لم ينجل بعد الدخان من مواقع التفجير في روسيا وبغداد، حين ظهر نص مقابلة صالح القرعاوي على موقع «الفجر» (من إعداد مركز الفجر الإعلامي المعتمد من تنظيم القاعدة) والمواقع القريبة من «القاعدة»، وبعده مباشرة تصاعد دخان التفجيرات في باكستان.
هذه المرة ظهر القرعاوي بصفته القائد الميداني في كتائب عبد الله عزام، التي تشرف على عمل سرايا زياد الجراح المسؤولة عن 3 عمليات في جنوب لبنان.
وهذه المرة احتل الملف اللبناني المكانة الأوسع في اللقاء، إذ أعلن القرعاوي استراتيجيته العملية في المنطقة، وخاصة في لبنان، ورأى أن المجاهدين جزء من العمل، وعلى المسلمين استكمال العمل عبر نشر الوعي والتوحد والتمكّن من أسباب القوة. وركّز على أن حزب الله والجيش اللبناني سيحاصران الفلسطينيين اللاجئين في المخيمات، كما يحصل بين مصر وغزة. وأكد أن أولوية الكتائب (التابعة لتنظيم القاعدة الدولي) هي مقاتلة الإسرائيليين، ولكن يحاول كلٌّ من حزب الله والجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) منعها من ذلك.
وعلى ما في كلام القرعاوي من بساطة حين يتحدث عن الواقع الداخلي في لبنان، إلا أنه تداخل في لحظة سياسية أمنية دقيقة، هي محاولة قوى المعارضة استيعاب الهجمة على حزب الله تحت عنوان المحكمة الدولية، ومن بعدها ترحيب الأكثرية بموقف الأمين العام لحزب الله بالتعاون الذي أبداه مع التحقيق، وإن كان بتحفّظ. ويأتي كلام القرعاوي، وفي سياقه الحملة الشديدة على الحزب وعلى الشيعة عموماً، ليعيد طرح السؤال من جديد بشأن المغزى والتوقيت من فتح هذه الملفات.
أحد المعنيين بالمتابعة الحثيثة لملف «القاعدة» والمجموعات الجهادية في لبنان يقول: «ربما كان هناك من لا يتمكن من طرح الكلام من الداخل، فيأتينا به من الخارج»، دون أية إضافات. بينما اتهامات القرعاوي المتعددة تشير إلى أن تكتيك الكتائب وسراياها العاملة في لبنان سيكون متابعة ما بدأته في شباط من عام 2009، حين أطلقت أوّل دفعة من الصواريخ نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة، وستحاول «خرق الحصون»، كما سمّت شريطها المصوّر.
يبدأ القرعاوي إجاباته بالحديث عن اتهامه بالإعداد لخطف سياح في السعودية: «إذا كان يُقصَد بالسياح الأميركيون والبريطانيون وغيرُهم من المشركين، فهذا شرف لنا، وضرب من ضروب الجهاد».
وعن تأليف كتائب عبد الله عزام يقول: «رأينا فتح جبهة خارجية لضرب المفاصل الاقتصادية وخرق صفوف العدو من الداخل، ولرفع الهمم بعد ما أصاب المسلمين من ضعف وخور، فكوّنا كتائب عبد الله عزام وقسمنا(ها) إلى سرايا عدّة، منها سرية زياد الجراح التي خصّصت لضرب اليهود في فلسطين، فأُطلقت صواريخ عدة على اليهود في فلسطين للمرة الأولى، وذلك قبل سنة ونصف تقريباً، بعد ذلك قام إخوانكم المجاهدون بالأخذ بالأسباب ـــــ مع شدة هذا العمل الجبار وصعوبته، حيث الخونة في لبنان وحزب الله وقوات اليونيفيل يحمون جنوب لبنان لأجل أمن اليهود من الشمال ـــــ بإطلاق صواريخ على اليهود للمرة الثانية (صيف عام 2009).
ويتحدث عن الوضع الداخلي اللبناني فيقول: «بعد مقتل رئيس الحكومة الأسبق الحريري وانسحاب جيش النظام السوري من لبنان، انقسمت الساحة اللبنانية إلى ما يسمّى الموالاة والمعارضة. فأحدهما مدعوم ممّا يسمى دول الاعتدال العربية، ومن خلفها الغرب، والآخر من دول الممانعة متمثّلة في إيران وسوريا، ولكل جناح منهما أجندته وأهدافه التي يسعى إلى تحقيقها على أرض لبنان. وحصل بين الطرفين صراع مرير ظاهره لبناني، وحقيقته أنه دولي، استخدمت المعارضة فيه أسلوب التصفية الدموية لرموز خصومها، كما هي عادتها وديدنها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قام أصحاب هذه الأعمال بإلصاق أعمالهم بالجماعات الإسلامية في لبنان لكي يضربوا عصفورين بحجر، فالغرب والحكومة اللبنانية تعلم علم اليقين أن هذه الاغتيالات السياسية ليست من فعل الجماعات الإسلامية، ولكنّ الماكينتين الإعلاميّتين للنظام السوري والحزب، مدعومتين بالأجهزة العسكرية المسيطَر عليها من المعارضة، تزجّان باسم الجماعات الإسلامية في هذا الصراع وهذه الاغتيالات، وأنا أؤكد أن هذه الاغتيالات جميعها، ولا سيما المذكورة في السؤال (رفيق الحريري ووليد عيدو وبيار الجميّل وسمير قصير وفرانسوا الحاج)، ليس للجماعات الإسلامية في لبنان ولا حتى الشام كلها أي صلة أو ارتباط بها، ولكن تلك الأطراف الخارجية كما جعلت من لبنان مسرحاً لصراعها وغلّفته بغلاف الصراع اللبناني الداخلي، سعى بعضها إلى ضرب خصومه بعضهم ببعض وتوريط الجماعات الإسلامية لتكون ضحية لهذا الصراع. والعارف بالشأن اللبناني يعلم أن الجماعات الإسلامية، حتى لو كانت تلك الاغتيالات على رأس أولوياتها، ليس عندها الإمكانيات لتنفيذها بهذه الدقة، لأنها تحتاج إلى أجهزة ضخمة وخلايا متعددة، بعضها يكون دوره الرصد وجمع المعلومات وبعضها دوره التخطيط وبعضها التمويل وبعضها التنفيذ وغير ذلك من الأدوار اللازمة، وهذا لا يتأتّى إلا لمن عنده سيطرة تامة على الاتصالات وله اختراق للأجهزة العسكرية اللبنانية. هذا فضلاً عن كون الجماعات الإسلامية ليس من أولوياتها دخول هذا الصراع».
ولا يرى القرعاوي خطراً في التدخل الأميركي في لبنان، فهذا «التدخل المباشر وإن كان مستنكراً، إلا أنه أقل خطورة من تحريك أميركا للدمى التي يمثّلها بعض أبناء لبنان. إن لبنان صار أرضاً لصراع دولي، وأهل السنّة (في لبنان) للأسف في أسوأ حال وضعف وبؤس وظلم، وهم الضحية الأبرز في لبنان، بل حتى في سوريا وبلاد الشام عامة. (لكنهم) على ضعفهم سيمثّلون قوة كبيرة إذا التفّوا وتكتّلوا وعملوا بأسباب النصر، وأهمها اتخاذ القوة العسكرية والسياسية الملتزمة بالشريعة. إن العمل الدعوي في لبنان في مجمله ضعيف مع ما يبذله الكثيرون من الدعاة وفّقهم الله وأعانهم على جهودهم».
ثم يصل إلى الجيش اللبناني الذي يقول عنه إنه «يكيل بمكيالين. فهو يعامل أهل السنّة في لبنان بالبطش والقتل والتعذيب والسجن والقهر والمداهمات، ويقتل الشباب المسلم بدم بارد كما حدث في بلدة مجدل عنجر، أما مع الشيعة أو أي طائفة أخرى فلا نراه يحرّك ساكناً. فالجيش خاضع للنفوذ الشيعي المتمثّل في حركتي حزب الله وأمل برعاية إيرانية سورية امتدت لعقود حتى صار النفوذ الشيعي مسيطراً سيطرة تامة على استخباراته. فمثلاً لمّا هاجم الحزب أهل السنّة في لبنان وبيروت خاصة في «اليوم السابع من أيار الشهير»، لم يدافع الجيش عن أهل السنّة، ولم يكتفِ بالحياد، بل كان هو الغطاء للحزب وحامي ظهره.
وفي مقابل هذا، لما قتل عنصر من عناصر الحزب طياراً من الجيش اللبناني، لم يمكث هذا العنصر أكثر من تسعة أشهر في الإيقاف. ولما ضرب إخواننا في سرايانا في لبنان اليهود، خرج علينا قائد الجيش يقول إن من قام بهذا العمل هم مشبوهون وعملاء لليهود، فهم يرددون ما يقوله (الأمين العام لحزب الله) حسن نصر الله ولا يخرجون عن رؤيته. فيا للعجب! إذا ضرب أهل السنّة اليهود صاروا عملاء، وإذا ضرب الشيعة اليهود فهم شرفاء ومقاومون».
ويخلص إلى القول إن «الجيش اللبناني ظاهر عمله يتمثل في حفظ أمن لبنان، ولكن حقيقته أنه ليس إلا أداة من أدوات الحزب لإمرار مشروعه في لبنان، أعني مشروع ولاية الفقيه».
أما الجانب المذهبي الحاد في المقابلة فيبدأ به بالقول إن «الشيعة في لبنان يعملون بمقتضى دينهم، أي بالنفاق، وبمعنى آخر «التقية»، فهم في العلن يظهرون عداوتهم لإسرائيل، ولكن مقابل مصالحهم يبيعون دينهم، لأنهم في الباطن ما هم إلا حرس لليهود ولكن مقابل ثمن. فهم ينتشرون على الحدود بقوة ويبثّون عيونهم وعملاءهم ليضبطوا الحدود ويسيطروا عليها».
ويعد القرعاوي بالعمل «بكل ما نستطيع لنصرة أهلنا في فلسطين، والعمل لا يقتصر على الصواريخ، بل نسعى إلى أن ننوّع في الطرق، ونفاجئ العدو بكل ما نستطيع من عمليات، وسيرى المسلمون منّا إن شاء الله ما يسرّهم».