أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«تطييف» كارثة الطائرة الإثيوبية!

الأربعاء 24 آذار , 2010 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,499 زائر

«تطييف» كارثة الطائرة الإثيوبية!

فالكتاب يقترح تقديم مساعدة لكل أسر الضحايا بمعزل عن حاجة أكثريتها إليها، وذلك لأن الأسر المحتاجة إلى المساعدة فعلياً تنتمي إلى مذهب واحد، فضلاً عن أن الإقرار الرسمي بوضعيتها قد يرتّب مساعدات على مدى طويل!

يدرس مجلس الوزراء في جلسته العادية اليوم طلباً تقدّمت به وزارة الشؤون الاجتماعية لمنح عائلات ضحايا حادثة الطائرة الإثيوبية مساعدة مالية بقيمة 20 مليون ليرة لكل عائلة، وذلك تحت عنوان «بدل تدخّلات اجتماعية»... قد يبدو الأمر، حتى الآن، عادياً، ولا سيما أن هناك عائلات محتاجة إلى المساعدة فقدت معيلها في هذه الحادثة، وبالتالي يجب على الدولة أن تدعمها مباشرة وبسرعة... إلا أن مضمون الكتاب الذي رفعه الوزير سليم الصايغ إلى رئيس الحكومة سعد الحريري، وأُدرج بنداً على جدول الأعمال، يتجاوز مبدأ التدخّل الواجب ليجسّد نموذجاً فاقعاً عن مأزق «الدولة» في لبنان والعقلية «الهدّامة» التي تتحكم بإدارة شؤونها وشؤون مواطنيها ومالها العام.

20 عائلة محتاجة للمساعدة

فالكتاب المذكور ينطلق من الإقرار المسبق بأن البيانات المجمّعة أظهرت أن هناك 10 عائلات فقط في حالة اجتماعية سيئة، وأن هناك 10 عائلات أخرى تواجه صعوبات متنوعة، لم يحدّدها، أمّا بقيّة العائلات، وعددها 30 عائلة، فهي في أوضاع متفاوتة (متوسطة وميسورة) تسمح لها بمواجهة أوضاعها المعيشية من دون صعوبات، رغم فقدانها أحد أبنائها...

إلا أن المشكلة، بحسب هذا الكتاب، أن اقتصار تقديم المساعدة الحكومية على العائلات المحتاجة يخلّ بـ«التوازن» الطائفي والمناطقي، إذ إن جميع هذه العائلات تنتمي إلى محافظة واحدة ومذهب واحد، «ما قد يجعل المنحة الاجتماعية مادة للاستغلال السياسي أو المذهبي، نحن بغنىً عنها»، بحسب ما ورد في الكتاب نفسه. كذلك فإن «الاعتراف الرسمي بوضع عائلات معينة، قد لا يكون ممكناًَ في ضوئه حصر التدخل في فترة زمنية محددة، وهو قد يلزم باستمرارية التقديمات، وإحداث بلبلة لا طائل منها». وهذه العبارة مأخوذة حرفياً من الكتاب نفسه أيضاً، فضلاً عن أن عدم مساواة عائلات الضحايا، بمعزل عن معيار الحاجة المادّية، قد يؤدّي إلى «إحداث بلبلة».

انطلاقاً من هذه الأسباب، يقترح الوزير الصايغ إقرار سقف مالي للمساعدة (20 مليون ليرة) تستفيد منه كل عائلات الضحايا من دون تمييز أو استثناء، مشيراً إلى أن هذا الخيار هو «المناسب والأفضل»، لأن من شأنه تهدئة روع الأهالي وتفادي أي «مطالبات مستقبلية»، فضلاً عن أنه يترجم تحسس الدولة بأوضاع هذه العائلات ويحصر كلفة مساعدتها (نحو مليار ليرة) ويحول دون استغلال هذه العائلات لأي هدف.

نموذج «الدولة» القائمة

يختصر مضمون هذا الكتاب صورة الدولة القائمة، فالمعايير المحددة لا تكتسب أي أهمية، وكذلك الحاجات أو الأولويات، إذ لا يهم إذا كانت العائلة فقيرة أو ميسورة، إذا كانت تحتاج إلى المساعدة أو لا تحتاج إليها، بل ما يهمّ هو قيدها الطائفي ومكان سجلّها وقدرة السياسي على استغلالها وادعاء تمثيل مصالحها، وهو ما يمثّل تجاوزاً واضحاً لمفهوم «التدخّل الموضعي» عبر «مساعدة اجتماعية» تستبق التعويضات المالية التي ستترتّب بعد تحديد المسؤوليات عن حادثة الطائرة.

هذه الصورة يمكن تلمّسها في كل الممارسات التي أسهمت في تعظيم مأزق الدولة وترسيخ سمات انهيارها «الأخلاقي»، فهذا ما حصل في تعويضات المهجرين والمحتلين وتعويضات الحروب والأحداث الأمنية والانفجارات وعمليات الاغتيال... وهذا ما حصل في مشاريع البنية التحتية، وفقاً لمفهوم الإنماء المتوازن المشوّه، كإقامة معمل «سُنّي» لإنتاج الكهرباء في دير عمار ومعمل «شيعي» في الزهراني في مقابل معمل «مسيحي» في الزوق ومعمل «درزي» في الجيّة...

وهذا ما يحصل في كل أوجه ما يسمّى الإنفاق الاجتماعي في الصحّة والمستشفيات والتعليم والمدارس وفي الصناديق والمجالس والمساهمات للجمعيات المسماة «أهلية» أو «خيرية» والمهرجانات الموزّعة بين الطوائف ومناطقها، وإلى آخر اللائحة المعروفة التي كانت سبباً من أسباب تنامي العجز المالي والمديونية العامة في مقابل تراجع الدور التوزيعي للدولة وضمور هيبتها وقدرتها على بسط سلطتها وسيطرتها!

دور وزارة الشؤون الاجتماعية

لا شكّ في أن كتاب الوزير الصايغ يمثّل مناسبة لإعادة تحديد مفهوم «الرعاية الاجتماعية»، التي يجب أن تضطلع وزارة الشؤون الاجتماعية بدور محوري في إرسائه وتعميمه. فهذه الوزارة أُنشئت بغرض تنظيم وإدارة وتنفيذ برامج موجّهة إلى فئات اجتماعية محددة، دون غيرها، بهدف لملمة أوضاعها المأسوية الناجمة عن السياسات المدمّرة اجتماعياً منذ أن كشفت بعثة إيرفد في الستينيات عن حجم الفروق الاجتماعية والمناطقية. فقد برزت منذ ذاك الحين حاجة ملحّة إلى التدخل لرعاية الأسر الفقيرة المقيمة في أحزمة البؤس حول مركز النشاط الاقتصادي في بيروت والأسر الريفية التي لا تزال تدفع أثماناً باهظة من جرّاء تدمير مقوّمات عيشها واستمرارها.

هذه الوظيفة لوزارة الشؤون الاجتماعية، وهي لم تمارسها قط، تُلزمها بالعمل لتمكين الأسر الفقيرة بمعزل عن الانتماء المذهبي أو المناطقي، وهذا أمر يأخذ بعده الخاص في ظروف لبنان، إذ إن أكثرية هذه الأسر تنتمي إلى مذاهب محددة ومناطق محددة، وبالتالي لا يجوز أن يطيح معيار الانتماء كل المعايير الأخرى.

لقد تصرّف الوزير الصايغ في كتابه كالمحامي أو صاحب الشركة الذي ينوي تصفية أعمالها وصرف موظفيها، فتجاهل موقعه وزيراً للشؤون الاجتماعية، وركّز جهده على كيفية إعفاء الدولة من واجباتها تجاه الأسر التي تحتاج إلى دعم وحماية فعليين على المدى الطويل، مقترحاً عدم «الاعتراف الرسمي» بوجودها، لأن ذلك، برأيه، سيرتّب استمرارية للتقديمات «لا طائل منها»، وهذا ما يدلّ عليه كتابه الذي يطلب دفع 20 مليون ليرة لكل عائلة، ومن ثَم نسيان أمرها. علماً بأن المهمّة التي أوكلت إليه تقضي باقتراح سبل مساعدة العائلات المحتاجة في مجالات التربية والتعليم، الطبابة والاستشفاء، الاحتياجات الحياتية، والتوجيه القانوني للمطالبة بالحقوق.

لماذا كل هذا التعب؟ هكذا ينصح الكتاب ـــــ الفضيحة، فلنشترِ سكوت عائلات الضحايا بمبلغ 20 مليون ليرة لكل منها، هكذا «أفضل ومناسب»، ولنقفل ملفاً أظهر «حكومة الوحدة الوطنية» كمجموعة هواة مربكين طائشين، عطّلوا الدولة وصرفوا شهراً كاملاً على البكاء في جلسات لم تنتج قراراً واحداً يمكن أن يساعد أهل الضحايا على تجاوز المصيبة، طبعاً ما عدا قراراً واحداً قضى بتشريع عمل سفينتين تبحثان «خلسة» عن الذهب الغارق في البحر! لقد زادوا على المصيبة مصائب كثيرة.

20 مليون ليرة

هو السقف الذي يقترحه الوزير سليم الصايغ لتقديم مساعدة مالية لنحو 50 عائلة أصابتها حادثة سقوط الطائرة الإثيوبية، مشيراً إلى أن هذا الخيار هو المناسب والأفضل، لأنه يحصر الكلفة المترتبة على الدولة بمبلغ محدّد.

الكتاب ـــ الفضيحة

يقول سليم الصايغ في كتابه ــــ الفضيحة إن إقرار التدخلات للعائلات التي تواجه أوضاعاً اجتماعية دقيقة له محاذير عدة، أبرزها:

1) إحداث بلبلة بين أهالي الضحايا تنطلق من عدم مساواتهم بالمعاملة ذاتها.
2) اعتراف رسمي بدقة وضع عائلات معينة، ما قد يلزم باستمرارية التقديمات.
3) عدم توازن العائلات المحتاجة مناطقياً ولا طائفياً، ما قد يجعل المنحة الاجتماعية مادة للاستغلال السياسي أو المذهبي. لذلك، فإقرار المساعدة للجميع، من شأنه عدم الإفساح في المجال لأي مطالبات مستقبلية.

Script executed in 0.18732810020447