لم تحل السنوات الاحدى والتسعون دون رغبة سليمان الملَ بإنجاب المزيد من ألأبناء. فـ«أبي حيدر» كما يحب أن يناديه الجميع، بعد ولادة طفله حيدر منذ أقل من أسبوعين، على الرغم من تقدّمه في السنّ ، ما زال يتمتع بعزيمة قوية وبصحة جيدة يضاهي بها أحفاده البالغ عددهم 56 حفيداً بعد أن أصبح أبناؤه من زواجه الأول أجداداً منذ سنين طويلة.
يذكر ابو حيدر تماماً أواخر الحرب العالمية الأولى وحرب الدنادشة مع الفرنسيين، فـ«سليمان» كان حينـها شاباً بالرغم من أنه من مواليد 1919 بحسب الهوية، لكنه يستدرك ليقول «وقتها ما كانوا يطلعوا الهويات الا حتى يصير الواحد شبّ». وعليه فإن عمره يتجاوز التسعين على الأرجح، ورغم ذلك فإن قامته الممشوقة ورشاقته ونباهته لا تشير أبداً إلى عمره.
ينسى محاور ابي حيدر أنه يتعامل مع رجل تسعيني. كلما تقدم ابن العبودية بالعمر ازداد حباً وتعلقاً بالحياة، لهذا عمد الى «تجديد» حياته كما يقول، عندما أقدم على الزواج ثانية عن عمر يناهز 84 عاماً، لـ«يخلع» عنه «صفة العجز والكهولة» رغم فقر حاله وعدم وجود معيل للعائلة أو أي مصدر رزق يمكن أن يرد عنه شبح الفقر والعوز، لكون زوجته الأولى متوفاة ويعاني أبناؤه الذكور من إعاقات وأوضاع اقتصادية سيئة.
«هذه الأسباب ليست كافية للاستسلام»، بحسب أبي حيدر لذلك أقدم على الزواج ثانية، وبالطبع «لا تتجدد الحياة من دون أطفال يملأون عليه المنزل فأنجب من سميرة (45 سنة) خمس إناث، وحيدر، المولود الجديد الذي غيَّر الكثير في حياة والديه منذ صرخته الأولى، التي انتظرها الوالد في المستشفى بفارغ الصبر، «كأنها المرة الأولى التي أرزق فيها بطفل».
يعجز سليمان عن «وصف» شعوره في تلك اللحظة فيروي أنه عندما علم بـ «مجيء الصبي» خلع كوفيته، وطلب من الممرضة لفها عليه، مؤكداً حبه لأولاده جميعاً الا أن حيدر «غيِّر شكل»، وعند سؤاله عن أحفاده فيجيب «ما أغلى من الولد الا ولد الولد».
لا يملك أبو حيدر شيئاً يمكن أن يسنده في تربية أطفاله سوى «صحته الجيدة» فهي «رأس ماله الوحيد» إذ لا يعاني من أي مشكلة صحية ولا يشرب الأدوية، بل يعتمد على خلطته الخاصة التي تمده بالقوة والحيوية، وهي عبارة عن مجموعة من الأعشاب يعمد إلى جمعها من البرية، لهذا هو لا يمانع من مزاولة العمل عندما يأتيه من يطلب المساعدة في الأرض أو البناء خصوصاً أن عضلاته وصلابة يديه تشكل حافزاً للعديد من أبناء البلدة الذين يتذكرونه بين الحين والآخر، إن بطلبه للعمل أو ببعض المال كي يتمكن من إطعام أطفاله.
واليوم لا يشغل بال أبي حيدر سوى كيفية تربية أطفاله وتلبية متطلباتهم المعيشية، «على الأقل تأمين المأكل والطبابة فأنا لم أستطع تسديد تكاليف المستشفى كافة لأن حيدر بالرغم من صحته الجيدة (حيث بلغ وزنه عند الولادة أربعة كيلوغرامات)، إلاَّ أنه بقي أحد عشر يوماً في العناية بسبب ضيق في التنفس، فيما تعاني زينب (الوسطى) من الربو» مشيراً بإصبعه إلى جدران الغرفة التي يقطنها فهي رطبة ومتصدعة ويستخدمها لإعداد الطعام والنوم في آن واحد.
لا يخفي أبو حيدر عتبه الشديد على الدولة التي لم تحفظ مسنيها متسائلاً عن قانون الشيخوخة وحقه بالضمان الصحي والاجتماعي، معرباً عن خوفه من عدم قدرته على إعالة أطفاله الخمسة خصوصاً أنهم في مرحلة تتطلب الكثير من الاهتمام والرعاية والتعليم، «أما حيدر وهو آخر العنقود»، يقولها بغصة لبعض الوقت، «فلا أتمنى سوى أن يمدني الله بالعمر لأراه شاباً».
لا تؤثر ظروف حياته الصعبة على حبه لأولاده ورغبته الشديدة بإنجاب المزيد «لكن صحة فاطمة» لا تساعده على ذلك حيث ان الطبيب حذرها من الانجاب ثانية»، توافق فاطمة زوجها الرأي مشيرة إلى أنها تترك له الاهتمام بكل شيء، فهو من كان يصطحبها إلى الطبيب للمعاينة وهو من رافقها الى المستشفى يوم الولادة، وبالتالي هو من يهتم حتى بأدق التفاصيل... فذاكرته لا تخيبه أبداً على عكس زوجته الدائمة النسيان حتى أنها لا تذكر اسم الطبيب الذي عاينها.