عندما نوى لبنان إعادة تأهيل مغارة جعيتا بعد الحرب الأهلية، لم يكن لديه خبرة لإتمام عقود مع القطاع الخاص. تمت المسألة بطريقة غير قانونية، أسست لواقع في هذا المرفق الجذاب يستمر مشوّهاً حتى أيامنا هذه، بحماية سياسية. هل هناك بوادر جدية لحلول جذريّة؟ هل تنتقل المعركة من «معركة بلدية جعيتا» إلى «معركة الشعب اللبناني»؟
يزور مغارة جعيتا سنوياً حوالى 280 ألف نسمة، ولكن معظمهم على الأرجح لا يدرون بالتناقضات التي تحكم إدارة هذا المرفق الحيوي للسياحة اللبنانيّة.
الحقيقة أنّ إعادة تأهيل هذا المعلم الجميل الواقع في وادي نهر الكلب بعيداً 18 كيلومتراً عن بيروت شمالاً، كانت عمليّة مشوّشة مثلما كانت عليه الأمور إجمالاً بعد الحرب، وامتدّ التشويش وتطوّر صراعاً بين بلديّة جعيتا والشركة التي تعهّدت إعادة تأهيلها «ماباس» (MAPAS).
تنشيط معقّد
تبدأ القصّة بين عامي 1993 و1994، عندما قرّرت الدولة المترهّلة حينها (وحالياً!) ترتيب أمور المغارة لتنشطها بعدما كانت قد استخدمت لتخزين الأسلحة والذخائر خلال الأيّام الدمويّة... وهدف الدولة حينها كان طبعاً التحضير لأيّام ورديّة!
تولّت وزارة السياحة، في عهد الوزير نقولا فتوش، الإعداد لهذه العمليّة. غير أنّ العقد الذي أبرم مع الشركة المتعهّدة، وهي مسجّلة في ألمانيا، «ماباس»، كان مشوباً بعقدة أقلّ ما يقال عنها إنّها جذريّة: عقد «BOT» (بناء تشغيل ونقل للدولة) تم بالتراضي بين وزارة الوصاية، ممثّلة بفتوش، والشركة ممثلة بمديرها نبيل حداد، من دون أن يصدر مرسوم بذلك من مجلس الوزراء، ومن دون قانون يجيز هذه العملية وينظّمها، باعتبار أن مغارة جعيتا تصنّف مورداً طبيعياً لا يجوز التصرّف به إلا بموجب قانون.
تعذّر الاتصال بالوزير السابق النائب نقولا فتوش لتوضيح الأسباب التي دفعته حينها لتلزيم العقد بالتراضي وعدم إحالته إلى مجلس الوزراء، إلا أنّ نبيل حداد برر ذلك بالقول «في تلك المرحلة كانت هناك صعوبات كثيرة لا يمكن تخيّلها الآن، ولهذا تمّ اللجوء إلى التراضي في إبرام العقد... وبالتالي فمن يرد أن يأتي وينتقد في عام 2010 فعليه أن يراجع تفاصيل المرحلة السابقة».
يوضح حداد أنّ «هذا العقد ليس الوحيد الذي تمّ بالتراضي، هناك استراحتا صور وصيدا، كما أن هناك مغاور أخرى في لبنان تسلّم للقطاع الخاص بهذا الشكل. ولكن هل هذا يعني أن المسألة قانونيّة بالنسبة لجعيتا التي لا تعد «استراحة» بل مرفقاً طبيعياً وطنياً؟
«بالطبع لا»، يجيب الخبير الاقتصادي، غالب أبو مصلح، الذي أجرى أخيراً مطالعة شاملة عن سياسات الخصخصة في لبنان. يقول إنّ المبدأ، أي القانون والعمل المؤسّساتي المناسب، «يفرض أن يوافق مجلس الوزراء على عقد «BOT» وأن تجري مناقصة (استدراج عروض ومعرفة أيّ منها أقلّ كلفة)... لأنّ التلزيم بالتراضي يعني فساداً وعدم اللجوء إلى القوانين والمؤسّسات». في المقابل، يشير وزير المال السابق محمد شطح إلى أنّه «يُحتمل أن يكون قد جرى توافق ضمني على تلزيم الشركة في مرحلة ما من عام 1994، يجيز قانونياً، أو حتّى عرفياً إذا صحّ التعبير، المضي قدماً بهذه العمليّة».
لقد نجحت الشركة بإعادة تأهيل المغارة في غضون 16 شهراً فقط بعد فوزها بالعقد، إلا أن مشكلة قانونيّة تلزيمها مغارة «جعيتا» بقيت تلاحقها، وقد أمّن ذلك لبلديّة جعيتا مدخلاً لتوجيه وابل من الانتقادات للشركة والدولة في آن، انطلاقاً من مجموعة مسوّغات، يطرحها رئيس بلديّة جعيتا سمير بارود.
يرى بارود أنّ عمليّة تلزيم المغارة لشركة «ماباس» «كانت عمليّة قرصنة على الدولة». وأحد المحفّزات وراء هجوم بارود هو عدم التزام الشركة باتفاق شفهي كان قد عُقد بين الأطراف المعنيّة، أي البلديّة والشركة ووزارة السياحة ووزارة المال، يقضي بموافقة الوزارة على الاستغناء عن جزء من حصّتها لمصلحة البلديّة.
وكانت الأمور قد تعقّدت بفعل «عدم وجود آليّة لتحويل الأموال من الشركة إلى البلديّة» بحسب حداد.
ويبدو أن الأمور متجهة إلى الحل على هذا الصعيد، وخصوصاً في ظلّ «امتعاض» في وزارة السياحة من كيفيّة سير المسائل، وفقاً لمطلعين على مجريات الأحداث.
فقد علمت «الأخبار» من وزارة المال أنّ كتاباً يُحضّر حالياً سيُوجّه إلى المعنيّين يقضي برفع حصّة البلديّة على حساب الماليّة.
ووفقاً للاتفاق الأساسي الذي أُقرّ في العقد المبرم في التسعينيّات، تحصل وزارة المال على 10% من عائدات رسم الدخول إضافة إلى 10% ضريبة على القيمة المضافة، وتحصل البلديّة على نسبة 5% فقط. أمّا وزارة السياحة فتحصل على نسبة 10%، ستصبح 15% بعد عامين و20% بعد 5 أعوام، وفقاً لما يوضحه نبيل حداد.
هذه التطوّرات تفيد بأنّ جزءاً من مشكلة بلدية جعيتا مع «ماباس» عولج، فهل ستقفل البلدية الملف؟ وماذا عن عدم قانونية تلزيم مغارة جعيتا؟
الدور والمستقبل
يشير سمير بارود إلى أنّ الشركة لم تكن مؤهلة للعمل في هذا القطاع، فهي كانت مسجّلة على أنّها شركة تجارية متخصصة بقطع الغيار.
ويضيف أن منحها العقد سبقته حملة لإيهام الرأي العام بأنّ الكلفة الإجماليّة لإعادة تأهيل المغارة ستكلّف ملايين الدولارات إذا قامت بها الحكومة.
ويردّ حداد على هذه المعطيات بالإشارة إلى «الإنجازات التي قامت بها الشركة»، فتلك الإنجازات «يجب إبرازها ويجب ألا تركّز بلديّة جعيتا على المردود المالي».
ولكن البلدية ترى أن من حقها ومن حقّ الدولة الاستفادة أكثر من هذا المعلم السياحي واستغلال عائداته في مشاريع التنمية والتطوير، وخصوصاً أنّ عدد العائلات التي تستفيد من هذه المغارة وصل إلى 70 عائلة، ويرتفع العدد كثيراً في أوقات الذروة. حتى الآن استطاعت «ماباس» أن تسيطر بالتراضي على واحد من أهم المواقع الطبيعية في لبنان والمنطقة عموماً، إلا أن بلدية جعيتا تمتلك أسلحة كثيرة إذا كانت جدّية في المواجهة، وتكفي الإشارة إلى أنها أوقفت أخيراً العمل في بناء حمّامات المغارة، «لعدم حصول الشركة على الترخيص المناسب»، بحسب بارود، والمعركة مستمرة حتى «يعود الحقّ إلى صاحبه».
حتّى الآن حُلّت عقدة بسيطة متعلقة بشق مالي، أي ابتكار آليّة لتحويل حقوق البلديّة إليها، أمّا العقدة الأكثر أهميّة فلا تزال تنتظر التسوية. تسوية يجب أن تجري بسرعة في المغارة المرشّحة لتكون من بين عجائب الدنيا السبع الجديدة وإلّا فستبقى المغارة على شفير النجوميّة!
2022 في عام
تستمرّ إدارة «ماباس» للمغارة حتّى هذا التاريخ، وفقاً للترتيبات المصوغة حتّى الآن. فقد مُدّد للشركة لفترة 5 سنوات ثمّ لفترة 4 سنوات.
2.2 مليار ليرة
الأموال التي حوّلتها «ماباس» إلى الدولة في 2009، كما حوّل 1.2 مليار ليرة إلى بلديّة جعيتا منذ إعادة افتتاح المغارة وفقاً لنبيل حدّاد.
1.4 مليار ليرة
عائدات رسوم الدخول في مغارة جعيتا سنوياً على اعتبار أن رسم الدخول يبلغ 5 آلاف ليرة. ومن المتوقّع ارتفاع العائدات مع نموّ القطاع السياحي.
نمو وتعقيدات
عندما كانت بعض الحلقات الاقتصاديّة في لبنان تتمتّع بمجيء أكثر من 1.8 مليون سائح خلال عام 2009، نمت عائدات إيرادات الحكومة من «الأماكن السياحيّة» بنسبة تقارب 50%، حيث بلغت 2.55 مليار ليرة.
ويتوقع استمرار ارتفاع هذا الرقم حيث سينمو قطاع السياحة بنسبة 20% خلال العام الجاري، بحسب وزير السياحة فادي عبود. هل يتطوّر دور المغارة بالتماهي مع تطوّر القطاع، أم أنّها ستبقى عالقة بتعقيداتها القانونيّة؟