميعها كانت متشابهة في المضمون، أما في الشكل فكانت الحرية لكاتبها في اختيار ما يراه مناسبا من وحي الشعار الأساسي.
من ثانوية الهيشة في عكار والمطالبة بإعادة الاعتبار للأستاذ، الى ثانوية مواهب أسطى ـ طرابلس، وثانويات بكفيا، ضهور الشوير، غزير، ميفوق، طاريا في البقاع، وبدنايل، وحمانا في الجبل، الى عدلون في الجنوب، وثانويات حاصبيا ومرجعيون، بالإضافة الى ثانويات الضاحية وكم كبير من ثانويات بيروت، وجميعها تطالب باستعادة موقع الأستاذ واسترجاع الستين في المئة، و»لا عمل من دون أجر».
وكان لأساتذة المهنيات الرسمية حضور لافت، مع المشاركة الرمزية لطلابها، بعدما ألغيت مشاركة طلاب الثانويات تحسبا لدخول أطراف سياسية الى التظاهرة، وتجيرها في غير الاتجاه المرسوم لها بأن تكون نقابية فقط. ورفع طلاب المعهد الفني التربوي لافتة: «بدنا التعليم الفني يتساوى بكل التعليم، وما بيتحقق هالشي إلا بقوانين ومراسيم»، أما لافتة طلاب مجمع بئر حسن الفني فجاء فيها: «التعليم الفني مهمل.. ما في مسؤول».
وشارك وفد من لجنة اساتذة مادة المعلوماتية المتعاقدين في التعليم الثانوي مطالبين بتدريس المواد الإجرائية «المعلوماتية، التكنولوجيا، اللغة الأجنبية الثانية».
وحول المشاركة اللافتة لمناصري «تيار المستقبل»، خصوصا من بيروت والشمال والبقاع، علما أن وزير التربية والتعليم العالي د. حسن منيمنة قد أبدى استغرابه من سلسلة الاعتصامات والإضرابات، أوضحت أمينة سر فرع بيروت في الرابطة غادة الزعتري (تيار المستقبل) لـ«السفير» أن التحرك هو مطلبي ونقابي ولا علاقة للقوى السياسية فيه، وان قطاع التربية والتعليم في تيار المستقبل هو جزء من الحركة النقابية، وتمنت رفع المطالب الى الحكومة لتتخذ مجتمعة القرار.
قرابة الحادية عشرة والربع، انطلقت التظاهرة من ساحة بشارة الخوري، سالكة طريق البسطا الباشورة مرورا بمحاذاة جسر محمد خالد، بعدما أمنت قوى الأمن الداخلي سير المتظاهرين، يتقدمهم رؤساء الروابط وممثلو النقابات التربوية. تعود الذكريات بأحد الأساتذة الى تظاهرات الستينيات والسبعينيات، قائلا: «والله كانت أيام، وعم ترجع الحركة النقابية للشارع».
والعودة الى الشارع تتمثل برأيه من خلال إطلاق الهتافات والشعارات، وتردادها، وهذا ما حصل أمس، فقد تقدم المسيرة النقابي إبراهيم أيوب ومذياعه، لتبدأ معها المسيرة: «نحميك يا ثانوية بروحي وقلبي وعيناي.. استاذك هو الحارس وين الساعات الإضافية»، ليرتفع بعدها عيار المخاطبة: «برحمة بيك يا شيخ سعد.. خلي الذمة قوية.. وأحسمها يا أبو مصطفى، بالمشاريع القانونية». و«يا أستاذ خليك طالب لتحقيق المطالب»، و«كل ما نزلنا على الشارع.. ما بدنا نشارع». يتحمس أساتذة التعليم المهني والتقني، فيقول أحدهم: «هيدا التعليم الفني صنع لحالو أمجادو.. طالب منك بس حقوقو ينعادو»، و«وزير بيجي وبيروح.. وبعدنا على ذات الحالة».
وقرب مركز الباشورة الصحي، ينبري أحد الاساتذة هاتفا: «بدنا نعلم بدنا نعيش». يرد أحدهم: «من وين بدنا نعمر، وين المصاري؟»، يقاطعه زميل له مصححاً: «بدنا نعلم مش نعمر».
وبعد نصف ساعة من المسيرة، تصل التظاهرة الى ساحة رياض الصلح، حيث كان في انتظارها عشرات الأساتذة والنائب د. قاسم هاشم، وأيضا التدابير الأمنية المشددة والحواجز الحديدية الأمنية، لتبدأ معها عملية حشر المتظاهرين في بقعة صغيرة، لم تتسع لهم، وبعد مفاوضات مع أحد الضباط، يتم إرجاع الحواجز بضعة أمتار، مع إفساح مكان للخطباء والإعلاميين.
ويؤكد د. هاشم لـ«السفير» أنه مع انتهاج كل السبل لتحقيق المطالب، وعلى المسؤولين الاستجابة لها. وشدد على الوقوف الى جانب هذه الشريحة المتعلمة نظرا لأهمية مطالبها: «إعطاؤها مطالبها وحقوقها هو فعل وطني، وإذا كانت الحكومة جادة عليها ترجمة بيانها الوزاري والقيام بواجبها تجاه هذه الشريحة حتى لا تضطر الى اللجوء الى أسلوب أخر».
يستهل أمين سر رابطة التعليم الثانوي محمد قاسم كلمته بعدما اعتلى إحدى المنصات الحديدية، بالإشارة الى أن التظاهرة هي رد على الذين راهنوا على تعب الأستاذ الثانوي والمهني والتعليم الأساسي، ثم ليعلن افتتاح التظاهرة بالنشيد الوطني إنشادا، وتابع: «الاساتذة يثبتون ومعهم كافة القطاعات إنهم يد واحدة وقد اجتمعوا أمام السلطة السياسية من حكومة ومجلس نيابي ليحملوها المسؤولية الكاملة عما آلت إليه أوضاع التعليم الثانوي». وأكد «عدم التراجع عن المطالب».
ثم ألقى كلمة المجلس المركزي لرابطة التعليم الأساسي كامل شيا، فقال: «اننا نوجه رسالة الى المسؤولين لعلها تصل الى أسماعهم، ونعلن تضامننا الكامل مع التحرك المطلبي لرابطة اساتذة التعليم الثانوي حتى الحصول على المطالب».
وألقى كلمة رابطة اساتذة التعليم المهني والتقني الرسمي رئيس الرابطة جورج قالوش، فقال: «بالأمس احتفلنا بعيد المعلم وكانت رغبة المعلمين في عيدهم ان تعاد لهم مكانتهم في المجتمع، فلا يريدون سماع كلمات اللامبالاة بمطالبهم او المماطلة لكسب الوقت، وهذا ما يخلق انطباعا سلبيا لدى الاساتذة، لأن الاستاذ هو المعيار الرئيس في منظومة الجودة، ولا بد ان يشعر بالرضى الوظيفي. لذا نعتبر المعركة اليوم نحن وزملاءنا في التعليم الثانوي معركة كرامة بامتياز لاستعادة موقع الاستاذ الثانوي من جهة، والمهني والتقني من جهة أخرى. ونطالب اليوم بتحسين نوعية التعليم الرسمي وضمان جودته في مجاليه التقني والأكاديمي العام والمطلوب فتح المسارات بين التعليم المهني والتقني من جهة والتعليم العام من جهة أخرى».
وختم: «ان رابطة اساتذة التعليم المهني والتقني ستكون جنبا الى جنب مع رابطة اساتذة التعليم الثانوي للدفاع عن حقوق الاساتذة ومكتسباتهم، وسوف تصعد الاحتجاجات في حال عدم استجابة المسؤولين للمطالب».
وألقى كلمة نقابة المعلمين في المدارس الخاصة نائب رئيس النقابة يوسف البسام فأعلن «الوقوف صفا واحدا الى جانب الاساتذة الثانويين في خندق واحد لإقرار الستين في المئة أي الدرجات السبع».
وأخيرا، تحدث رئيس رابطة اساتذة التعليم الثانوي حنا غريب، فاعتبر التظاهرة «يوم الغضب الساطع واستعادة المشهد الذي لم يتغير». وقال: «جاء الأساتذة والمعلمون من الجنوب والشمال والبقاع والجبل وبيروت لتوجيه الرسالة للمسؤولين جميعا، وها نحن أساتذة التعليم الثانوي الرسمي والمهني والتقني عدنا من جديد، عدنا ونحن أكثر وحدة، أكثر تصميماً، أكثر قوة وعزيمة يجمعنا الهدف الواحد، والمطلب الواحد: إعادة الاعتبار لموقع أستاذ التعليم الثانوي الرسمي والمهني والتقني». وأشار الى «محاولات لثني الاساتذة عن التظاهرة»، وقال: «حاورنا وعقدنا لقاءات واعترفوا بحقوقنا ووعدونا لكن الأقوال بقيت أقوالا ولم تترجم الى أفعال. كانوا يريدون الحوار للمساومة لكننا لم نحقق مطلبا إلا بالتظاهر والإضراب».
أضاف: «منذ 12 سنة ونحن نعمل من دون أجر عن الساعات الإضافية، فإلى متى سنبقى ننتظر وقد دفعت حقوق المواطنين جميعا بالمفعول الرجعي وهذا حق لهم لكن لماذا غصت أياديكم وحناجركم عندما طالبنا بدفع الـ 35 في المئة أو الـسبع درجات؟».
ودافع عن تعطيل الدروس بسبب الإضراب، قائلا: «هؤلاء أولادنا وفلذات أكبادنا ونحن نعلمهم ولم نتوقف منذ 12 سنة ومن دون اجر لكن انتم تحرمون الطلاب من المواد الإجرائية».
وإذ أكد غريب ان «راتب المعلم انخفض مقارنة بالحد الأدنى للأجور»، طمأن المعلمين الى «صلابة موقف الرابطة ومعها القطاعات كافة وان القرار اتخذ»، ودعا المجلس المركزي الى «الاجتماع خلال أسبوعين للتصويت على قرار التصعيد وبرنامج التحرك من إضراب واعتصام وتظاهر وصولا الى ابغض الحلال...»، و«أبغض الحلال» تركها لمجلس المندوبين ليعلن عنها، منبها المسؤولين من «الواقعة» قائلا: «أنتم من يتحمل المسؤولية برفضكم إقرار مطلبنا».
وفي الختام، دعا قاسم الى انفضاض التظاهرة، مع التأكيد على لقاء قريب في ساحة النضال في حال لم تنفذ المطالب.