أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

البقاع بلا نقل مشترك!

الثلاثاء 06 نيسان , 2010 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,196 زائر

البقاع بلا نقل مشترك!

فهل تستجيب الحكومة؟ أم سيستمر مسلسل ضرب هذا القطاع لمصلحة الشركات الخاصة؟

«خلّي الدولة ترجّعلنا أوتوبيسات النقل المشترك... مش معقولة كل فان عندو تسعيرة. شو مرتبطين بالبورصة؟»، عبارة تطلقها «أمل» (موظفة) باستياء عارم وهي تترجّل من أحد الفانات منتقدة إصرار صاحب الفان على مبلغ ثلاثة آلاف ليرة بدل انتقالها من بعلبك إلى بيت شاما، وذلك على الرغم من تأكيدها بأنها عندما ذهبت صباحاً إلى عملها لم تدفع إلا ألفي ليرة.

رزق الله على الـ 500 ليرة

حال أمل لا تختلف عن المئات من الموظفين والعمال وعناصر الجيش والأمن وطلاب المدارس والجامعات والمعاهد في البقاع بأكمله، الذين يواجهون عبء ومشاكل النقل بالفانات الخاصة، مترحّمين على أيام «جحش» الدولة الذي مضى على غيابه عن طرقات البقاع ما يناهز الخمس سنوات، وهو كان يمثّل بالنسبة إلى هؤلاء رئة النقل التي يتنفسون منها هروباً من الأكلاف الباهظة للنقل الخاص يومياً، وللمشاكل التي تواجههم كالتأخير عن دوامات العمل، بحسب ما يؤكد علي شمص، الذي يفتقد بشدة باص النقل المشترك الذي كان يمر في بلدته بوداي وينتقل به إلى مركز عمله في زحلة، مقابل رسم زهيد «لا نشعر به» مقداره 500 ليرة، فيما يفتقر خط بلدته اليوم إلى الفانات الخاصة أو حتى السرفيسات، ما يفرض عليه الانتقال بسيارته، منفقاً أكثر من 20 ألف ليرة يومياً كثمن بنزين.

أما مهدي جعفر فيرى أن النقل المشترك كان يمثل «الرحمة» بالنسبة إلى أهالي الهرمل سواء لجهة العبء المالي أو لجهة مخاطر القيادة، منتقداً السرعة المفرطة لسائقي وسائل النقل الخاص.

الحفريات هي السبب!

وإن كان الأهالي يطالبون بعودة النقل المشترك الى قراهم، فإنهم يكادون يجمعون على رفض ذريعة مصلحة النقل المشترك التي تصر على «أن السبب الذي أدى إلى غياب باصات النقل هو الحفريات الموجودة في الطرقات»، فقد أكد عضو بلدية شمسطار رفيق زين الدين أنه قصد مع أحد زملائه المصلحة في بيروت بعد فترة من توقف النقل في البقاع، بهدف المطالبة بإعادة تفعيله وإنشاء مقاعد انتظار، ففوجئ بالرد أن «التوقف سببه الطرقات المليئة بالحفر والتي تؤثر سلباً على الأوتوبيسات، وهو ما لم نقتنع به، وخاصة أن خطوط النقل المشترك بأكملها قد توقفت وليس خط دون آخر».

وقد أكد خضر حميّة، وهو سائق فني دخل مصلحة السكك الحديد والنقل المشترك في عام 1997، أن السبب الذي أدى إلى انهيار بنية النقل المشترك هو الأوتوبيسات التي استقدمت وهي من نوع «كاروسا» ذات محرك رينو فرنسي «وفيتاس» ألماني وتجميع تشيكي، حيث كانت تعاني من مشاكل كثيرة، في مقدمها «كمبريسيرات» ضغط الهواء التي تعتمد عليها معظم الوظائف في الأوتوبيس ومنها الفرامل، نافياً أن تكون حالة الطرقات هي السبب الرئيسي لوقف العمل، مضيفاً أن ما زاد «الطين بلة» عدم وجود مراكز صيانة للأوتوبيسات التي كانت تتعطل بشكل شبه متواصل، فكان السائقون يقومون بأنفسهم بإجراء التصليحات الميكانيكية، بعد «شحطها» من الطرقات.

أما الحالات المستعصية فكانت تنقل إلى محطة مار مخايل في بيروت حيث يوجد الميكانيكي الوحيد لهذا النوع من وسائل النقل، يساعده عدد من الفنيين. ولفت حمية إلى أن الأوتوبيسات كانت «تلامس الواقع المعيشي» للناس، فكانت توفر لهم الانتقال من أقصى البقاع شمالاً إلى بعلبك وزحلة والبقاع الغربي، ومن قرى وبلدات لا تصل إليها الفانات الخاصة كما في غرب بعلبك ـــــ دير الأحمر والنبي شيت وكفر زبد وقوسايا، وذلك كله برسم مالي ثابت وبسيط جداً مقداره 500 ليرة، لتصبح هذه الأوتوبيسات مقصد الموظف والعامل والطالب، حتى إنها كانت تمثل عنصر الأمان بالنسبة إلى بعض الأهالي الذين يرسلون بناتهم إلى المدارس أو الجامعات والمعاهد.

العوائق الحقيقية

ويقول حمية الذي نُقل إلى ملاك وزارة الزراعة بعد توقف النقل المشترك في البقاع، إنه «في إحدى المرات دفع كل منا كسائقين (أكثر من 80 سائقاً) مبلغ 50 ألف ليرة بغية تأمين مبلغ مالي لشراء زيوت لمحركات الأوتوبيسات، وذلك بعدما توقفنا عن العمل مدة عشرين يوماً، والسبب كما تذرّعوا هو أن لا اعتمادات مالية لذلك!».

من جهته، رأى المسؤول السابق عن محطة النقل المشترك في البقاع يوسف أمهز في حديث إلى «الأخبار» أنه من الأشخاص الذين طالبوا على مدى عشر سنوات بإدخال النقل المشترك إلى شوارع البقاع وقد تمكن فعلياً من ذلك بتاريخ 1/10/1998 حيث جرى تشغيل حوالى 30 أوتوبيساً على 13 خطاً مقسّماً إلى منطقتي سعدنايل وبعلبك.

ورأى أن المشاكل الميكانيكية، التي كانت تعاني منها الأوتوبيسات، كانت عوائق فعلية أمام استمرارية وسائل النقل في البقاع وخاصة في ظل غياب مراكز الصيانة الفنية وقطع التبديل والاعتمادات المالية، موضحاً أن «النقل المشترك العام كان يخسر 100% من النقل، على عكس كل دول العالم التي تربح الملايين منه»، ويعزو أمهز السبب في ذلك إلى «الإدارة السيئة والتخمة في عدد السائقين (600 سائق على 200 أتوبيس) فضلاً عن عدم وجود مهندسين ميكانيكيين. أما عن توقعاته بعودة الأوتوبيسات إلى طرقات البقاع، فأكد أن الوزير غازي العريضي أكد خلال زيارته إلى بعلبك ـــــ الهرمل أنه سيتوجه إلى مجلس الوزراء بخطة لشراء باصات بهدف تفعيل النقل المشترك، لكن أمهز شدد على أن تفعيل المصلحة يتطلب «إعادة هيكلة الإدارة والبنية التنظيمية» فيها ومن ثم استقدام أوتوبيسات ذات نوعية جيدة.

وعليه، فإن حقبة الكاروسا غير الناجحة انتهت في عام 2003، إلا أن اللافت في هياكلها المتناثرة في ساحتي رياق وسعدنايل أن جميعها فقدت معظم المقاعد من داخلها وإطاراتها المطاطية من الخارج، وحتى عدداً من مصابيح الإنارة.

10 أوتوبيسات

هو عدد الأوتوبيسات العاملة حالياً، وقد انخفض عدد الركاب إلى 4 آلاف راكب يومياً، في مقابل 37 ألفاً في 2004، و35 ألفاً في 1997، و20 ألفاً في 1994، و73 ألفاً في 1988، و101000 عام 1971.

من أجل المصالح الخاصة!

في عام 1995، أجرت مصلحة النقل المشترك صفقة بقيمة 21 مليون دولار لشراء 200 أوتوبيس من ماركة «كاروسا»، لكن تبيّن أنها ليست معدّة للتشغيل في لبنان.

وشُغّلت هذه الحافلات عام 1997، وتهالكت الواحدة تلو الأخرى.

وفي عام 2004 أقرّت الحكومة شراء 250 حافلة جديدة، إلّا أن القرار لم ينفّذ بسبب رفض رؤساء الحكومات المتعاقبين اتخاذ قرار بالشراء، لأن الذين يشغلون النقل المشترك الخاص محسوبون على جهات سياسية!

Script executed in 0.18855094909668