وتساوى أولئك الذين أشادوا مع أولئك الذين استنكروا. الفارق الوحيد هو أن وسائل الإعلام لم تعد تنقل إلا الترحيب والحبور.
صبيحة اليوم التالي لمقابلة الرئيس السوري التي بثّت عبر قناة المنار ليل الرابع والعشرين من الشهر الحالي، كان يوماً مرعباً للعاملين في الوكالة الوطنية للإعلام، إذ تدفقت عليهم التصريحات عبر البريد الإلكتروني والفاكس، وكلها تشيد بكلام الرجل. إلا أن قوى الأكثرية التي لم تقدّم تعليقات ذات شأن، كانت تشعر بمغص نتيجة الفارق بين ما لديها من موقف مسبق وما قاله بعض من تحدث باسمها مشيداً عموماً بكلام الرئيس السوري بشار الأسد.
يوم الجمعة، في السادس والعشرين من الشهر الحالي، وبعد يومين من كلام الرئيس السوري، كان بعض قوى 14 آذار مجتمعين في لقاء حواري، ولم يستنتجوا في تباحثهم في كلام الرئيس السوري إلا القليل، وأهمّه أن هناك إيجابية في كلام الرجل تتمثّل في إشادة الأسد بالسياسة الأميركية. أمّا السلبية، فهي تشديد الأسد على المقاومة واستجلاب الحرب. ولاحظوا أنه «قاد حملة تذاكٍ بخصوص لبنان عبر تحييد الرئيس سعد الحريري عن حلفائه».
وانتقدوا كذلك المعيار الذي وضعه الأسد لتحديد من هم حلفاء سوريا، وهو الذي رأى أنّ تأييد المقاومة يجعل من القوى حليفة لسوريا.
هذه الاستنتاجات المبسطة بديهية في حلبة لعب داخلية في لبنان، وخاصة إذا ما كنا محكومين بمعادلة «الكل فائزون»، تلك التي تحجب الواقع الفعلي دائماً، وفي ظلها تتصرف القوى الطائفية بصفتها قوى سياسية، وترى أن بلادها محور الكون، وأنها كقوى طائفية محور البلاد، وبالتالي فإن القبيلة التي ينتمي إليها القيادي من أصحاب لقب البيك هي محور الكون بكامله أيضاً.
ولكن السياسة المحلية شيء، والواقع الإقليمي شيء آخر. لقد رسم الأسد بكلامه خطاً واضحاً أعلن فيه، بحسب ما يرى، من هو الفائز ومن هو الخاسر. وسواء سُجّلت نقطة إيجابية في مصلحته لأنه مدّ يده إلى الولايات المتحدة أو لا، فإنّ لديه رؤيته الخاصة للأمر: «عندما طرح مشروع الشرق الأوسط وكانت له جوانب مختلفة، منها العراق ولبنان، وكان من المفترض بسوريا أن تكون جزءاً منه ورفضته، كان لا بد من دفع الثمن». إذاً، يرى الرجل أنه دفع ثمن خيار سياسي، ولكنّ دفع الثمن تم في مرحلة ماضية، وقد نجح خياره. لذلك، يواصل كلامه قائلاً: «في المحصلة، هم فشلوا، ليست الولايات المتحدة (وحدها)، بل كل أصحاب المشروع.
نفترض أن صاحب المشروع هو بوش. لا نريد أن نمزج بين الإدارة السابقة والحالية». والفاشلون هم الولايات المتحدة ومعها بعض الدول الأوروبية: فرنسا، بريطانيا ومعهما إسرائيل ومعها حلفاء آخرون في أوروبا وفي العالم وفي المنطقة، بحسب تعبير الأسد. وبذلك يكون جزء من الخاسرين هم بعض العرب في المنطقة، أي باختصار مصر والسعودية والأردن، وكل من كان في محور الأميركيين من سلطة فلسطينية وغيرها. وفي ذلك القول إعلان انتصار السياسة التي اتبعها الأسد في الأعوام القليلة الماضية، وهو يتحدث عن الخسارة قاصداً الغرب وبعض العرب معاً.
أما بشأن الملف اللبناني، فيمكن اختصار وجهة نظر الأسد كالآتي: «أصرّت بعض الأطراف على أنها حققت شيئاً من سياساتها خلال السنوات الماضية. الخمس سنوات الماضية في الحقيقة لم تحقق شيئاً، بل أدخلت لبنان في متاهات. الآن تريد بعض القوى أن تقنع الآخرين بأنها حققت شيئاً... حتى لو كان سفارة. السفارة أنا من طرحها في عام 2005 ولم تكن طرحاً لبنانياً.
والمعروف عن سوريا أننا حتى لو كنا نفكر في خطوة معينة، عندما نشعر أنها تأتي بطلب أو فرضاً أو محاولة تدخّل من الخارج، يكون الجواب الرفض مباشرة. ولهذه القوى التي تحاول أن تسوّق أن سياساتها أو أن ضغطاً خارجياً أتى بالسفارة، نقول إن هناك مثالاً أهم: قليل من الدول تحدثت في موضوع السفارة، لكن كثير من الدول الآن تتحدث عن ترسيم الحدود، ونحن كان جوابنا واضحاً بكلمة واحدة «لا». الآن بدأنا بالحديث مجدداً مع زيارة الرئيس سعد الحريري إلى سوريا. قبل ذلك، كان الموضوع مغلقاً. لم يكن هناك علاقة بين حكومة سوريا وحكومة لبنان. الآن نحن نبني هذه العلاقات. ولكن أتحدث عن المبدأ. إذا نجحوا في فرض ترسيم الحدود من الخارج، فسيكون كلامهم صحيحاً. أما إذا فشلوا، فعلى الناس ألا يصدقوهم».
واضح من الكلام أن القوى التي راهنت على أية تغييرات في لبنان قد فشلت، في رأي الأسد. وهو يقول إنها لم تربح شيئاً. إذاً، شعارات مثل الحرية والسيادة والاستقلال، بحسب الأسد، ليست شيئاً، أو لم يتحقق منها شيء. انسحب الجيش السوري؟ نعم، ولكن ما الذي حققته هذه القوى المحلية؟ أمّا كل المطالب الأخرى لقوى 14 آذار، فلم تتحقق، بحسب كلام الرئيس السوري. وفي هذه المعادلة، ثمة رابح وخاسر. من لم يحقق شيئاً هو خاسر مطلق، ومن لم يقدم شيئاً نتيجة الضغط هو رابح مطلق أيضاً.
تبدو محاولة دفع الأمور إلى أقصاها وفق مشاريع خارجية مسألة في غاية الخطورة. وحين يتطرّق إليها الأسد، يذكّر المستمع بعام 1983، بُعيد الاجتياح الإسرائيلي للبنان. ووجه التشابه هنا هو الاجتياح السياسي الأميركي للبنان في المرحلة الممتدة من عام 2004 (صدور القرار الدولي الرقم 1559) حتى نهاية الانتخابات النيابية الأخيرة:
"الأحداث نفسها تتكرر لأن نفس القوى الكبرى تقع في نفس الخطأ ونفس القوى الموجودة أو ربما قوى جديدة ولكنها تستند إلى نفس الأسس أن الحل يأتي من الخارج... في المحصلة تسقط كل هذه القوى طبعاً، 17 أيار الجديد أهم بكثير وأخطر وأكبر من 17 أيار السابق. اليوم 17 أيار الجديد هو مشروع الشرق الأوسط، لبنان جانب منه. هذا فشل، وبوش فشل في أفغانستان والعراق ولبنان عندما فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها عام 2006. فشلت، عندما فشلوا في إخضاع سوريا وإيران وتغيير السلوك. فشلت عندما فشلوا في المؤامرات التي جرت في لبنان لإسقاط المقاومة. كل هذا فشلٌ لـ17 أيار".
ولحسن الحظ أن فشل الرهان الحالي لم يكن بكلفة إفشال اتفاق 17 أيار عام 1983، أو على الأقل حتى الآن، لم يكن بنفس الكلفة. فلمن لا يتذكر، تطلّب إفشال اتفاق عام 1983 انتفاضة في الضاحية الجنوبية وحرباً في الجبل، وانتفاضتين في بيروت ومعارك متواصلة لعدة أشهر بكل أنواع الأسلحة ومئات العمليات العسكرية الرئيسية ضد القوى المحلية، ومثلها من عمليات العصابات ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي، وسط رعاية سورية وسوفياتية مباشرة حينها.
أما في المسائل الرئيسية التي يجري النقاش الدائري فيها في لبنان، مثل قرار الحرب والسلم، فإن الرجل كان واضحاً. فمن ناحية الحرب، إنها الخيار الأخير الذي يبرز مع انتهاء النقاش السياسي... وخيار الحرب ليس مطروحاً إلا في إطار المواجهة لا الهجوم. وما يريده من لبنان هو «الخطوط العامة. موقف لبنان تجاه العلاقة مع سوريا وتجاه إسرائيل والسلام والأمن والاستقرار وتجاه التعاون والعلاقات الأخوية بين الشعبين. أما أن ندخل في تفاصيل يومية لبنانية، فهذا ليس من مصلحة سوريا، ونرفض هذا الكلام».
وبالتالي، يمكن فارس سعيد على سبيل المثال أن يمثّل جبيل وضواحيها، ولكن في ملف السلام والمفاوضات والحرب، فإن الدينامية ليست مسألة داخلية لبنانية.
وكل ما يقوم به الرئيس سعد الحريري من ناحية، وقوى أخرى مرتبطة به من ناحية أخرى، وبعض من حول رئيس البلاد من ناحية ثالثة، يرى الأسد أنه يُفقد هؤلاء اللاعبين صدقيتهم ولا يؤثر على سوريا: «عندما أقول كلاماً ويقوم فريقي بالتصريح بكلام معاكس أو التصرف بسياسة معاكسة لسياستي، فهذا يعني أنني فاقد الصدقية. هذا يضرّني أنا. لذلك أرى هذا الموضوع جزءاً من التفاصيل اللبنانية ـــــ اللبنانية التي لا تؤثر على سوريا. هم الآن يتمسكون بقشة. هذه القشة تكون أحياناً عبارة عن تصريح من هنا ومن هناك لاستفزاز سوريا. لكن بالنسبة إلينا، هذه القوى لم تكن موجودة على الخريطة السياسية السورية». إذاً، يأتي كلام شخص كرئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية من أنه يصعد إلى سوريا عبر زيارة سعد الحريري لها، ليصبّ في الفراغ. فالأسد يرى أن هناك خريطة، والقوى مثل القوات التي تريد الصعود بالواسطة إلى دمشق غير منظورة على الخريطة.
أما عن المحكمة الدولية، فقال: «هناك بازار الآن. بازار المحاكم الدولية. طبعاً هذا البازار فقد وهجه. يستطيعون أن يذهبوا إليه، ربما يصلون إلى شيء ما. في سوريا، نحن لا نقبل المسامحة، والأهم من ذلك لا نحتاج من يسامحنا». وبالتالي، فإن الاتهام السياسي الذي سبق أن سيق لأعوام طويلة في حق دمشق موضوع في زاوية التحدي ،«فليذهبوا لعلّهم يصلون إلى شيء».
كان الأجدى بقوى الرابع عشر من آذار مناقشة الهزيمة التي مُنيت بها في لبنان، قبل أن تنطلق في جلسات نقاش لا تسمن ولا تغني من جوع. والمعضلة أن هزيمة هذه القوى السياسية ستجر الطوائف إلى الاستنفار مجدداً.
الدول والقوى
في نقاش مغلق، على مدى ساعات عدّة، ناقش مفكر فرنسي أحد الناشطين الإسلاميين من الذين وقفوا في وجه الجيش السوري في لبنان في الثمانينيات من القرن الماضي ووقعوا في الأسر من بعدها. وسأل المفكر الفرنسي: كيف تبرر تناقضك بين قتالك لسوريا في الماضي، وموقفك اليوم الذي يرى أن دمشق معبر ضروري للمقاومة؟ فأجابه الناشط: كنا مراهقين سياسيين.
الناشط نفسه يقول إن القوى السياسية تربح وتخسر، ولكن الدول الإقليمية لا يمكنها أن تخسر، فهي تنهار ببساطة، وهو ما حصل في العراق، وهو ما سيحصل في سوريا. فإذا خسرت سوريا في لبنان، فإن النظام نفسه سيتقوّض. وهي لم تخسر في لبنان، بل حققت ربحاً مقابل من كان يعتقد أنه ببعض الأوشحة الملوّنة وببعض الأغاني في الشوارع يمكنه أن يجعل من دولة إقليمية تنهار.
ولكن في صراع المذاهب اللبنانية، الأوهام هي التي تقود السياسة، ولا يزال البعض يناقش في مستقبل قوى الرابع عشر من آذار، بينما كان بشار الأسد يعلن نهاية مشروع ومرحلة.