ومعظم المراسيم التي صدرت في عهد حكومة الوحدة الوطنية يشبه ما تنتجه حكومة في آخر عمرها، لا في بداية عهدها.
في الأيام المئة الأولى من عملها، لم تترك الحكومة الحالية أسبوعاً من دون عقد اجتماع واحد على الأقل، سواء في السرايا الحكومية أو في القصر الجمهوري في بعبدا. لكنّ التدقيق في المراسيم التي صدرت في عهد حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى، يظهر أن أصحاب المعالي أضاعوا جزءاً لا بأس به من أوقاتهم في تلك الاجتماعات، إذ كان في إمكانهم الاكتفاء بعقد جلسة واحدة أو اثنتين.
كذلك، كان في إمكان الأمين العام لمجلس الوزراء سهيل بوجي إرسال معظم المراسيم المنشورة في الجريدة الرسمية (ابتداءً من العدد 62 تاريخ 31/12/2009، وصولاً إلى العدد 15 تاريخ 25/3/2010) بواسطة الفاكس إلى الوزراء كي يوقّعوا عليها، أو أن يفوّض إليه مجلس الوزراء إصدار هذه المراسيم التي لا يخضع معظمها لأي نقاش.
واقتراح التفويض هذا ليس تعدّياً على صلاحيات السلطة التنفيذية، بل يتماشى مع القرار الذي أصدره الرئيس سعد الحريري في اليوم التالي لنيل حكومته ثقة المجلس النيابي. فالقرار الرقم 121/2009 الصادر يوم 11/12/2009، ينص على إعطاء «تفويض دائم إلى المدير العام لرئاسة الحكومة الدكتور سهيل بوجي للقيام ببعض المهام المنوطة برئيس مجلس الوزراء وبتوقيع بعض المعاملات» (منشور في عدد الجريدة الرسمية الصادر يوم 17/12/2009).
ما يسمّيه القرار «بعض المهام» و«بعض المعاملات»، يبدأ من انتداب موظف ومحاسبته أو منحه مكافأة ووضعه خارج الملاك، وصولاً إلى عقد صفقات واتفاقات رضائية بمبالغ تفوق 35 مليون ليرة واستدراج عروض بمبالغ تفوق 100 مليون ليرة.
المراسيم التي يمكن من خلالها تعقّب إنجازات الحكومة بدأت بالظهور في الجريدة الرسمية ابتداءً من عددها الصادر يوم 31/12/2009. ومن أصل ما يزيد على 450 مرسوماً (منشوراً في الجريدة الرسمية في الفترة الممتدة بين نيل الحكومة الثقة ويوم 25 آذار 2010)، تبيّن أن حصة الأسد في العمل الحكومي كانت مخصصة لقبول الهبات، إذ صدر ما يزيد على 111 مرسوم قبول هبة (بينها 24 لمصلحة دار الفتوى والأوقاف)، فضلاً عن مرسومي تعديل مراسيم سابقة تتضمن قبول هبات. وفي إطار الهبات أيضاً، أصدرت الحكومة ثلاثة مراسيم تتعلق بإعفاء تجهيزات ومشتريات من الضرائب والرسوم، لأن ثمنها سدد من هبات أجنبية.
تتمثّل «أولوية» الحكومة الثانية في نقل الاعتمادات من احتياطي الموازنة، أو نقل اعتمادات في ما بين الإدارات العامة. وهذا الأمر يظهر في 74 مرسوماً، إضافة إلى أربعة مراسيم تتعلق بتوزيع اعتمادات.
النزول على سلّم الأولويات الحكومية يوصل إلى مفخرة الشعب اللبناني: الاغتراب. فقد صدر 58 مرسوماً للترخيص للبنانيين باكتساب جنسيات أجنبية، أو لإلغاء تراخيص مماثلة. والتزاماً بما أوردته الحكومة في بيانها الوزاري عن الاهتمام بالتعليم الرسمي وتعزيزه، صدر أكثر من ستّين مرسوماً بمنح تراخيص إنشاء مدارس خاصة أو معاهد فنية خاصة، أو لإجراء تعديلات على الاختصاصات التي تدرسها هذه المعاهد أو على ملكيتها. وفي الإطار ذاته، مُنحت إحدى الجامعات الخاصة رخصة تحويل معهد تابع لها إلى كلية، فيما سُمِح لجامعة ثانية بإنشاء كلية جديدة، إضافة إلى استحداث اختصاصات جديدة في إحدى كليات جامعة خاصة. أما مدرسة الليسيه الفرنسية في الأشرفية، فقد حصلت على ترخيص لاستخدام أملاك تابعة لبلدية بيروت لاستحداث ممر تحت الأرض.
أضِف إلى ذلك أن الاهتمام بأصحاب العقارات لا يزال أولوية لحكومة الوحدة الوطنية. ومن أجل ذلك، صدر 11 مرسوماً لبيع ما يُصنّف ضمن «فضلات الأملاك العامة»، وهي المساحات الصغيرة من العقارات المملوكة للدولة اللبنانية، التي تكون ملاصقة لعقارات خاصة، فيتقدم صاحب العقار بطلب لشراء هذه الفضلات. وعندما لم يتقدم أحد لشراء ملكية عامة، حضر مواطنان يريدان استئجار أملاك نهرية، فوافقت الحكومة بلا تردد.
بيع الأملاك العامة لم يقتصر على الأراضي، إذ باعت الحكومة مياهاً من نبع في جرود جبيل، بسعر لا يزيد على 60 قرشاً للّيتر الواحد. وهذا المرسوم لا يزال موضع اعتراض جدّي في المنطقة المذكورة، بعدما نكأ جراحاً مفتوحة منذ القرن التاسع عشر.
الاهتمام بشؤون الأفراد ليس حكراً على اللبنانيين، فالإخوة العرب لهم نصيبهم أيضاً. وفي هذا الصدد، مُنِح الأمير متعب بن عبد العزيز آل سعود رخصة شراء عقار في منطقة صوفر العقارية، تزيد مساحته على 10 آلاف متر مربع.
وبعدما حرص مجلس الوزراء على وضع تسعة مشاريع في إطار المنفعة العامة، انتقل إلى الهواية المحبّبة لدى الشعب اللبناني: إطلاق النار. وبناءً على ذلك، منح 17 ترخيصاً للاتجار بأسلحة الصيد وذخائرها. وفي أيام النقاش في الاستراتيجية الدفاعية، جددت الحكومة ترخيصاً لاستيراد أسلحة لمصلحة القوات المسلحة.
إنجازات الحكومة لم تتوقف عند هذا الحد. فقد صدرت ثلاثة مراسيم لإنهاء خدمات كتّاب عدل، إضافة إلى إنهاء خدمات ثلاثة قضاة، إما لبلوغهم السن القانونية، وإما بناءً على طلبهم. أضِف إلى ذلك أن أربعة قضاء سابقين قُبلوا في منصب الشرف. والوطن الذي لا يزال في صلب اهتمام العالم، صدرت فيه سبعة مراسيم تمنح تراخيص عمل لجمعيات أجنبية، أو تعدل أسماء بعض منها وأهدافها.
وللأمانة، فإن الحكومة أبرمت اتفاقات مع دول أجنبية، من أجل التعاون في مجال الصحة والزراعة والملاحة البحرية والأحراج والتدريب العسكري (تركيا)، أو في مجال الأمن الداخلي (فرنسا) أو لدعم وزارة الداخلية والبلديات في تطوير الخدمات المقدمة لتعزيز الإدارات المحلية (إيطاليا) أو مراقبة الغابات (إسبانيا). فضلاً عن ذلك، قصّرت الحكومة مدة العطلة القضائية، بهدف تفعيل العمل العدلي في لبنان.
ولكي يظهر وجه لبنان التراثي في أبهى حلله، صدر مرسومان ينصان على «إعارة قطع أثرية» إلى كل من مطرانية الروم الأرثوذكس في بيروت ومجلس النواب. وفضلاً عن تسيير شؤون المحاكم المذهبية بعدد لا بأس به من المراسيم، صدرت ثلاثة مراسيم عفو خاص عن مسجونين، في الوقت الذي لا تزال فيه الدولة عاجزة عن البدء بتنفيذ القانون الذي يسمح بخفض مدة الأحكام القضائية.
وفيما أصدرت الحكومة مراسيم لا تؤثر سلباً على الروح التوافقية التي تحكمها، كتعديل بعض الرخص الممنوحة لإذاعات تبث على موجة FM، أو تعديل بعض الأنظمة الإدارية والمراسيم التنظيمية (إضافة معاون لأمين السجل العقاري في كل من بيروت والمتن) والتعيينات الروتينية (المدير العام بالوكالة لقوى الأمن الداخلي مثلاً)، فإنها حرصت على ملء الشواغر في عدد من الهيئات (تعيين مراقبين مساعدين في ملاك وزارة المال، تعيين ثلث أعضاء مجلس إدارة غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان...). وفي هذا الإطار، توّجت عملها بتعيين رؤساء في كل من ديوان المحاسبة والتفتيش القضائي والتفتيش المركزي، إضافة إلى قيامها بأقل الواجب من خلال تعيين أعضاء في المجلس العدلي، المحكمة الناظرة في القضايا التي تمس أمن الدولة. أما زبدة أعمالها التعيينية، فكانت في لجنة الرقابة على المصارف.
وفيما لا تزال أعمال تجديد المحاكم اللبنانية وتطويرها مرهونة بما تمنّه علينا الدول الصديقة والشقيقة، منحت الحكومة سلفة خزينة لوزارة العدل تزيد قيمتها على 27 مليون دولار أميركي، من أجل توفير مساهمة الدولة اللبنانية في نفقات المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ولكي لا تُظلم الحكومة، ينبغي عدم إغفال إصدارها مراسيم ترتبط بمعيشة جزء من المواطنين، كالسماح بتقسيط ثمن لوحة تسجيل السيارة العمومية، إضافة إلى رفع الحد الأدنى للرواتب والأجور في مركز سلامة الطيران المدني، وفي المؤسسة الوطنية للاستخدام.
ولأنها حكومة للوحدة الوطنية، ارتأت تعزيز هذه الوحدة بعيد بشارة السيدة العذراء. وما إن ظهرت نتائج هذا المرسوم، حتى شُغلت السلطة بتحديد العدد الأقصى من اللبنانيين الذين يمكن منحهم أوسمة أو ترفيع درجات الأوسمة التي يحملونها.
كل ما ذكر لا يخفي أن الحكومة عملت بجد من أجل دراسة الإصلاحات المقترحة على قانون الانتخابات البلدية. ولإنجاز مشروع القانون، عقد مجلس الوزراء سبع جلسات خاصة، أتمّ بعدها مشروعاً أحيل على مجلس النواب. وفي هذا المشروع، قال رئيس الحكومة ما لم يقله جميل في بثينة. لكنّ الحياة الديموقراطية داخل الأحزاب اللبنانية أدّت إلى عدم قبول أعضاء المجلس النيابي (سيّد نفسه) بما اتفق عليه ممثّلوهم في مجلس الوزراء.
هذه «الإنجازات» لا ترضي عدداً كبيراً من الوزراء. يقول أحدهم: «ليست هذه هي النتيجة المتوخاة». وفي رأي الوزير الشاب، فإن الميزان السياسي دقيق جداً، و«الحكومة مسؤولة عن إدارة الحالة السياسية الراهنة التي تحولت إلى هدنة». وفي المقابل، يعد وزراء بانطلاق عجلة العمل الحكومي الجدي ابتداءً من اليوم، وباكورته ملف النفايات الصلبة.