صالح القرعاوي هو أحد العاملين سابقاً تحت إمارة وقيادة أبي مصعب الزرقاوي في العراق وخارجه، بحسب ما يقول القرعاوي. ومعلوم أن الخطوط بين التنظيم الدولي والزرقاوي متقاطعة، ولكنها ليست موحدة.
وتنظيم القاعدة عادة ما يعتمد اسمه المباشر مع إضافة الإمارة حين الإعلان عن أعماله، كأن يعلن، على سبيل المثال، أن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، أو الجزيرة، أو غيرهما من الأماكن بحسب تسميات التنظيم. بينما القرعاوي أعلن إنشاء كتائب عبد الله عزام وسرايا زياد الجراح، وهذا من خارج التقليد الرسمي للتنظيم الدولي.
لا يعني ذلك مباشرة أن القرعاوي وكتائبه خارج السياق القاعدي، ولكن هناك مكانة فاصلة ما بين الاثنين لا بد من التدقيق فيها.
أضف إلى ذلك أن مركز «الفجر» للإعلام هو أحد الأجنحة القريبة من التنظيم الدولي، وهذا المركز عادة ما ينتج لقوى جهادية قريبة من التنظيم. وطبعاً، تنطلق من الفكر الجهادي نفسه، وهو سبق أن أنتج لتنظيم فتح الإسلام عدداً من الأعمال الإعلامية، فلا مجال هنا للخطأ على المستوى الفكري والإسلامي الجهادي، وإن كانت هناك مساحة بين ما ينتجه هذا المركز وما ينتجه موقع آخر متخصّص في الإعلام القيادي للتنظيم، كالشيخ أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري وغيرهما من القيادات المعروفة في التنظيم الدولي.
هذا ما يعطي هامشاً لقوى جهادية شابة ومتحمّسة في العمل، ويحفظ التنظيم الدولي من هنّاتها، سواء أكانت هينات أم عسيرات، كمثل نظرة القرعاوي إلى لبّ الصراع، وإلى العلاقة مع الولايات المتحدة، وإلى برنامج العمل أو الأولويات. وإن كان القرعاوي يتفق إلى حد ما مع ما جاء به الشيخ أسامة بن لادن في كلماته الأخيرة المذاعة عبر الإنترنت، من حيث إعطاء القضية الفلسطينية الأولوية، إلا أنه يخالف بعض ما قاله القرعاوي نفسه، إذ يقول في مكان إن رصاص آل سعود أحبّ إلى قلبه من رصاص الأميركيين، في إظهار شدة توقه إلى العمل في الجزيرة العربية وتقويمه لتسلسل الأعداء، ثم في مكان آخر يرى أن «التدخل الأميركي المباشر، وإن كان مستنكراً، إلا أنه أقل خطورة من تحريك أميركا للدمى التي تمثلها من بعض أبناء لبنان»، منافياً كل ما قاله تنظيم القاعدة في المنطقة، وخاصة من أين أتى هو، أي في السعودية حيث كان الشعار الأول للقاعدة هو طرد الصليبيين من الجزيرة، وعمل لغاية اليوم تحت هذا الشعار.
في مطلق الأحوال، فإن الكتائب هي مشروع يتمتع بقدر قليل من الاستقلالية كما يتضح من خلال نص اللقاء مع القرعاوي، وهدف تأسيسها هو «ضرب المفاصل الاقتصادية وخرق صفوف العدو من الداخل». هنا، لا بد من تحديد العدو الذي سيعمل على خرق صفوفه. طبعاً، ليس هو الإسرائيلي، حيث التنظيم وسراياه وكتائبه هي خارج المناطق المحتلة والضفة والقطاع. وفي سرد القرعاوي لتقطّع السبل عن الدعم والاكتفاء بقدر قليل من الصواريخ ما يشير بوضوح إلى أن كل العمل يقوم في أرض الشام ما عدا الأراضي المحتلة، فمن سيكون غير دول الطوق؟
العداء الذي أطلق في حق الحكومات والجيش اللبناني والشيعة كطائفة، وحزب الله وحركة أمل كقوى ممثلة لها، يوضح تماماً من هي القوى التي ستكون في دائرة الاستهداف بصفتها العدو، إضافة إلى إطلاق عمليات في الأراضي المحتلة من خلال أراضي لبنان وغيره من الدول في المنطقة، إذا ما أتيح لهذا التنظيم اليافع أن ينفّذ ما يقوله، فيساعد في تخفيف العبء عن الفلسطينيين من ناحية ويمنع إسرائيل من التمتع بالأمن من ناحية أخرى، بحسب ما يقول القرعاوي.
مما لا شك فيه أن القرعاوي نفّذ عملية لمصلحة كتائبه، وبتركيزه على الجانب اللبناني يمكن إعلان مسؤولية «سرايا الجراح» عن هذه العملية التي اقتصرت على إطلاق النار السياسي على المعارضة في لبنان، وفي توقيت شديد الدقة، يحمل احتمالات متعددة؛ فإما أن أطرافاً لبنانيين غير قادرين على الكلام حالياً استعانوا بمن يمكنه الكلام، وإما مبادرة لبناء ثقل سياسي من قبل الكتائب في لبنان في لحظة محرجة للأطراف كلها، وإما هرباً من حالة المتابعة والملاحقة وانسداد الأفق التي تحيق ببعض الفصائل الجهادية في لبنان، فقام القرعاوي بخطوة إلى الأمام.
والقرعاوي هو المطلوب الرقم 34 على لائحة المطلوبين الـ85 لوزارة الداخلية السعودية. وتقول المواقع السعودية إن القرعاوي، بعدما تمكّن من تسهيل فرار العديد من المساجين والمطلوبين من المملكة، غادرها بأوراق مزوّرة إلى الإمارات، ومن هناك إلى إيران.