هنا، جاء الجمهور كثيفاً، خلافاً لقاعة عصام فارس التي لم يتعدّ الحضور فيها العشرات. هكذا، اعتلى د. إريك فوسي، الطبيب النرويجي، منبر الكلام ليحكي لشباب لبنان وطلابه، مجدداً من دون كلل عن تجربته في مستشفى الشفاء في قطاع غزة خلال العدوان الإسرائيلي. هل كانت كثافة الحضور تعكس عمق الاهتمام؟
وفي هذه الحال، هل كان الحضور في الأميركية يعكس بالتالي قلة الاهتمام؟ لا يمكن الجزم، لكن ما يمكن قوله هو أن تجاوب «العشرات» في الأميركية كان أكثر تعبيراً من القاعة الممتلئة، رغم أن الداعي كان من «أهل الدار»، أي التعبئة التربوية في حزب الله. هكذا، تحت عنوان «التجربة الدولية في نزع الأخلاقية عن الكيان الصهيوني» تحدث د. فوسي عمّا رآه في غزة، ووجه الشبه بين ذلك العدوان الذي عاشه في غزة وما عايشوه هم، أي الطلاب، خلال حرب تموز 2006. مثّلت حرب تموز مرجعاً لمعظم النقاط التي تطرق إليها فوسي: يتذكر المرة الأولى التي رأى فيها مدى تأثير «صواريخ دايم» على المصابين عندما استعملتها إسرائيل في حرب تموز، ويضيف قائلاً إن «معظم الإصابات التي رأيتها في غزة كنت قد عاينتها سابقاً في لبنان خلال حرب الـ33 يوماً». من جهة الجمهور، بدا أن بعض الطلاب جاء لرؤية الرجل الذي اشتهر خلال حرب غزة، والبعض الآخر أتى بدافع إنجاح الندوة التي أقامتها التعبئة التربوية في حزب الله.
مع بدء الندوة، اعتذر د. فوسي عن عدم «قدرتي على التحدث إليكم باللغة العربية أو الفرنسية، رغم أنني أزور لبنان منذ 30 عاماً» كما قال، ولهذا السبب حضر مترجم. كرر د. فوسي ما قاله في قاعة عصام فارس، لكن هنا كانت الاهتمامات مختلفة، إذ تأثر الطلاب بأرقام الإحصاءات التي قدّمها الطبيب أكثر من تأثرهم بالصور التي التقطها لأشلاء المصابين الذين عالجهم، ربما لاعتيادهم «هذه المناظر» جراء الحروب التي عاشوها. يتحدث فوسي عن علاقته الطيبة مع فتح وحماس، شارحاً أن جمعية نورواك التي يرأسها «لا تتدخل في السياسات الداخلية الفلسطينية، إذ إننا نقدم مساعدات للطرفين». يتذكر د. فوسي الأشهر الأربعة التي سبقت العدوان على غزة عندما طلبت إسرائيل «من الصحافيين والجمعيات، ومني شخصياً، تجديد تراخيص وجودنا في غزة والتوجه إلى القدس للحصول على التراخيص.
لكنني عندما وصلت إلى القدس لم يكن في المكاتب أحد، فعرفنا أنها لعبة لإخلاء القطاع للإعداد للحرب عليها، فهي أرادت حرباً بلا وجود غربي». هكذا، بدأت الحرب على القطاع، وتمكن د. فوسي مع زميله طبيب التخدير مادس غيلبرت من دخول القطاع بعد 3 أيام من اندلاع الحرب. هناك رأى الطبيبان ما لا يستطاع تحمله، إذ «كنا نجري عمليتين جراحيتين في الغرفة الواحدة، كذلك حولنا ممر المستشفى إلى غرفة عمليات كبيرة، وكنا نجري في بعض الأحيان أربع عمليات جراحية في المكان الواحد». يتحدث د. فوسي عن تجربته، عيناه تهيمان في فضاء القاعة، لا ينظر إلى الصور المعروضة خلفه، التي التقطها بكاميراه، فهي راسخة في ذهنه. تمر صور الضحايا والأشلاء المتناثرة واحدة تلو الأخرى. في قاعة عصام فارس كان تأثيرها أكبر على الحضور الذين كانوا عند كل صورة يشهقون أو يخبئون وجوههم بأيديهم، بينما هنا كانت هذه الصور تمر كأنها أمر عادي. هكذا، تحدث د. فوسي عن الصراع الذي عاشه وعن حالته النفسية السيئة، وخصوصاً مع انعدام الأمل «بانتهاء كل هذا، كنا نجري العمليات، لكننا لم نكن نعيد معاينة مرضانا ولم نعرف إذا كنا قد أخطأنا، أو إذا عاش المريض أو توفي». هذه الحالة دفعت بفوسي للتوجه إلى الصحافة الغربية، مطالباً بوقف قتل الأطفال، وخصوصاً بعد مجزرة مدرسة الفاخورة، مدرسة الأونروا التي قصفتها إسرائيل. حينها وصل إلينا 60 مصاباً بحالة الخطر التاسعة مساءً، وبعد انتهاء العمليات كانت الغرف تغرق في الدماء وكنا نخوض وسط برك من الدماء»، كما قال.
انتهت الندوة بالحديث عن قصة طفل «كان ينزف، ولم نكن نعرف مكان النزف، إلى أن وجدت جرحاً صغيراً. وضعت إصبعي فيه، فتبين أنني ألمس كبده. أجريت له عملية ليعود ضغط دمه إلى طبيعته». في قاعة عصام فارس بعد انتهاء الندوة، وقف الحضور وصفقوا لمدة دقيقة كاملة. في الجامعة اللبنانية خرج الحضور مسرعين كأن إحدى محاضراتهم قد انتهت.