على طاولة الجلسة العادية لمجلس الوزراء أمس، التي عقدت في السرايا الحكومية، حاول رئيس الحكومة سعد الحريري حسم موضوع الاتفاقية اللبنانية ـــــ الأميركية، لكن موقفه التبريدي جاء لمصلحة فريقه السياسي، حيث بدأ حديثه عن هذه الاتفاقية بوصفها «الاتفاق الخاص بالهبة إلى قوى الأمن الداخلي»، كما تحرص قوى 14 آذار على تسميتها، لا بوصفها اتفاقية أمنية تمسّ بسيادة البلد، بحسب مضبطة اتهام المعارضة سابقاً.
وقال إنه «قد جرى تسييس قضية قابلة للمعالجة ولا تبرر الخلاف الحاد الذي شهدناه». وشدد على التضامن الوزاري، مؤكداً حرصه «على الابتعاد عن السجالات السياسية في هذه المسألة، وعلى ضرورة العمل على حلها بمسؤولية وواقعية تضع وجهات النظر المختلفة في نصابها». وختم هذه النقطة بالدعوة إلى «تجاوز الحساسيات التي أثارتها المواقف السجالية».
وقد رأت مصادر وزارية أن الحريري طرح قصة الاتفاقية للغمز من قناة الوزير محمد فنيش الذي كان قد صرّح نهاراً بأنه جرى تهريبها. ونقلت هذه المصادر عن رئيس الحكومة قوله خلال الجلسة: «كنا مرتاحين لمناقشة الموضوع في المكان المناسب، أي لجنة الإعلام والاتصالات، وأنا سأعطي توجيهات لنواب المستقبل وتكتل لبنان أولاً، لحصر النقاشات داخل اللجنة، وبناءً على ذلك، تصل الأمور إلى خواتيمها المطلوبة».
فردّ فنيش بأنه كان يقصد الاتفاقية التي وقّعت في عام 2007 عندما قال إنه جرى تهريبها، لا ملحق الاتفاقية الذي أقرّ في مجلس الوزراء الحالي، مؤكداً أنه لو حصل نقاش في شأن الاتفاقية لتحفّظ العديد من الوزراء على الكثير من بنودها.
هنا تدخل الوزير زياد بارود، قائلاً إن الملحق أشار إلى وجود هبة إضافية قيمتها 12 مليون دولار، «ونحن كوزارة لم نكن مطّلعين على النصّ الأصلي للاتفاقية»، وتحدث بارود بإيجابية عن إدارة النقاش داخل لجنة الإعلام والاتصالات، ليتوقف النقاش عند هذا الحد، الأمر الذي فهمته المصادر بأنه حرص من الجميع على تنفيس الجو وعدم حصول «مشكل».
بعد ذلك طرح بارود موضوع المتعاقدين والمتطوّعين في قوى الأمن الداخلي، فاقترح الوزير سليم الصايغ تثبيت المتعاقدين والمتطوعين وتطويع دفعة ثانية بحيث يراعي مجموع الدفعتين (المثبتين والذين يجري تطويعهم) تأمين التوازن الوطني «لأن الغلبة في الدفعة الحالية هي للمسلمين». وجرى نقاش في هذا الموضوع استغرق ثلاثة أرباع وقت الجلسة، وفي النتيجة وافق المجلس على تثبيت 10600 متطوع ومتعاقد، فلم يعد هناك غير مثبتين، وعلى الإجازة لقوى الأمن الداخلي تطويع 4 آلاف عنصر إضافي من الذكور والإناث «على أن تراعي في مجموع المثبّتين والمتطوّعين الجدد مقتضيات الوفاق الوطني». كذلك وافق المجلس على تعيين القاضي والوزير السابق محمد بسام مرتضى عضواً في المجلس الدستوري خلفاً للراحل أسعد دياب.
وقبل الجلسة، كان موضوع الاتفاقية اللبنانية ـــــ الأميركية محور مؤتمر صحافي عقده الوزير فنيش، أكد فيه أن أياً من وزراء المعارضة لم يطّلع على مضمون الاتفاقية ولم يناقشها، وأن ما جرى توقيعه هو ملحق تعديلي للهبة الأميركية لقوى الأمن في كانون الثاني «جاء في إطار التسوية بعد توقيعها من المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي في شهر شباط، أي قبل 13 شهراً»، مشيراً إلى أن وزراء المعارضة بعدما عادوا إلى الحكومة السابقة «كانوا يسجّلون تحفّظاتهم على كل ما يتصل بقرارات الحكومة التي كانت فاقدة لمشروعيّتها الدستورية، حيث كان يجري التعامل مع ما هو مطروح بما لا يعرقل عمل الحكومة».
وذكر أنه جرى تعريب الاتفاق في مجلس الوزراء على أنه هبة من السفارة الأميركية لقوى الأمن، لا كاتفاق أمني، وقد «تعاملنا مع هذا الأمر على أنه هبة، ولم ندرك أنه كان علينا التعاطي معها بالريبة والشك، لأن الهبة لا يجب أن تكون مقرونة بشروط واتفاقيات»، لكن «بعد الاطلاع على الاتفاق وجدنا أنه مخالف للأصول، وخصوصاً فكرة الحديث عن منظمات إرهابية بحسب القانون الأميركي، وهو أمر مخالف للدستور، ويمثّل انتقاصاً لحقوق بعض اللبنانيين، إضافة إلى القبول بالمنطق الأميركي الذي يصنّف اللبنانيين، كما أن الأمر الآخر المخالف في هذا الاتفاق هو إعطاء امتيازات وحصانات لبعض الموظفين الأميركيين، وهذا الاتفاق أقرّ في لحظة استثنائية لم نكن نعترف فيها بشرعية حكومة غير ميثاقية». ورفض «تشاطر البعض المضلّل للرأي العام ومحاولة إلقاء اللوم على وزراء المعارضة».
في المقابل، واصل رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، سمير جعجع، الدفاع عن الاتفاقية، ورأى أن «الحملة» عليها «هي أكبر عملية تشويش وتشويه حصلت ربما في تاريخ لبنان الحديث»، لأنها «ليست اتفاقية أمنية، بل اتفاقية هبة تدريب وتجهيز»، وقد مرت «على 3 حكومات متعاقبة وأقرت بشكل قانوني ودستوري».
في هذه الأجواء، وصل إلى بيروت أمس، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي جون كيري، في إطار جولة في المنطقة، وقد زار رئيسي الجمهورية والحكومة ميشال سليمان وسعد الحريري. ورغم أن زيارته تحمل طابع «استكشاف إمكانات إعادة إطلاق المفاوضات السلمية في الشرق الأوسط، وخصوصاً على المسار الفلسطيني ـــــ الإسرائيلي»، كما ذكر المكتب الإعلامي في بعبدا، إلا أنه دخل على خط الاتفاقيات اللبنانية ـــــ الأميركيّة، بالإعراب عن التطلّع إلى متابعة العمل مع الحكومة للعمل «على إقامة عدد من الشراكات التي تجمع بين الولايات المتحدة ولبنان، سواء على الصعيد التعليمي أو مجالات السلام والاستقرار أو تطبيق القوانين وغيرها».